دولة ريش

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 24 أكتوبر 2021 

ما أتفه هذا النظام الذي يستولي على جميع أدوات الإنتاج السينيمائي والتلفزيوني، وينفق في هذا الإنتاج مئات الملايين على مدار سنوات وسنوات، ويجند جميع الخبرات والطاقات من أجل غسل دماغ الشعب وزرع أفكار كاذبة بعينها.. ثم يأتي في نهاية الأمر مجموعة من الهواة وأنصاف المحترفين لينفخوا في كل إنجازات هذا النظام نفخة واحدة.. فتطير كأنها ريش دجاجة مذبوحة على مذبح الوطنية !

لن أقدم لك تحليلا فنيا لفيلم "ريش" الذي أثار عاصفة من الغضب "الوطني" المزعوم في مصر المحروسة، فهذا ليس موضوعنا، كما أنه أمر لا يهم القارئ أصلا.

ولكني أحب أن أؤكد للقارئ الكريم على شيء واحد يُجمع عليه كل من شاهد الفيلم (من أعجبهم، ومن لم يعجبهم.. من اعتبروه مزورا لحقيقة الإنجازات الوطنية، ومن اعتبروه معبرا عن واقع مصر الغارق في الفقر).. يجمع الطرفان على أنه فيلم (غير جماهيري) !

ورغم ذلك.. وبفضل حماقة مجموعة من الفنانين الذين يعملون بريموت كنترول الأجهزة الأمنية تحوّل الفيلم إلى حديث الجماهير.

فيلم "ريش" نخبوي، لن يفهمه ولن يشاهده ولن يروق إلا لأصحاب ذائقة معينة، ولكنه بفضل هؤلاء الحمقى.. ستتضاعف مشاهداته.. بفضلهم.. لا بفضل الجائزة العالمية التي حصل عليها.. بفضلهم.. لا بفضل مهرجان كان أو مهرجان الجونة !

*        *        *

لقد أظهر هذا الفيلم أننا أمام دولة "ريش"، وأنها مرعوبة من أي نفخة هواء من أي شخص أو جماعة أو مؤسسة.. لأنها تعلم أنها ستطير كما يطير الريش في الهواء.

ولأن الدولة أصبحت كالريش، فإن كل مخبري هذه الدولة أصبحوا ريشا بالتبعية، ولهذا السبب لم يتمكن هؤلاء المخبرون من الجلوس في القاعة إلى أن ينتهي الفيلم، وشعروا أنه واجبهم كمخبرين أن يثبتوا أنهم اعترضوا.

المخبر يخاف أكثر ما يخاف من المخبر الآخر !

المخبر يكتب عن كل الناس، عن زملائه في العمل، والسكن.. عن جيرانه.. عن أسرته أحيانا، ولا تستغرب.

ولكن المخبر دائما يكتب في المخبرين الآخرين، لكي يقطع الفرصة عليهم في أن يكتبوا فيه.

لذلك في الأجواء التي تعيشها الدول المنحطة تجد سباقا في التسفّل بين المخبرين.

كل فنان من هؤلاء خاف أن يُبلِّغ عنه زميله الذي يجلس معه في القاعة.. والبقاء للأوسخ !

*        *        *

من أسوأ ما تراه في "دولة الريش" تنكر الإنسان لأصله، فترى أشخاصا ينكرون وجود الفقر، ويتحدثون عن الإنجازات.. وحين تبحث عن أصولهم تجدهم من قاع المجتمع، أقول ذلك وصفا لا أقصد به الذم، فالفقر ليس مذموما، وحين نقول إن الفنان الفلاني جاء من أفقر طبقات المجتمع نحن لا نذمه، بل نذم تنكره لهذا الأصل، وتكبره على الفقراء، وعلى تحيزه للأغنياء من المال الحرام الذين يمصون دماء غالبية الشعب التي ما زالت تعيش في الفقر المدقع (الفقر الذي هرب منه هذا الفنان المزعوم).

من أسوأ ما تراه اليوم أن ترى شخصا ولد فقيرا، وعاش بداية عمره في الفقر.. ثم تراه ينظر لبيوت الفقراء ويتمنى أن يخلص (الله) البلاد من هذا البلاء المتمثل في هؤلاء الفقراء.. لكي تبدأ البلد مسيرتها (على نظافة) !

*        *        *

إن الخطوط الفاصلة بين الناس (آحاد وجماعات) تزداد كثافة وغلظة، والتقسيمات بين فئات المجتمع لم تعد كما كانت، والمتأمل للمشهد المصري اليوم لا بد أن يلاحظ أن الناس مهيئة للانقسام أكثر مما هي مهيأة للتوحد، وأن الأحقاد بين الناس أصبحت أكثر رسوخا، وأن صفات كالجدعنة أو التراحم تكاد تختفي من الحياة الاجتماعية.. والأمر المؤكد أن كل ذلك لم يحدث صدفة، وأنه تم بفعل فاعل، وأن الفاعل معروف، وأنه قد ارتكب هذه الجريمة – أعني تفريق الناس – لأنه يعملم أن تجمع الناس يشكل الخطر الأكبر عليه.

إن انقسام الناس إلى فقراء وأغنياء في مصر واضح منذ مئات السنين، ولكنه اليوم أوضح، وانقسامهم إلى مسلمين ومسيحيين واضح منذ مئات السنين، ولكنه اليوم أوضح، وانقسامهم إلى أي شيء (أهلي وزمالك لو شئت).. ستراه اليوم أوضح.

والطامة الكبرى أن الناس أصبحوا مقسمين بالطول والعرض والعمق، أصبحوا مقسمين قبليا، وجغرافيا، ودينيا، واجتماعيا، ورياضيا.. وهذه التقسيمات أصبحت حادة.. مدببة.. تمتلئ حقدا وكراهية بشكل لم يعرفه هذا الشعب من قبل.

إن كل من يختلف مع هذا النظام خائن، وكل من يعارضه لا بد أن يسجن، وكل من تشير له أصابع الاتهام لا بد أن يتأدب (بدون محاكمة).

لا بد من وجود آلاف المظلومين الذين لم يرتكبوا جريمة سياسية في السجن (وبتهم سياسية مفبركة، وعلى عينك يا تاجر)، لكي يصل الخبر لكل من يفكر أن يرتكب فعلا سياسيا ضد السلطة.

*        *        *

خلاصة القول: نحن أمام نظام أضعف من ريش دجاجة مذبوحة، ولكنه يحتمي بفرقة التيارات والنخب السياسية، ولا حل سوى بتجاوز هذه النخب، وبتخطي الخلافات السياسية، وهو أمر ليس مستحيلا.

بإمكان شباب مصر – إذا أراد – أن يسقط هذا النظام، وأن يستعيد بلده من براثن الضبع، وأن يؤسس لنظام ديمقراطي ودولة مدنية، وأن ينقذ هذا البلد المنكوب من هلاك يقترب.

رابط المقال