شؤون مصرية حزينة

حصلت البطلة المصرية فريال أشرف على الميدالية الذهبية في لعبة الكاراتيه في أولمبياد طوكيو 2020، وكان ذلك مصدر إسعاد لكل المصريين، بالإضافة إلى الأبطال الذين حصلوا على ميداليات برونزية، والميدالية الفضية شديدة التميز التي حصل عليها البطل المصري أحمد الجندي في لعبة الخماسي.

للأسف الشديد.. الفرحة لن تكتمل، ليس بسبب الاستغلال السياسي لهذا الإنجاز الفردي (فهذا أمر على سخافته قد اعتدناه)، بل لأنه إنجاز لا مستقبل له..

هذه الإنجازات – في مجملها – إنجازات فردية، ودور الدولة فيها محدود، لذلك ستجد البطلة حين حصلت على الميدالية الذهبية ذكرت دور أمها في دعمها، ولم تتحدث عن أي جهة في الدولة (إلا حين ظهرت في الإعلام المصري بعد ذلك بأيام).

ستتآمر جميع الجهات في الدولة على هؤلاء الأبطال (والأيام بيننا)، وهذا ليس جديدا على أي قصة نجاح رياضي – أو غير رياضي – في مصر.

في عام 2004م حصل البطل المصري الفذ كرم جبر على الميدالية الذهبية في المصارعة الرومانية، وبرغم أن خبراء اللعبة العالميين كانوا يعتبرونه "طفرة أسلوبية" في اللعبة، إلا أن جميع الجهات ذات الشأن في مصر تآمرت عليه، وفي غضون عام أو أكثر قليلا اختفى هذا البطل من المشهد الرياضي في العالم، برغم أنه كان مؤهلا لاستمرار حصد البطولات لسنوات وسنوات.

هناك عشرات الأبطال الذي دفنوا أحياء بسبب منظومة الرياضة (وهي جزء من منظومة الحكم العسكري، فغالبية المسؤولين عن الاتحادات الرياضية جنرالات سابقون)، ولم نسمع عن هؤلاء الأبطال لأنهم دفنوا قبل أن يحققوا إنجازات عالمية، وهناك من الرياضيين من اضطر للهجرة خارج البلاد، بل إن أحد هؤلاء بطل عالمي حصل على ميدالية باسم دولة عربية أخرى في البطولة نفسها (نعرف القصة جميعا).

هذا البطل فرّ بموهبته من هؤلاء الظالمين، وخيرا فعل !

سيقول البعض إن نظرتي تشاؤمية، وأتمنى أن يكونوا على حق، فهؤلاء الأبطال لا أتمنى لهم إلا مزيدا من التوفيق، ومزيدا من الميداليات لبلدنا الحبيب، ولكن أكرر وأقول (الأيام بيننا)، وهؤلاء الأبطال مستهدفون من نظام فاشل، لا يقبل الناجحين، ولا يقبل المتفوقين.

مبروك لمصر.. ونسأل الله أن يوفق هؤلاء الأبطال لمزيد من النجاحات، وأن يخيب ظنوننا !

*        *        *

شاهدت مقطعا مصورا لشابة صغيرة في السن، تحكي قصتها أثناء محاولتها دخول حفل غنائي للمطرب عمرو دياب في الساحل الشمالي، وتحكي الشابة كيف تجمع آلاف البشر الذين خدعوا بشراء تذاكر وهمية بآلاف الجنهيات (حسب ادعائها)، وكيف ضاق صدر الشرطة بتجمعهم ذاك، فبدأوا بضرب الناس بالهراوات، ثم بقنابل الغاز المسيل للدموع.

قد يظن البعض أن هذه الطبقة الاجتماعية لا تُمَسُّ، والحقيقة أن البيادة لا تفرق بين مواطن وآخر، ولا كرامة في حكم العسكر لأحد، أقول ذلك لكل الأغنياء في مصر، لا تحسبوا أنكم مستثنون من القمع.

من أسوأ ردود الأفعال التي رأيتها على الفيديو تعليقات بعض المنتمين لحركات التغيير الذين تنمروا على تلك الشابة، وأظهروا سعادتهم بما حدث لهؤلاء (الأغنياء).. وهو تصرف يزيد من الانقسام المجتمعي، ويخدم سيطرة النظام على مقاليد الأمور، ويفتت أي شكل من أشكال التوحد أو المقاومة ضد هذه العصابة التي تحكم البلاد.

الأغنياء جزء من هذا المجتمع.. وهم جزء له أهميته.. ولا يمكن تهميشه في رؤية التغيير التي نطمح لها.

*        *        *

قال تعالى: " اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".. بحسب التفسير العسكري للقرآن.. هذه الآية تعني أن للحاكم صلاحيات الإله، لأن الله هو من آتاه الحكم، وتعني كذلك أن من يعارض الحاكم يعارض الله، لأن الله هو من ولّى هذا الحاكم !

هذا الكلام لا بد أن يقال في ذكرى المجزرة، ومن الطبيعي أن يتحكم العقل الباطن في الإنسان الخائف، مهما تظاهر بالقوة، ومهما ادعى الطمأنينة.

العقل الباطن يدفع الإنسان دفعا للدفاع عن النفس، فتراه يزعم أنه يعرف معنى الدولة، لأنه في قرارة نفسه يعرف كم هو تافه، وتراه يزعم أنه شريف، ولم يمدّ يده على مال الدولة.. الخ

العقل الباطن يتحكم في أفعال وأقوال المجرمين، ويظهر الله خوافي قلوبهم السوداء.. مهما ارتدوا من ثياب ملائكية بيضاء.

*        *        *

في الذكرى الثامنة لمجزرة رابعة وأخواتها، أقول:

هذه المجزرة بدأت في الرابع عشر من أغسطس عام 2013م، ولكنها استمرت بعد ذلك في عشرات المجازر التي كانت ضمن حراك عظيم ضد الانقلاب العسكري، وما زالت المجزرة مستمرة حتى اليوم.. ضحاياها معتقلون أبرياء يسقطون بسبب التعذيب، أو الإخفاء القسري، أو الاغتيال خارج إطار القانون، أو بسبب الحبس الانفرادي، أو بسبب الإهمال الطبي..

هذه المجزرة ما زالت مستمرة، وهناك محكومون بالإعدام في قضية تحمل اسم رابعة ينتظرون تنفيذ القتل في أي لحظة، وإذا حدث فوالله ما هم إلا شهداء ضمن مجزرة رابعة..

هذه المجزرة لن تنتهي.. ستستمر.. ولا نهاية لها إلا بالقصاص من القاتل !

القصاص من القاتل في مثل هذه المعارك لن يكون بقتل القتلة، بل سيكون بإقامة دولة العدل، وهذا هو القصاص الحقيقي من هؤلاء المجرمين.

رابط المقال