نزار ومصطفى وغادة

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 27 يونيو 2021 م

أما نزار.. فهو نزار بنات الناشط الفلسطيني الذي قتلته السلطة الفلسطينية بالنيابة عن المحتل الإسرائيلي..

وأما مصطفى.. فهو الدكتور مصطفى النجار النائب البرلماني الشاب، وقد مر على اختفائه ألف يوم..

وأما غادة.. فهي غادة نجيب الناشطة السياسية، زوجة الفنان المحترم الأستاذ هشام عبدالله، وقد منعها من منعها من الكتابة على مواقع التواصل الاجتماعي..

*       *       *

نزار بنات.. لم ألتق به، ولم أسمع عنه، قبل أن أرى جثته الممهورة بختم رئاسة السلطة الفلسطينية العميلة..

هو ناشط فلسطيني مقاوم لإسرائيل، وبالتالي مواقفه ضد السلطة الفلسطينية مشهرة، إذ لا يوجد إنسان عاقل يقاوم إسرائيل وفي الوقت نفسه لا يقاوم سلطة أوسلو..

اقتحم أغوات السلطة الفلسطينية منزله، وأثناء اعتقاله تعرض لضرب مبرح، وبعد اختفائه ظهرت جثته وعليها آثار التعذيب..

جثة نزار بنات جثة "طبيعية" في أوطاننا !

هكذا يخرج المعارضون العرب من المقرات الأمنية في بلادهم، لا فرق بين بغداد ودمشق وصنعاء والقاهرة والخرطوم، لقد تدربت أعيننا على منظر الجثث التي تفنن في زخرفتها رجال أولو بأس شديد على العزّل من أبناء شعبهم، وهم كالفئران أمام إسرائيل، وإثيوبيا، وإيران، والحوثي.. لقد عرفنا عبر عشرات السنين أن هذه الأنظمة العربية ليست سوى بندقية في يد أعدائنا، ومصالح هذه الأنظمة هو معكوس مصالح شعوبها..

قلت في أحدث قصائدي:

” فَنَظَرْتُ نَحْوَ الليْلِ والرَّشَقَاتُ تَرْسُمُ رَقْصَةً مُتَوَازِنَةْ..

وَعَرَفْتُ أَنَّ النَّصْرَ سَوْفَ يَجِيءُ بالضُّعَفَاءِ والشُّرَفَاءِ

لا بِجُيُوشِ ذُلٍّ خَائِنَةْ..

وعَرَفْتُ أَنَّ جَميعَ مَنْ قَمَعُوا الشُّعُوبَ صَهَايِنَةْ..”

لقد قتلت سلطة أبي مازن نزار بنات بالنيابة عن سلطات الاحتلال، بل بتعليمات من جيش الاحتلال، وبتسهيلات وتعاون منه، لأن دخول قوة من قوات السلطة إلى المنطقة (ج) في مدينة الخليل لا يمكن إلا أن يكون بتنسيق كامل مع سلطات الاحتلال !

لذلك أقول.. إن كل من يتحدث في هذه اللحظة عن آراء نزار بنات السياسية، أو معتقده الديني، أو سلوكه الشخصي.. يعتبر صهيونيا بامتياز، شأنه شأن سلطة أبي مازن والأنظمة العربية التي تحتلنا !

أنا لا أعرف من هو نزار بنات رحمه الله، ولا أعرف أي شيء عن إيمانه أو إلحاده، ولا اتجاهه السياسي، ولا مواقفه من سوريا أو إيران أو أمريكا أو موزمبيق، ولا ولاءاته التنظيمية، أو توجهاته الأيديولوجية، ولا أريد أن أعرف، ولا يهمني أن أعرف.. والحديث عن آراءه الآن.. هو موالاة لإسرائيل، ونصرة للقاتل، ودعوة لمزيد من القتل، وتواطؤ ضد الأمة..

نزار بنات بالنسبة لأي إنسان ذي ضمير جثة منقوش عليها ختم النسر العربي بوسائل تعذيب عربية.. جثة عليها بصمات الدولة القاتلة، من أصغر موظف إلى رئيس الجمهورية !

المطلوب الآن محاسبة القاتل، ليس عن قتله نزار بنات فقط، بل عن (الأعمال الكاملة) لهذا القتل الممتد منذ عشرات السنين.

وحساب القاتل لا يكون بلجنة تحقيق يشكلها القاتل ليفدي نفسه بكبش من صغار الجنود، بل حساب القاتل يكون بإسقاطه هو وسلطته.. نعم.. يجب على الفلسطينيين الآن إسقاط السلطة الفلسطينية فورا، قلت ذلك بعد الحرب الأخيرة التي توحد فيها الفلسطينيون، وأكررها الآن.. هذه السلطة ليست إلا بندقية إسرائيلية، ووجودها الآن هو صمام الأمان لإسرائيل، وهي لا تملك إلا أن تتجه إلى مزيد من القتل القمع لحساب المحتل، ولا حل مع هذه السلطة سوى أن ترحل فورا.

*       *       *

مصطفى النجار.. طبيب الأسنان الماهر.. النائب البرلماني الذي انتخبه الناس في الانتخابات الوحيدة في تاريخ مصر التي لم تعرف تزويرا.. يمرُّ هذه الأيام ألف يوم على اختفائه !

اختفى في سبتمبر 2018، ومنذ ذلك الحين امتنعت السلطات المصرية عن تقديم أي تفسير لاختفاء نائب برلماني سابق، وشخصية سياسية مرموقة معروفة، اللهم إلا بعض التصريحات من بعض صغار المسؤولين لتبرئة النظام من تحمل مسؤولية اختفائه المريب.

من واجبنا أن نَذْكُرَ مصطفى النجار، ومن واجبنا أن نُذَكِّرَ بعض معدومي الضمير أن أي حديث عن آراءه السياسية، أو مواقفه التي قد نختلف معها الآن.. يعتبر تصريحا بالإخفاء القسري لمواطن برئ، بل يعتبر تحريضا على مزيد من الانتهاكات في حق الناشطين السياسيين، بل هو دعوة لمزيد من القمع لكل المواطنين المصريين مثل مصطفى النجار، أو الأجانب.. وما قصة "جوليو ريجيني" عنا ببعيد..

*       *       *

أما السيدة غادة نجيب.. فهي الناشطة السياسية المشاكسة التي نتفق معها مرات، ونختلف معها مرات، ولكننا لا نختلف أبدا على إخلاصها لقضية التغيير السلمي، وعلى إعجابنا بإصرارها على الجهر بكلمة الحق..

وقد دفعت هي وزوجها الفنان الكبير الأستاذ هشام عبدالله أثمانا باهظة لأنهم جهروا بكلمة الحق عند السلطان الجائر، وما زالت مجموعة من أقاربهما في سجون النظام المصري دون ذنب، بل مجرد عقاب لهما، ومحاولة لإسكات صوتهما.

كتبت السيدة "غادة نجيب" منذ يومين على صفحتها في الفيس بوك ما يلي:

"بيان (١)

السلطات التركية أبلغت بشكل رسمي زوجى الفنان هشام عبدالله بأني ممنوعة من التدوين على مواقع التواصل الاجتماعي !

أنا غادة نجيب معارضة سياسية ولست ورقة للمساومة أو الابتزاز من أي طرف، ولن أتنازل عن حريتي، وسأدافع عنها حتى آخر نفس فى حياتي.. مهما كان الثمن.

إلى النظام المصري..

الدول المحترمة اللي بيحكمها رئيس محترم

حين تعقد الاتفاقيات مع دول أخرى بتطلب أشياء فى مصلحة شعوبها

فلما انت تعقد اتفاق مع دولة وتطلب إسكات سيدة

وحجبها وكتم صوتها

فأنت نظام تافه وقزم.

"وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا"

صدق الله العظيم"

انتهى كلام السيدة غادة..

والحقيقة أن ما يجري اليوم بين تركيا ومصر يترك علامات استفهام كثيرة، ولا شك أن مطالبة أي إنسان بعدم إبداء رأيه، أو إجبار إعلامي ذو شعبية هائلة على عدم التحدث على صفحاته الخاصة في السوشيال ميديا.. لا شك أن ذلك يخالف القوانين التركية، ولا شك أن ما حدث يهز صورة تركيا كدولة تحترم حقوق الإنسان، ولا شك أن الشخص المسؤول عن هذا الأمر قد تجاوز، وأنا بدوري أدعو كل الجهات المختصة للتحقيق في الأمر، هل حدث ذلك بالفعل؟ أم أن هناك سوء تفاهم ما !

لقد حصل النظام المصري على 99% مما يريده من تركيا.. (أعني بعد إغلاق بعض البرامج التلفزيونية وبعد منع معتز مطر من الظهور على السوشيال ميديا).. بينما لم تحصل الدولة التركية على شيء يذكر، ويبدو أن الجهة التي تتولى عملية التفاوض لم تلاحظ أهمية المكاسب التي أعطتها للنظام المصري.. ولا أهمية التنازلات المبكرة جدا وغير الضرورية التي منحتها مجانا.. يبدو أن الأتراك يتعاملون مع الطرف الآخر وكأنهم رجال دولة، ولا يتخيلون أن النظام المصري مجرد عصابة، وكل ما يهمهم مصالحهم الشخصية، ففي الوقت الذي ترتب تركيا أوراقها لتحصيل مصالح كبرى للشعب التركي، يرتب النظام المصري أوراقه لإسكات "معتز مطر"، أو لفرض قيود على "غادة نجيب" بمنعها من الكتابة على الفيس بوك، فهذا ما يهمهم.. مكاسب تافهة مؤقتة، هدفها الأوحد ترسيخ صورة النظام القادر على إخراس معارضيه أينما كانوا، وكل ذلك كي يتمكن من إغراق مصر دون أن يجرؤ أحد على الاعتراض.

مخطيء من يظن أن التقارب مع النظام المصري الحالي وبهذه الطريقة سيعود على الطرف التركي بمكاسب استراتيجية، ومؤسف أن يستجيب مسؤول في أي دولة لمثل هذا الطلبات المتعلقة بمنع فلان أو علان من إبداء رأيه.

إنني أدعو جميع المصريين المقيمين في تركيا أو في غيرها، إلى احترام قوانين البلاد التي يقيمون فيها، وأن يقولوا كلمة الحق ولا يخافوا، ما داموا ملتزمين بالقوانين والمواثيق التي تنظم حرية النشر والتعبير.

لقد أُخرِجْنا من ديارنا لأننا لم نقبل أن يصادر أحد حريتنا، وسنستمر في الدفاع عن حريتنا، وعن شعبنا العظيم، وسننتصر قريبا بإذن الله..

رابط المقال