بدهيات في المشهد الأفغاني

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 5 سبتمبر 2021 م

ما زال يصرّ عملاء الأنظمة العربية من الإعلاميين المأجورين، وكثير من الليبراليين العرب على أن أمريكا هي من تدير المشهد في أفغانستان، وأن ما نراه من هزيمة مذلة ليست أكثر من ترتيبات متفق عليها، يقول أحدهم في برنامج مدعوم من مخابرات بلده (يوجد ضابط سي آي إيه ملتح يدير المشهد).. وهذا إن دلَّ على شيء فيدل على أن فكرة هزيمة أمريكا عند هؤلاء مرفوضة، ذلك أن وجودهم في الحياة يعتمد على تفوق أمريكا عسكريا، وعلى تفوق (النموذج الأمريكي)..

بعض هؤلاء يعيش في كنف أنظمة احتلال (محلي) مدعومة أمريكيا، وهزيمة الجيش الأمريكي في أفغانستان تعتبر – بشكل ما – هزيمة شخصية لهم، وتراجع دور أمريكا الدولي يعتبر خطرا وجوديا على الأنظمة التي تحتضنهم، وتغدق عليهم بالمال الحرام.

وبعض المعارضين الليبراليين يحزنهم هزيمة الجيش الأمريكي في أفغانستان، فهم ذلك يفقدون المبرر الفكري للتعالي على بني جلدتهم، لذلك تراهم اليوم يتحدثون وكأن قتلى الجيش الأمريكي قتلوا في حي سكني في مانهاتن أثناء ممارستهم اليوجا في صبيحة يوم مشمس، ولم يقتلوا أثناء ارتكابهم لمجازر يندى لها الجبين في بلد مسالم.

هذه المقالة أخصصها لعبر ينبغي أن يراها البعض في المشهد الأفغاني..

*        *        *

البدهية الأولى:

إذا رأيت جيشا يفاوض قوة مسلحة فذلك لا يعني أن تلك القوة المسلحة عميلة لذلك الجيش، بل يعني أن ذلك الجيش موجوع، يعاني.. وأنه في طريقه للهزيمة، وأنه يحاول أن يصل لصفقة مع هذه القوة التي تقاومه، أو مع ذلك الجيش الذي يحاربه..

الجيوش لا تفاوض إلا إذا عجزت عن حسم المعركة بالسلاح، وهذا أمر بدهي من المضحك أن نضطر لكتابته !

وبالتالي.. لا مجال للاستشهاد بمفاوضات الدوحة بين طالبان وأمريكا على عمالة هؤلاء لأولئك، وإلا كان معنى تفاوض الفيتناميين مع الأمريكان في كثير من المراحل يعتبر عمالة لهم أيضا.. ولم نرَ إنسانا عاقلا يقول ذلك، لا في وقتها، ولا بعد ذلك.. ولكننا نعلم أن اتهام الإسلاميين مجاني، ولا عواقب له، بل إن له مميزات كثيرة لدى كثير من الدول التي هزمت في أفغانستان.

*        *        *

البدهية الثانية:

انسحاب جيش من بلد ما وتركه لمعدات بالمليارات لا يعني أن هناك مؤامرة، والمشهد الذي رأيناه من تسامح طالبان مع كل من يريد أن يترك البلاد من الجيوش النظامية، أو من عملائهم الأفغان، لا يدل إلا على أن هناك ترتيبات حدثت.. هذه الترتيبات اسمها (اتفاق استسلام) وليس مؤامرة مزعومة !

وإذا كانت المسألة مؤامرة، فلماذا لا نقول ذلك عن انسحاب الجيش الإسرائيلي بعد هزيمته المذلة أمام الجيش المصري في أكتوبر73 مثلا؟

لا يوجد في التاريخ كله إلا شكلان من أشكال الهزيمة.. إما أن يتفوق جيش على جيش تفوقا تاما، بحيث يبيده إبادة كاملة لا يبقى فيها أحد.. (كما حدث في أفغانستان حين أباد الأفغان الجيش الانجليزي كله عام 1842م) !

وإما أن يوقع الجيشان المهزوم والمنتصر (اتفاقية استسلام).. وهذا هو ما نراه اليوم بوضوح كامل في أفغانسان.

أما مسألة أن المفاوضات استمرت ثلاث سنوات، فهذا طبيعي، لقد بدأت المفاوضات في الدوحة منذ سنوات، ولكن القتال لم يتوقف لحظة واحدة.

*        *        *

البدهية الثالثة:

ليس معنى كتابتنا عن انتصار طالبان على جيوش التحالف أننا نؤيد ذلك النموذج في الحكم، أو أننا نؤيد التغيير باستخدام العنف في بلادنا، نحن ضد العنف، ضد عنف الأنظمة أولا، وضد مقاومتها بالعنف.

ومحاولة ربط (توصيفنا) للهزيمة الأمريكية المذلة بأفكارنا المشهرة منذ عشرات السنين، ومنهجنا القائم على التغيير السياسي السلمي.. ليس أكثر من مزايدة رخيصة من البعض، وعمل مخابراتي من جهات نعلمها جميعا هدفه تشويه السمعة.

نموذج طالبان (أفغاني)، ولا علاقة للعرب به، ولا نرضاه في بلادنا، ولا يصلح لدولنا أصلا.

كما أنه نموذج (محلي) في نظر أصحابه، فالأفغان أنفسهم لا يعتبرونه بديلا عالميا، ولا يسعون لتصديره للآخرين، هذه حياتهم، قامت منذ مئات السنين على مجلس شورى العشائر (اللوياجرجا)، أما بلداننا العربية التي ثارت في وجه الاحتلال العسكري المحلي فطموحها أن تحكم البلاد بالديمقراطية عبر مجالس منتخبة..

وهذه بدهية أوضح من الشمس في رابعة النهار.. ومن المؤسف والمضحك أن نضطر إلى توضيح ذلك !

*        *        *

البدهية الرابعة:

تركت جيوش التحالف التي احتلت أفغانستان عشرين عاما خلفها ملايين الأطنان من المعدات العسكرية، كما ترك الجيش الأفغاني العميل معدات لا حصر لها كذلك.. هذا المشهد دليل على الهزيمة، ودليل على انسحاب مذلّ، وهروب عملاء الاحتلال برغم تسليحهم الذي تكلف مئات المليارات دليل آخر على الهزيمة.

وليس معنى أن جيوش الاحتلال دمرت بعض المعدات على عجل أنها أصبحت بلا قيمة، فهذه المعدات لو بيعت في سوق الخردة ستدر عشرات المليارات، وليس معنى تدمير بعض الأسلحة على عجل في اللحظات الأخيرة قبل الهروب أنها أصبحت بلا جدوى.

هذه المعدات هي أكبر غنيمة عسكرية في تاريخ البشرية، والأمر أوضح من أن يوضح، ولكن "حبايب أمريكا" حريصون على تزييف الحقائق، لأن شروط الحصول على فيزة أمريكا أصبحت أصعب من ذي قبل.

كاتب هذه السطور ربما لا يتمكن من الحصول عليها بعد ما كتبه !

*        *        *

البدهية الخامسة:

وهذه أقدمها لعملاء الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، ولعملاء الاحتلال السعودي الإماراتي في اليمن، ولعملاء الاحتلال الإيراني في اليمن وسوريا والعراق، ولعملاء الاحتلال الروسي الأمريكي البي كي كاوي القسدي في سوريا، ولعملاء حفتر في ليبيا، ولكل العملاء في العالم.. أرجو أن يفهم الجميع أن من البدهيات العلمية أنه لا يوجد شخص يستطيع أن يتعلق بهيكل طائرة من خارجها !

وإذا افترضنا أن شخصا خارقا تمكن من ذلك، أو أننا ربطنا أحدا بطائرة ما (بحيث أصبح هذا الشخص خارج هيكل الطائرة أثناء تحليقها في الجو)، فإنه سيموت بعد دقائق، لأن درجة الحرارة في الأجواء العليا تتجاوز الخمسين تحت الصفر !

وبالتالي.. من البديهي أن يبحث عملاء الاستعمار والاحتلال الدولي والمحلي عن وسائل أخرى للهرب.. وسائل أخرى غير التعلق بطائرات أسيادهم المقلعة في اللحظات الأخيرة.

والأفضل لهم أن لا يخونوا بلادهم من البداية.. فالمحتل يحتقر عملاءه، ولا يبالي بهم بعد أن يقضي وطره من ثروات الأوطان.

 

رابط المقال