بلا دبابات.. رحل الإسلاميون

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 12 سبتمبر 2021 م

لا أحب أن أتحدث في شأن لا ألم به الإلمام الكافي، لذلك لن أتمكن من تحليل أسباب سقوط حزب العدالة والتنمية المغربي في الانتخابات النيابية منذ أيام.

وصل الحزب إلى سدة الحكم وبقي فيها عشر سنوات، وفجأة خسر أكثر من تسعين في المائة من مقاعده في البرلمان.

أداء الحزب (الحاكم) في السلطة شابه الكثير من التحفظات، وفي الشهور الأخيرة اتخذ الحزب موقفا سياسيا صعبا، أعني الموافقة على قرار الملك بتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، وذلك بعد عقود قضاها الحزب وقياداته في إعلان العداء للكيان، والوقوف ضد التطبيع معه، بحكم المرجعية الإسلامية المشهرة للحزب.

تجاوز الحزب حدود المعقول في الشأن (الصهيوني).. هل كان الحزب يملك أن يرفض قرار الملك؟ آراء متعددة.. البعض يرى أن الحزب لم يكن يملك أن يعترض أصلا، وآخرون يرون أن الحزب كان يملك أن يخرج من السلطة، ولكن ذلك أمر باهظ التكلفة.

في النهاية يبقى التساؤل المنطقي المشروع: ما فائدة الوصول إلى السلطة إذا كنت لا تملك قرارا أخلاقيا مصيريا كهذا !

يحاول كثيرون أن يقللوا من أهمية قرار التطبيع في سقوط الحزب، والكاتب لا يستطيع أن يدلي برأيه في هذا الأمر..

والحقيقة أن سقوط الحزب الحاكم  في المغرب (وهو حزب إسلامي) يمثل حدثا شديد الأهمية للمنطقة كلها، ولا بد أن نتأمل فيه بغض النظر عن أسباب خسارة الحزب للانتخابات، وبغض النظر عن مستقبل الحزب والتيار الإسلامي كله، وهل يعتبر هذا السقوط فصلا نهائيا، أم أنه عقاب مؤقت من ناخبين غاضبين.

*        *        *

إن العبرة الأهم في هذا الحدث هو أنه لا توجد قوة خارقة في الديمقراطية، ولا توجد أحزاب غير قابلة للسقوط، ولا توجد أيديولوجية تحمي معتنقيها من الهزيمة (إذا أراد الناخبون ذلك) !

لذلك نستطيع – بكل ثقة – أن نقول لليساريين والليبراليين العرب الذين استمرأوا التحجج بالإسلام السياسي ليبرروا قلة حيلتهم وتكاسلهم في العمل السياسي.. وليبرروا تخوفهم من أي تجربة تحول ديمقراطي في بلادنا.. ها هم الإسلاميون يسقطون، بالصندوق، من أعلى طابق في بناية السلطة.. إلى البدروم !

لقد أصبح حزب العدالة والتنمية المغربي صاحب الكتلة رقم (8) في البرلمان، بعد أن كان حزب الأغلبية الذي يشكل الحكومة لوحده دون الحاجة لأي تحالفات.

أسقطهم الناخب المغربي – أيا كانت أسبابه – بكل بساطة، برغم (استخدامهم للدين) كما يحب خصوم التيار الإسلامي أن يصفوا حال الإسلاميين.

أسقطهم الناخب المغربي وذبحهم على مذبح الديمقراطية، ذبحا سلميا، دون إراقة قطرة دم واحدة، دون الحاجة إلى قتل آلاف الأبرياء في الشوارع، أو بناء عشرات السجون، إو إخفاء المئات قسريا، أو مصادرة أموال آلاف الشرفاء..

لقد انتصرت التيارات المناقضة للتيار الإسلامي دون أن تضطر إلى مباركة قتلهم في الميادين، ودون أن توسخ نفسها بالتحالف مع قوى خارجية، ودون أن تتسول مباركة دولية لانقلاب عسكري أو شبه عسكري.

سقط (الإخوان) كما يحب هؤلاء أن يسموهم دون أي تدخل خارجي، دون أموال الإمارات، ودون قنوات السعودية، ودون لوبيهات إسرائيل.

ووصل إلى السلطة منافسوهم، وسيشكلون الحكومة، وسيرضى عنهم الناخب المغربي، أو سيسقطهم في وقت لاحق..

كل ذلك تم دون متظاهرين في الشوارع، ودون قوات فض شغب، ودون رصاص حي في صدور المسالمين، ودون حرق جثث الأبرياء في الميادين أو في عربات الترحيلات !

الأمر بسيط.. لقد سقط التيار الذي تزعمون أنه غير قابل للهزيمة، وأنه يستغل جهل الناس، ويستغل الدين لمآرب سياسية.. سقطوا بعد تجربة حكم ليست طويلة، ولا شك أنها تعتبر قصيرة إذا ما رأينا البديل.. أعني البديل العنيف القائم على القتل.. أو حتى على المنع والإقصاء.

*        *        *

تجربة التحول الديمقراطي في المغرب ليست كاملة، وعليها كثير من التحفظات، ولكنها في نهاية الأمر تضع الصندوق أمام المواطن المغربي، وقد أثبت المواطن المغربي – شأنه شأن جميع الموطنين العرب – أنه يستطيع أن يدير الدولة، وأن يختار ويحاسب ويعاقب، وأنه ليس ذلك المواطن الجاهل الذي يسوقه المشايخ سوق الإبل إلى الصنادق باسم الدين.

آن لأكذوبة توظيف الدين في السياسة أن تسقط من معجم السياسة العربي، أو على الأقل أن تأخذ حجمها الحقيقي في التأثير الذي يزعمه البعض، وآن لكثير من خصوم التيار الإسلامي أن يتواضعوا قليلا وهم يتحدثون عن شعوبهم وكأنهم بهائم يسوقهم الراعي (المشايخ) إلى هلاكهم.

آن لكل الذين يبررون جرائم دعم الانقلابات العسكرية بخوفهم من الدولة الدينية أن يراجعوا مسلماتهم، وأن يعترفوا بأن المسألة ليست أكثر من عجز فردي وجماعي في تياراتهم، وأن شباب هذه التيارات (أعني غير الإسلامية) لو تركوا لقيادة تياراتهم فإنهم سيتمكنون من تقديم نموذج سياسي مختلف، ينافس الإسلاميين منافسة حقيقية، وينتصر عليهم دون الحاجة إلى الارتماء في أحضان العسكر، أو مستنقع القوى الإقليمية التي تمثل الثورة المضادة للربيع العربي.

*        *        *

كما آن للتيار الإسلامي أن يفهم أن انتخاب الناس لهم ليس لأنهم أبناء الله وأحباؤه، ولا لقداسة أفكارهم، بل هو انتخاب سياسي ناضج، قائم على الاختيار بين الأحزاب المتاحة، وأن الناخبين ليسوا أتباعا، وليسوا مجرد أرقام (مضمونة) في صندوق الانتخابات.

آن لقيادات التيار الإسلامي أيضا أن تسلم الراية لقيادات أكثر شبابا، وأن تعطي الفرصة لجيل الوسط ليقوم بدوره في التعامل مع جيل الشباب الذي أصبحت المسافة بينه وبين قياداته شاسعة.

*        *        *

التغيير السلمي السلس في المغرب يدفعنا إلى التأمل في دولة أخرى من دول المغرب العربي، دولة يبدو أن رئيسها يصر على تغيير (غير سلس).

لو أن السيد (قيس سعيّد) نظر إلى الغرب قليلا، لعرف إن التغيير ضمن إطار المنظومة – حتى لو كانت غير كاملة – أمر ممكن، ولو أن هناك رسالة يمكن توجيهها له وهو يحاول اليوم أن يقلب الطاولة على أبناء وطنه، وأن يدخل البلاد في أتون معضلات لن يستفيد منها إلا أعداء تونس.. الرسالة لهذا الرجل المفتون بالمكروفون.. التغيير ممكن دون الحاجة لقوى خارجية، ودون الحاجة لانقلابات.

نحن نعلم جيدا أنه لولا تراجع الدور الإماراتي في الإقليم والعالم بسبب العزلة التي حلّت بها تدريجيا، لولا ذلك لسالت دماء كثيرة في شوارع تونس !

وها هو الرئيس المزعوم يقف وحده عاجزا عن التصرف، اندفاعه غير المتزن يؤهله لقفزة في المجهول، وحلفاؤه الذين يحرضونه مشغولون عنه بمشاكلهم الخاصة، وأغلب الظن أنه سيقدم على تصرف غير قانوني، وغير أخلاقي.. والله وحده يعلم إلى أين سيصل هذا الرجل بتونس الحبيبة.

هذه خلاصة ما يراه المتأمل في سقوط حزب العدالة والتنمية المغربي، بغض النظر عن سبب ذلك الفشل الانتخابي، وبغض النظر عن مستقبل ذلك الحزب.. لقد ثبت بما لا يدع مجال للشك أن الديمقراطية وسيلة فعالة للتغيير، وأنها تعمل بأسلوب سلمي، وبالتراكم، وأن هذا التراكم ليس فوريا، ولكنه في الوقت نفسه لا يستغرق وقتا طويلا.. فعشر سنوات في عمر الشعوب ليس إلا لحظة خاطفة بمقايسس التاريخ.

رابط المقال