الإنسان الدبابة

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 3 أكتوبر 2021

تحتل الدبابة المكان، والزمان.. ولكنها قد تحتل الإنسان الذي يعيش فيهما أيضا !

حين تحتل الدبابة إنسانا يصبح من الصعب – بل من الصعب جدا – إخراج الدبابة منه، والغريب أن إدخال الدبابة فيه ليس بذات صعوبة استخراجها منه.

تخيل إنسانا يعاني صداعا مزمنا، فيذهب للطبيب فيضعه تحت جهاز الأشعة، فيرى في رأسه دبابة إم وان إبرامز !

الغريب أن الطبيب حين يفحص بقية أعضائه يدهش، ففي قلبه دبابة، وفي بطنه دبابة، وفي خصيتيه دبابتان صغيرتان..

الدبابة من اختراعات القرن العشرين، أول استخدامها كان في الحرب العالمية الأولى، حين دفع الجيش البريطاني بدبابات مارك–1 ، وتمكنت من كسر جمود الجبهة في حرب الخنادق ضد الألمان.

وهكذا تطور دور الدبابات كسلاح ليحقق الاختراق، ومن ثم الاستفادة منه لتطويره والتغلغل لمهاجمة العدو في العمق.

الدبابة احتلت مكان ومكانة سلاح الفرسان في الجيوش القديمة، وسلاح المدرعات تشكيل أساسي في أي جيش حديث.

*        *        *

الإنسان الدبابة له صفات ثلاث.. هو غبي.. فالدبابة لا تفكر، لأنها لو فكرت تعطلت، إنها آلة تأتمر بأمر قائدها، وقائدها في أغلب الأحيان يتوحد معها، فهو (ينفذ الأوامر) بالقصف، وبدهس الأعداء، سواء كانوا عسكريين يحملون السلاح.. أو متظاهرين يحملون اللافتات مكتوبة عليها آلامهم.. قائد الدبابة دائما شخص محدود الذكاء، متوسط القدرات، وقابليته لأن يقاد أكبر بكثير من الإنسان الطبيعي.. قائد الدبابة.. في أغلب الأحيان إنسان دبابة هو الآخر.. وهذا طبيعي..

والإنسان الدبابة أيضا قاسي القلب.. لو أصبح للدبابة قلبا، وأصبحت تشعر بما تدمره جنازيرها من بشر وحجر وشجر لتوقفت عن العمل، ولبكت بكاء الأم الثكلى.. لو شعرت الدبابة بما تفعله ستتحول لآلة ضخمة يلهو بها الأطفال في الساحات.. لو كان للدبابة عشر معشار قلب لتطوعت في الملاجئ من أجل إسعاد الأيتام.. ولبكت في جنازات الأطفال اليتامى، ولتطوعت في الهلال الأحمر لنقل المساعدات الطبية للاجئين !

الإنسان الدبابة قاسي القلب ذاك.. يبرر القتل، ويشمت في الدماء، ويشجع قائد الدبابة على السير بها في الشوارع والحارات والحقول، إنه إنسان بلا ضمير.. قلبه قدَّ من حديد صلب، ولقلبه جنازير..

أما الصفة الثالثة للإنسان الدبابة.. فهي كونه مخصيا !!!

هذا النوع من الناس لا ينجب !

لا ينجب أفكارا إيجابية، ولا ينتج أي شكل من أشكال التقدم، يصفق لقائد الدبابة، ويلقي عليه الزهور، حتى لو كان مجرما أو محتلا.. هذا الخصي لا يملك قدرة على التخيل، فتراه ملتصقا بالأمر الواقع، ولا يتزحزح عنه قيد أنملة (حتى في خياله)، فتراه يحافظ على الوضع القائم مهما كانت درجة الذل التي يعيشها.. خياله مخصي فلا يفكر.. ضميره مخصي فلا يستنكر الخطأ.. سلوكه مخصي فلا يخاطر بأي شكل من الأشكال..

*        *        *

من المفاجئ أن دبابات كثيرة دخلت مدنا كثيرة كقوة احتلال، ووجدت من يرحب بها.. هذا الذي يرحب بدبابة المحتل من النوع الذي أتحدث عنه..

والدبابة هي الدبابة.. أحيانا ترفع علم محتل، وأحيانا ترفع علما وطنيا.. ولكنها تظل دبابة في جميع الأحوال.. والإنسان الدبابة يتأثر بسائق الدبابة، فتراه يؤيد المحتل، وتراه يؤيد الحكم العسكري أو الاحتلال المحلي بكل أريحية، وبلا أدنى شعور بالذنب..

*        *        *

كيف يفيق الإنسان الدبابة من "دبوبيته"؟ وهل يمكن أن يعود إنسانا؟

الغريب أن الطريقة المثلى لإفاقة هذا النوع من البشر مما هم فيه.. أن تدهسهم الدبابة !

أعرف في أوطاننا أناسا صفقوا للدبابات وهي تطحن عظام المواطنين، وتهدم مستقبل ملايين الشباب، وتنتهك أعراض فضليات النساء.. ولم يفق هؤلاء إلا بعد أن قصفتهم مدافع الدبابة، وديسوا بجنازيرها..

بعض هؤلاء يتلف جوهر إنسانيته، فإذا قصفته الدبابة لا يفيق، بل يصبح دبابة معطوبة، مثل تلك الدبابات التي تراها في أرض المعركة محترقة لا فائدة منها..

الغريب أن الإنسان الدبابة قد يشفيه الله من دائه، ولكنه يعود وينتكس مرة أخرى بأسوأ مما كان..

رأينا في كثير من بلدان الشرق والغرب أناسا حررهم الله من الدبابات، ولكنهم ظلوا يحِنّون لها، ويرغبون في رؤيتها تحتل الشوارع والميادين.. انظر إلى ألمانيا اليوم، ستجد أنصارا لهتلر، وستجد في إيطاليا من ينظر لموسوليني بعين الإكبار والإجلال، وستجد في باكستان بعض الذين يرون في "برويز مشرف" العسكري الانقلابي زعيما وطنيا، وفي دول أمريكا الجنوبية يشتاق بعض مواطنيها لحقبة الانقلابات العسكرية.. تماما مثلما ينظر بعض الذين تحرروا في أوطاننا إلى طغاتهم الذين أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر..

*        *        *

يا أيها الإنسان الذي خلقك الله معززا مكرما.. كن إنسانا.. حافظ على كينونتك الإنسانية..

الدبابة آلة للقتل.. لقتل الأعداء المعتدين..

لا تسمح لأي أحد أن يحولك إلى دبابة..

لا تسمح لأي إنسان دبابة أن يُعْدِيَكَ ويحوِّلَكَ إلى مسخ مثله..

رابط المقال