وقفة أخرى مع الشأن الأفغاني

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 29 أغسطس 2021 م

أسعدني انتشار مقالة الأسبوع الماضي (أسئلة وأجوبة عن طالبان)، وصلتني عشرات التعليقات على المقالة، وأحب أن أشرك القارئ الكريم هذه التجربة لما فيها من فائدة في فهم الموضوع.. وذلك من خلال عدة ملاحظات..

*       *       *

الملاحظة الأولى: أن نقص المعلومات في الموضوع فادح فاضح، فغالبية عظمى من الذين كتبوا وعلقوا على صفحاتهم الخاصة، وبعض المحللين السياسيين على السوشيال ميديا وعلى القنوات الإعلامية، ما زالوا يصرون على التحليل السياسي (الانطباعي)، وهذا قد يصلح في نقد الشعر، أو السينيما، أو الفن التشكيلي، ولكنه – يقينا – لا يصلح في الشؤون السياسية..

لا يمكن أن يكون تعليق المحلل السياسي من واقع تحيز أو انطباع أو معلومات مغلوطة أو بلا معلومات أصلا، كل ما سبق مخلوطا بحالة نفسية (فردية، أو جماعية)، بحيث يتم إسقاط تلك الحالة النفسية (والتي هي أقرب إلى المرض النفسي)، مع التحيز الأعمى ونقص المعلومات.. لنرى في نهاية الأمر منتجا ليس فيه أي منطق.. ويراد منا أن نعترف بهذا المنتج كشكل من أشكال التحليل السياسي !

*       *       *

الملاحظة الثانية: أن التحيزات لوّنت الموقف ليس من طالبان فقط.. بل من كل من شارك في المشهد، فأنت ترى إنكارا للدور القطري – على سبيل المثال – برغم أن كل دول التحالف عبرت – سرا وعلانية – عن امتنانها للدور القطري في المفاوضات مع طالبان، وعبرت كذلك عن عرفان كبير للدور القطري في أزمة إجلاء القوات، والرعايا، والدبلوماسيين الغربيين.

ولكن المتحيزين ضد قطر ينكرون ذلك، ويفلسفون الأمر بأن (الفلوس) تصنع كل شيء، وكأن هذه التصريحات يمكن شراؤها، كما يمكن شراء نادٍ رياضي، أو كما يمكن شراء مؤتمر صحفي لرئيس أحمق مثل "دونالد ترامب" !

لقد أدارت قطر هذه الأزمة من أولها لآخرها، وحققت نجاحا دبلوماسيا تاريخيا، نتج عنه حقن دماء آلاف الأبرياء، وانسحاب سلس لجيوش ما أسهل استفزازها، بل إن قطر بعلاقاتها مع جميع أطراف الأزمة بدأت برسم الخطوط العريضة للعلاقات المستقبلية بين أطراف الأزمة.

*       *       *

الملاحظة الثالثة: أن مصدر المعلومات الأساسي والرئيسي عند كثير من هؤلاء الذين يتباكون على أفغانستان.. هو إعلام السي آي إيه، الذي يروج ليل نهار لجميع المبررات التي تجعل من احتلال قوات التحالف لأفغانستان عملا شرعيا، بل عملا بطوليا محمودا ينبغي أن نشكرهم عليه، ويجعل من طالبان حركة همجية بربرية تعتدي على تلك القوات "المتحضرة" !

فهذه القوات لم تدخل أفغانستان في غزو دموي من أجل الاستيلاء على ترليونات الدولارات من ثروات البلاد، أو من أجل موقع جغرافي يساعد في حروب النفوذ المشتعلة مع المعسكر الشرقي (روسيا، والصين).. لا.. أبدا !

يريدوننا أن نصدق أن قوات التحالف هذه أنفقت ما يقرب من ترليون دولار من أجل حقوق المرأة الأفغانية في الانضمام لنوادٍ رياضية، والاشتراك في فرق تمارس رياضة الكونغفو، أو في المشي على كورنيش "كابول" – رغم عدم وجود بحر أصلا – بالملابس التي تختارها، ومن أجل حق الإنسان في دخول السينيما، ومشاهدة الأفلام الهندية والأمريكية.

وهؤلاء مهما قلنا لهم لا يريدون أن يعددوا مصادر معلوماتهم، ولا يرغبون بأي طريقة في رؤية المشهد من أي زاوية أخرى، فهم يجلسون في شرفة المحتل، ويشربون الشاي معه، فيرون ما يراه المحتل، ويرددون ما يقوله لهم، رغم أن الطريق مفتوحة أمامهم لرؤية المشهد من ألف شرفة أخرى.. ولكن كره الإسلاميين يبرر كل الرذائل.

*       *       *

الملاحظة الرابعة: التفسير التآمري للأحداث ما زال مسيطرا على كثير من الذين أدلوا بآرائهم في شأن طالبان، فبرغم وضوح مشهد الهروب، يتعمد هؤلاء تكرار مقولة إن كل شيء تم الاتفاق عليه، وخروج قوات التحالف ليس أكثر من "مشهد تمثيلي" لحبكة درامية يريدون منا تصديقها..

والمطلوب منا أن نصدق أن عشرات الآلاف من المدنيين الأفغان الذين قتلوا بالقنابل الأمريكية كانوا مجرد (كومبارس صامت) في فيلم أمريكاني، بل يريدون منا أن نصدق أن أكثر من ثلاثة آلاف جندي أمريكي قتلوا برصاص المقاومة الأفغانية كانوا مجرد (ديكور) في الفيلم المذكور !

*       *       *

الملاحظة الخامسة: أن كثيرا من الذين قرأوا المقالة استفادوا منها (معلوماتيا على الأقل)، وكثير منهم بدأوا ينظرون للأمر بطريقة أخرى، وقد أسعدني تواصل كثير من المتابعين الذين أدهشتهم المعلومات الواردة في المقالة (وهي معلومات متاحة.. ولكن من يبحث !).

*       *       *

الملاحظة السادسة: لا علاقة لي بما يذكره كثير من الإسلاميين من ادعاءات النصر الإلهي !

لقد كتبت مقالة عمادها المعلومات، وأساسها التحليل السياسي المتزن، أما هؤلاء الذي يعتمدون في تحليل الشأن السياسي على عالم الغيبيات فلا شأن لي بهم، وهم في نظري كالذين يعتمدون على التحليل الانطباعي الذين ذكرتهم في الملاحظة الأولى، وأقول لهؤلاء لا تفرحوا كثيرا، لأن البراجماتية السياسية لحركة طالبان ربما تفاجئكم بأمور تصدمكم في المراحل القادمة.

*       *       *

الملاحظة السابعة: كان أكثر الأسئلة التي وصلتني سؤال (ماذا تتوقع؟ هل ستنجح طالبان في إنقاذ البلاد؟)

والحقيقة إن إجابة هذا السؤال يكتنفها الكثير من الغموض والتشاؤم !

وخلاصة الأمر إن أي بلد يخوض حروبا لأكثر من أربعين سنة متواصلة، يتم فيها تدمير البنية التحتية، وتدمير العلاقات الإنسانية بين الناس، لا يمكن أن يُحكم بسهولة، وأي عاقل عليه توقع أن المشاكل والكوارث والتحديات في شأن إدارة هذا البلد ستكون ضخمة جدا.

وهذا الأمر ينطبق على أفغانستان، وعلى أي بلد في ظروف مشابهة.. ولا علاقة له بطالبان، فهذه التحديات لا علاقة لها بشخص الحاكم أو توجهه..

إنها تحديات للدولة ومؤسساتها، وللمجتمع بكل مكوناته القبلية والعرقية والدينية والمذهبية، بل إنه تحدٍ فردي، لكل فرد من أفراد هذا الشعب.

الشرخ المجتمعي كبير بين الناس، وإقامة دولة لها عقد اجتماعي بين الحاكم والمحكوم من جهة، ولها علاقات دولية من جهة أخرى، أمر في غاية الصعوبة.

أنا لا أتوقع أن تسير الأمور بسهولة، ليس لأن الحاكم هو حركة طالبان، فهذه المشاكل ستواجه حاكم البلاد أيا كان.

ولكن لا بد أيضا من الإشادة بغالبية القرارات التي اتخذتها الحركة منذ دخولها كابول وحتى اليوم، فمن الواضح أننا أمام أناس صادقين في رغبتهم في خلق حالة من التوافق لإدارة مرحلة انتقالية ناجحة، تؤدي إلى دولة لها شرعية داخلية مع جميع مكونات الشعب، ولها شرعية دولية، بعلاقات دبلوماسية تعتمد عدم الارتماء في حضن المعسكر الشرقي أو الغربي بشكل كامل منهجا.

هذه خلاصة ردود الأفعال على مقالة الأسبوع الماضي، والتي رأيت أن القارئ الكريم ربما يستفيد منها في تكوين رأي متكامل في الشأن الأفغاني.

نتمنى أن يوفق الله الشعب الأفغاني لإقامة دولته المستقلة، وأن ينعم بثروات بلاده، دون الخضوع لأي احتلال أجنبي، ودون أي فتن داخلية تغذيها الدول التي ترغب في الاستيلاء على تلك الثروات.. أما أصدقاءنا الذي لا يسمعون ولا يرون إلا ما تراه أجهزة إعلام السي آي إيه.. فلا نتمنى لهم سوى أن يفيقوا مما هم فيه.

رابط المقال