رحلة اخرى

رحلة أخرى

رحلة أخرى.. مختارات من أشعار عبد الرحمن يوسف.. لأول مرة باللغة التركية
صدر حديثًا ديوان “رحلة أخرى” للشاعر المصري عبد الرحمن يوسف عن دار “وابور”، ويعد أول دواوينه المترجمة إلى اللغة التركية.

الديوان يضم مجموعة مختارة من قصائده الشعرية بلغت 40 قصيدة ترجمها المترجم المعروف الدكتور محمد حقي صوتشين، والأستاذة ملك دينيز أوزدمير؛ وكتب المقدمة المترجم الأستاذ أحمد زكريا.
يعد الديوان إضافة لمكتبة الشاعر من الأشعار والقصائد المترجمة؛ فقد سبق أن تُرجمت قصائده لعدة لغات، ودُرست أشعاره في عدد من رسائل الماجستير والدكتوراه داخل وخارج العالم العربي.
وتعد أشهر دواوين الشاعر الصادرة بالعربية: رثاء امرأة لا تموت، حزن مرتجل، اكتب تاريخ المستقبل، على المكشوف، لا شيء عندي أخسره، مسبحة الرئيس، على راسها بطحة، في صحة الوطن، أمام المرآة.

مقدِّمة الديوان

أتصور أنه من المستحيل الفصل بين عالم عبد الرحمن يوسف الشعري وحياته الشخصية الممتلئة بالسياسة. وإذا كانت هناك كلمة من الممكن أن تكون مفتاحاً لقصائده، وتلخِّص مساره الشعري فلن تكون تلك الكلمة غير الرَّفض.

بدأ الشاعر عبد الرحمن يوسف مشواره الحياتيَّ والإبداعي بالتمرد على الزخرفة اللغوية من ناحية، والموضوعات التي لا تساعد على تغيير حياة الشعوب العربية، التي حرص على مخاطبتها من ناحية أخرى. من يقرأ أشعاره، سيلاحظ على الفور اهتمامه بالناس، وليس بالنُّقَّاد، حتى أننا نجده يسخر في إحدى قصائده من هذه الفكرة قائلاً:

“لَنْ يَكْتُبَ النُّقَّادُ عَنِّي …
فَالحَدَاثِيُّونَ تَلْسَعُهُمْ بُهَارَاتُ اقْتِبَاسِي مِنْ قَدِيمِ القَوْلِ
و الغَاوُونَ للشِّعْرِ القَدِيمِ يَسُوءُهُمْ قَفْزي عَلى بَعْضِ القَوَاعِدِ
كَالغَزَالِ يَدُوسُ – لا عَمْدًا ولا سَهْوًا – بِقَفْزَتِهِ بُيُوتَ العَنْكَبُوتْ”.

وأتصور أيضاً أن اختيار الكتابة عن الناس وإليهم هو اختيار واعٍ، في رأيي، عند الشاعر. لأن كتابة القصيدة الصريحة والجريئة، في نفس الوقت، ليس أمراً سهلاً على الإطلاق، لكن عبد الرحمن يوسف خاض هذا التحدِّي ونجح فيه بمهارة. فقد استطاع أن يكتب قصيدته بوضوح وجرأة، ومزجها بشاعرية عالية، حتى أصبحت قصائده التي يرددها الثوار في الميادين وتهدِّد الرؤساء في قصورهم، موضوعاً لأبحاث طلاب الماجستير والدكتوراه في الجامعات أيضاً.

وكما اهتم عبد الرحمن يوسف في قصائده بهموم الناس في الشارع المصري، لم ينس قضايا الشعوب العربية أيضاً، حتى وهو يتحدث عن همومه الشخصية. ومثلما نجد في قصائده حضوراً لمدنٍ كـ”الإسكندرية” و”المحلَّة” و”قنا” في مصر، نجد حضوراً أيضاً لمدن عربية مثل “غزة” و”دمشق” و”بيروت” و”بغداد”.

إلا أن مصر التي اختار الشاعر أن يعيش فيها، رغم ولادته في بلد عربي آخر، قد حظيت بالنصيب الأكبر من أشعاره. فنجده يهتم بكل ما يخص حياة المصريين، في أفراحهم وأحزانهم، كما نقرأ في قصيدته “حزن مرتجل”. ومثلما كتب الشاعر العديد من قصائد الهجاء في حسني مبارك خلال فترة حكمه، وفي عزِّ طغيانه، لم يتخل عن شعبه وأحلامه في التغيير في ثورة يناير، التي كتب قبلها بأيام قصيدته الشهيرة “الطريدة”. ولم يكن الشاعر يوماً ما، من المثقفين المنعزلين عن واقعهم، فقد كان منذ اليوم الأول حاضراً في الثورة المصرية بميدان التحرير، بنفسه وبأشعاره التي ردَّدها الثوار، حتى أطلقوا عليه “شاعر الثورة”.

ورغم اضطرار الشاعر للخروج من وطنه مصر إلا أنه لم ينس وهو منفاه بتركيا، قضايا شعبه المصري، بل هموم وقضايا العرب، والمهاجرين واللاجئين الذين عانوا من آثار الثورات المضادة. وقد كتب في هذا السياق قصيدة من أجمل ما كُتب في التضامن مع المعارض السعودي جمال خاشقجي، بعنوان “هذا الرزين المطمئن”، وما زال يكتب العديد من القصائد التي تزعج الطغاة في قصورهم في العالم العربي، وسيردِّدها الثوار في الميادين، يوماً ما، وليس هذا ببعيد، كما يعتقد الشاعر الذي كتب “في الأفق نور”.

أترك القراء الآن في هذه الرحلة مع هذه القصائد المختارة من مجموعة دواوين للشاعر عبد الرحمن يوسف، بعنوان “رحلة أخرى”، وأعدهم أن تكون رحلة شعرية وثورية في آنٍ واحد.
أحمد زكريا – شاعر ومترجم مصري مقيم في تركيا