سد الثالث من يوليو

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 4 يوليو 2021 م

لو كان لسد النهضة الإثيوبي اسم آخر غير هذا الاسم لكان اسمه (سد الثالث من يوليو)، ومن حق إثيوبيا وإسرائيل وكل أعداء مصر أن يحتفلوا في هذا اليوم احتفالات تفوق احتفالاتهم بأعيادهم الدينية والوطنية والشخصية..

هذا اليوم عيد حقيقي لكل من يرى في مصر خطرا استراتيجيا بأي شكل من الأشكال، هذا اليوم يوم عيد لكل من يرغب في دور في هذه المنطقة، وليس مردّ ذلك أن دور مصر قد حُكم عليه بالتراجع بسبب الانقلاب العسكري، بل لأن ثورة عظيمة كانت ستحيي مصر من مواتها قد تلقّت ضربة ستعطلها لسنوات طوال، وخلال هذه السنوات نجحت مجموعة من الضباع التي تحكم البلاد في العبث بملفات شديدة الحساسية، ملفات سيكون من الصعب على أي حاكم مخلص يأتي بعد ذلك أن يصلحها بسهولة، ملفات ستستوجب خوض حروب، وستفرض على مصر شعبا وحكومة مواجهة العالم كله تقريبا..

*       *       *

يظن بعض السذج أن عملا عسكريا سيقوم به من وقّعوا اتفاق المبادئ في مارس 2015م، وما زالت الأيام تمر، والحقيقة تتجلى بوضوح، ولكنهم يفكرون بالأماني، وما زال لديهم أمل بأن شيئا ما سيحدث..

إن أي عمل عسكري لمواجهة إثيوبيا سيكون مصيره الفشل (حتى لو صورته الآلة الإعلامية كانتصار).

لا يستطيع هؤلاء أن يقوموا بعمل عسكري ناجح، هذه القوات التي يستعرضونها في افتتاح قاعدة هنا أو هناك مجرد قوات فض شغب، ولا تصلح إلا لمواجهة المدنيين العزّل، والدراسات العسكرية في العالم كله تتحدث عن النموذج المصري في مواجهة داعش في سيناء كأنموذج للفشل العسكري الكامل للجيوش في مواجهة الميليشيات !

إن الهيكل الخرساني الأساسي للسد قد اكتمل، وضرب هذا السد أمر في غاية الصعوبة، ولا تملك هذه العصابة الحاكمة الكفاءة القتالية لإنجاز هذا العمل المعقد.. وأي ضربة عسكرية لهذا الموقع كان ينبغي أن تكون قبل بدء بناء السد لا بعد اكتماله.

أما مسألة (احتلال إقليم بني شنقول) فهي خيال محض، خيال مريض، دعايات نظام مفلس، لا يملك إلا أجهزة (سامسونج)، ترسل أوهاما إلى مجموعة أغوات في شكل مقدمي برامج وكتاب أعمدة في صحف صفراء..

أما هؤلاء الذي يتحدثون عن المعجرة المصري في اقتحام خط بارليف، فإنني أذكرهم بأن ذلك حدث بعد هزيمة عسكرية لا مثيل لها في التاريخ، حدثت بعد نكسة الخامس من يونيو 1967م، ونحن اليوم لسنا في مرحلة العبور، بل نحن في مرحلة النكسة.

إن أقصى ما يمكن أن يحدث عسكريا في هذا الأمر هو (حرب بالوكالة)، تتسبب في بعض الفوضى في الإقليم، وهذا الأمر متأخر جدا، لأن السد قد انتهى بناؤه بالفعل، وبالتالي أقصى ما يمكن أن يحدث هو بعض التأخير في ملء السد..

*       *       *

يتساءل البعض (لماذا لا يضربون السد؟)

والحقيقة أن ضرب السد – كما قلت آنفا – عمل في غاية التعقيد، وهي معركة فيها صراع إرادات دولية هم أجبن من أن يخوضوها..

لذلك لن يضربوا هذا السد لسببين.. الأول أن ضرب السد قد يغضب بعض سادتهم في عواصم العالم..

والثاني (وهو السبب الحقيقي والأهم).. أن أي عمل عسكري غالبا سيفشل، وفشله يمثل خطرا حقيقيا على بقاء السلطة التي أمرت بهذا العمل، وبالتالي.. سيكون دعوة لانقلاب عسكري، أو تحرك جماهيري، أو كلاهما في الوقت نفسه..

*       *       *

كيف ستواجه السلطة تبعات سد الثالث من يوليو (أعني سد النهضة)؟

ستواجهه بشراء مزيد من أسلحة فض الشغب والقنابل المسيلة للدموع، ستواجهه باقتراحات مثل تعيين ضابط جيش في كل قرية، وبالتالي يكون هناك أجهزة إنذار مبكر لأي تمرد على الأرض من هؤلاء الفلاحين الهمج الذي قد يفكرون في الثورة ضد العصابة التي أضاعت نهر النيل !

لقد مللت من كثرة ترديد هذا الكلام، ومللت من شدة الرفض والإنكار العنيد لهؤلاء الذين يرون أنفسهم فوق سنن الله في الكون..

والبعض يظن أن كلامي هذا جديد، وأنه نوع من المكايدة السياسية لنظام ما، الحقيقة أن هذا الرأي هو رأيي قبل توقيع اتفاق المبادئ، وقبل انقلاب الثالث من يوليو، وقبل ثورة يناير أصلا..

لقد كتبت أول مقالة في هذا الموضوع عام 2010م، وكان ذلك عندما تواصلت اجتماعات دول المنبع من أجل توقيع الاتفاقية الإطارية التي تعيد النظر في حصص الدول من مياه النيل.. قلت في يوليو من عام 2010م، في مقالة عنوانها (منابع النيل تبدأ من غزة) نشرت في جريدة الدستور المصرية:

(لن أبدأ مقالتي هذه بوصف الحال المتردية للسياسة الخارجية المصرية فكلنا نعلمها، ولن أبدأ بلوم النظام الحاكم الجاثم على أنفاس مصر فكلنا نعاني منه، ولن أستنكر تخاذلنا الرسمي في حقوقنا التاريخية في مياه النيل، لأن غيري من الكتاب والمحللين قد فعل ذلك مئات المرات، مما يجعل هذا الأمر من زوائد الحديث التي ينبغي تجنبها .

أريد في هذه المقالة أن أصف حلا مرحليا على عجالة، يضمن لمصر (الرسمية) أن توقف دول المنبع عن مطالبتها بتوقيع الاتفاقية الإطارية (ولو مؤقتا)، والهدف من ذلك أن نحاول تعطيل هذه المصيبة التي تهدد الجميع ، عسى أن ننتفع بما قد يتوفر من وقت، للتخطيط لمستقبل هذا البلد بما يحفظ ماء وجهه، وماء نيله !

لا شك أن دول المنبع لها كل الحق في التعامل الجلف مع مصر، وذلك لأسباب يعلمها كل من تابع هذا الشأن خلال السنوات الماضية، فهؤلاء القوم لم تمتد لهم يد مصرية بأي معونة في فترات مجاعات استمرت طوال عقد الثمانينات، وهم مازالوا يذكرون ذلك بمنتهى الألم، وكذلك دأبت الخارجية المصرية على أن تصعر خدها لإخواننا الأفارقة رغم أن مصالحنا الحقيقية معهم، لا في باريس وروما وبرلين ، وواشنطن ، وأدلة التعامل الجلف مع إفريقيا كثيرة، ومنها على سبيل المثال أن السفير الذي يعين في هذه الدول هو السفير غير الكفء، بل يكون التعيين هناك في بعض الأحيان نوعا من العقوبة، وبالتالي يحظى الأداء الدبلوماسي هناك بأسوأ ما يمكن من أشكال الأداء.

ولكن ليس معنى ذلك أن هذه الدول تتحرك بدوافع وطنية خالصة، بل هي لا تملك المصلحة في هذا التكتل الموجه ضد مصر، فبعض هذه الدول لا يستخدم مياه النيل أصلا في أي شيء، لأنها دول تعتمد زراعاتها على الأمطار ، وبالتالي تصل درجة اعتماد بعض هذه الدول على مياه النيل إلى أقل من 1%  !

لذلك لا بد من الاعتراف بأن هذه الدول قد تم توجيهها ضد مصر، وهم عصا في يد قوة أخرى تحركها، ومن العته أن نحارب العصا، و كما يقول توما الأكويني: "إذا لم تحرك اليد العصا، فلن تحرك العصا شيئا" !

إن ما يحدث اليوم عبارة عن تحرك إسرائيلي أمريكي ضد مصالح مصر الحيوية وأمنها القومي، ولو كان في نظامنا الحاكم شخص عاقل، لعرف أن الرد ينبغي أن يكون من خلال أوراق تؤثر على المصالح الأمريكية الإسرائيلية، مثل فتح معبر رفح، أو دعم بعض حركات المقاومة، أو مجرد التلويح بدعم بعض حركات المقاومة، أما أن نعتبر أن معركتنا مع هذه الدول (الإفريقية)، فهو تشخيص خاطئ للمرض، ولن يؤدي في آخر الأمر إلى علاج .

إن مصالح "الآخرين" لدينا كبيرة، ولكن ينبغي أن يدار هذا الملف بحكمة من يرى الصورة كاملة (أعني صورة الوطن)، أما أن تشغلنا أجزاء الصورة (مثل صورة العرش) عن الصورة الكلية، فهذا عين ما يرغبه العدو، وهذا هو سبب تخلفنا في ركب الأمم، وسبب الأزمات التي تعيشها الأمة كلها عامة، ومصر خاصة، فحين ينشغل متخذ القرار بتأمين أو تلميع العرش، يفاجأ الناس بأن البلد كله على شفا موت..

قد يظن البعض أن المسافة بين منابع النيل وغزة كبيرة، ولكن من يملك البصيرة قد يرى أن ميزان المصالح قد يغير في خرائط الجغرافيا، فترى النيل ينبع من غزة !"

هذا ما كتبته في عام 2010م، وما زلت أرى الرأي نفسه، ولكن يبدو أن الأوان قد فات !

رابط المقالة في موقعي الشخصي لمن يرغب في الاطلاع

 

رابط مقال اليوم