الانقلاب السوداني

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 31 أكتوبر 2021 م

الانقلاب العسكري في السودان حدث منذ الأسابيع الأولى لخلع البشير، وليس منذ عدة أيام بإعلان الجنرال البرهان إلغاء الوثيقة الدستورية، وحل ما يسمى بمجلس السيادة، وحل مجلس الوزراء.

رئيس الوزراء "عبدالله حمدوك" الذي يستلم راتبه ومخصصاته المالية من الاتحاد الأوروبي لا يمثل ثورة السودان، ولا علاقة له بالشعب السوداني.. تماما مثل الجنرال البرهان، أو زعيم ميليشيات الجنجويد المدعو حميدتي ومن هم على شاكلتهم.. كل هؤلاء مجرد أدوات تحقق مصالح دولية، وإقليمية.. وشخصية !

المكوّن المدني في السلطة التي أطلق عليها (مجلس السيادة) ليس أكثر من مجموعة من عملاء العسكر، لا همّ لهم سوى تصفية الحسابات السياسية مع تيار الإسلام السياسي (وهو أكبر تيار سياسي في السودان).

كان هدف المكوّن المدني أن يتم إقصاء الإسلاميين كلهم، برغم أن غالبية الإسلاميين كانوا في الشوارع ضد البشير خلال ثورة ديسمبر (المغدورة).. يقولون إن الإسلاميين تحالفوا مع العسكر.. ولكي يتخلصوا منهم تحالفوا أيضا مع العسكر.

والحقيقة أن البشير جنرال عسكري، وقد وظف بعض الإسلاميين على مدار ثلاثين عاما من الحكم، وبعد انكشاف أنه مجرد حاكم عسكري لا هم له إلا السلطة، انتفض ضده الشعب السوداني، وكان غالبية الإسلاميين في قلب تلك الانتفاضة.

الإسلاميون يربحون الانتخابات، لذلك أصبح الشاغل الأكبر لهؤلاء "المدنيين" القضاء على الإسلاميين.. وتأجيل أي انتخابات في الأجل القريب، لذلك ستجدهم يتفننون في إطالة أمد الفترة الانتقالية، لأنهم يعلمون جيدا أن الانتخابات ستجلسهم في بيوتهم، بل ربما تدخلهم السجون جزاء ما اقترفوه.

تصورات هؤلاء المدنيين كانت تحمل عداء لفكرة الانتخابات، وبرامجهم العملية صرحت في أكثر من مرة بضرورة (التعيين) لا الانتخاب، والغريب أنهم يتحدثون عن الشرعية، أي شرعية تلك التي تأتي دون انتخابات وبتحالف مع العسكر؟!

*        *        *

العساكر لا يريدون إلا فترة انتقالية طويلة نسبيا، يعيدون فيها ترتيب أوراقهم، وتوحيد صفوفهم، وتوثيق اتفاقاتهم الدولية والإقليمية لكي يتمكنوا بعد ذلك من القيام بما تعودوا عليه خلال أكثر من نصف قرن، إنهم محترفون في "تصحيح مسار الثورة" !

لقد صححوا مسار خمس ثورات، ونتج عن هذا التصحيح تقسيم السودان، وفقره، وتبعيته.. والأهم من ذلك زيادة أرصدتهم في الداخل والخارج.

العساكر لا يقلقهم بيانات تصدر من بروكسل وواشنطون، فالتنازلات التي سيقدمونها للخارج ستكون كفيلة بجلب الاعتراف الدولي.. والمجتمع الدولي سيكون حريصا على عدم منح ذلك الاعتراف بسهولة، بل بعد ابتزاز يستمر سنوات وسنوات.

الخارج لا يريد من السودان سوى مزيد من التنازلات !

الاتحاد الإفريقي علق عضوية السودان.. ألم يعلق عضوية مصر من قبل؟!

التنازلات ستكون هذه المرة تقسيما جديدا للسودان، وهو أمر متفق عليه بين المكوّن العسكري، والمكوّن "المدني" المزعوم.

السيد حمدوك ومن معه شاركوا في تقسيم جديد للسودان، كانت بدايته اتفاق "جوبا".

المكوّن "المدني" المزعوم يظن أن إقامة علاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيوني ستحميهم من العسكر، والحقيقة أن هذا النوع من التنازلات يعريك أمام الشارع الذي أشعل الثورة، ويبعدك عن الظهير الشعبي، والعسكريون أقدر من المدنيين على هذا النوع من التنازلات.

المجتمع الغربي يطالب العسكر الآن بـ"حكومة مدنية"، والعسكر في السودان سينفذون هذا الطلب، (غال والطلب رخيص)، ما أكثر المدنيين الذين يرغبون في خدمة العسكر هذه الأيام، المدنيون المعروضون في فاترينات متاجر السياسة اليوم يلبسون أفخر الحلل، وتسلط عليهم الأضواء.. لا ينقصنا سوى أن نرى دلالين في الأسواق يهتفون بالمايكروفونات (مدني للبيع.. مدني للإيجار) !

*        *        *

لقد سُرقت الثورة السودانية، وبغض النظر عن نتائج أي مسيرات أو احتجاجات خلال الأيام والأسابيع القادمة.. ستكون قدرة العسكر على الالتفاف على مطالب الثورة عالية.. فهذا التفتت "المدني" أمام العسكر لا يمكن أن ينتج عنه نصر.. هذا التشرذم لا ينتج عنه إلا الهزيمة.

وبالتالي.. ستؤول الأمور إلى حكم عسكري آخر، وقد تسير السودان في طريق التقسيم، وقد يكون السبيل إلى ذلك التقسيم حرب أهلية يدفع الناس فيها أثمانا باهظة، لكي يكدس العساكر مزيدا من الثروات على جثة الوطن.

قد يكون الحكم العسكري القادم محتاجا إلى واجهة مدنية، وقد تكون هذه الواجهة "حمدوك" نفسه، ولكن في النهاية ستظل السودان تدور في فلك العسكر، ما دام فيها مدنيون يعتبرون العسكر حليفا نزيها، ويغلبون أحقادهم وثأراتهم الشخصية على مصلحة الأمة.

*        *        *

أكثر ما يضحك في المشهد هو حديث الجنرال عن الشرف العسكري، وعن "المؤسسة العسكرية"، وعن الأمن القومي.. وهو مجرد قائد ميليشيا !

هذه القوات المدججة بالسلاح، الغارقة في التجارة والبيزنيس، ليست إلا ميليشيات مسلحة، هدفها الحفاظ على مكاسب قادتها وأعضائها.

إنها طبقة اجتماعية طفيلية، لا علاقة لها بالناس، بل هي عدو الناس الأول، ولا خلاص لأوطاننا إلا بإزاحة هؤلاء الخونة من طريق الأمة، لكي تتمكن من التقدم، ولكي يحصل الناس على بعض حقوقهم التي نهبت على مدار عشرات السنين تحت تهديد سلاح هؤلاء الذين يحدثوننا اليوم عن الشرف العسكري.

حفظ الله السودان.. ونسأله أن يكشف الغمة عن أوطاننا المبتلاة بحكم العسكر..

للتعليق على المقال