يقولون ما قلناه

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 31 مايو 2021

كانوا يلوموننا حين كنا نقول منذ عشرات السنين إن انسحاب مصر من إفريقيا خطأ، ونراهم يحاولون اليوم أن يظهروا بمظهر الحكيم العليم، فيقولون إن سياسة الرئيس المخلوع "مبارك" هي التي تسببت في ضعف العلاقات مع كل دول إفريقيا، وخصوصا دول منابع النيل.

كانوا يلوموننا في تسعينيات القرن الماضي حين قلنا إن محاولة اغتيال "مبارك" في أديس أبابا ليست مبررا لتوتر العلاقات مع إثيوبيا، ولا إفريقيا.. كنا نوصف بإننا إرهابيون، وكانوا يزايدون علينا قائلين إن محاولة اغتيال رأس الدولة جرم لا يغتفر، وإذا قلنا إن محاولة الاغتيال المزعومة تلك لم يجر فيها أي تحقيق نزيه، كانوا يقولون عنا كلاما غير مهذب !

حين قرر نظام الرئيس المخلوع "مبارك" أن يصب جام غضبه على السودان بزعم أن الدكتور "حسن الترابي" هو من دبر عملية الاغتيال المزعومة.. قلنا إن علاقاتنا مع السودان أهم من أن تتأثر بوجود أي شخص أو تيار في الحكم.. وطبعا كانوا يلوموننا، ويتهموننا بكل التهم الخارمة للوطنية.. وطنية "مبارك".. كنز إسرائيل الاستراتيجي.. وبفضل حماقاتهم كانت الدولة المصرية سببا من أهم أسباب انفصال جنوب السودان.. وهذه حماقة ما بعدها حماقة، إنها أشبه بشخص أحمق قطع يده بنفسه، ثم يشتكي العجز بعد ذلك !

لقد أهملنا إفريقيا حتى أصبحت مستعمرة لكل من هب ودب، الصين وإيران والسعودية والإمارات وتركيا.. وغيرها.. كل هذه الدول اليوم لها تواجد تجاري، وثقافي، وبعض هذه الدول له تواجد عسكري في غاية الخطورة، وأصبحت القوة الناعمة التي استثمرت فيها مصر عبر قرون نسيا منسيا، بل أصبح ذكر الدولة المصرية في إفريقيا ذكرا سيئا، يتعالى فيه صياح كثير من إخوتنا الأفارقة الذين يرون في مصر كيانا متكبرا، متغطرسا..

بالمناسبة.. نحن نقول منذ مارس 2015م أن توقيع اتفاق المبادئ خيانة عظمى، وهو السبب الأكبر في وضع حجر الأساس لسد النهضة الإثيوبي، وما زلنا نقول ذلك.. ونحن على يقين أنهم في يوم ما سيقولون هذا الكلام، وسيدعون أنهم أبطال.. سيرددون كلامنا كالعادة بعد فوات الأوان.. ويتهموننا بالخيانة !

*        *        *

كانوا يلوموننا حين كنا نقول إن تركيا دولة مهمة، والعداء معها حماقة.. سيسأل سائل (وهل كنتم تقولون ذلك؟) !

نعم يا سيدي.. كنا نقول ذلك قبل سقوط مبارك بسنوات طوال، كنا نقول ذلك قبل وصول السيد رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية للسلطة أصلا.. والحقيقة التي لا شك فيها أن هناك مثلثا مرعبا لكل أعداء الأمة، هو مصر، وتركيا، وإيران.. هذا المثلث لا ينبغي أن يقع في فخ العداوات السطحية، ولا بد لهذه الدول أن تعرف أنه لا بد من وجود حد أدنى من التنسيق بينها، إذا كانت بالفعل ترغب في تحقيق مصالحها، والحفاظ على أمنها وثرواتها.. كنا نقول ذلك منذ سنوات طوال، وما زلنا نقوله.. ولكن هؤلاء كانوا يفسرون كلامنا بكل الطرق الممكنة إلا الطريق السليم، وهو أننا نرغب في مصلحة الشعب، ومن خلفه النظام.

اليوم نراهم يفلسفون العلاقات مع تركيا، ومع قطر.. قطر التي قلنا لسنوات وسنوات إنها دولة عربية شقيقة، وإنها دولة لها أهميتها، وتتصدى لملفات خطيرة، ولا ينبغي للغيرة الساذجة أن تكون هي أساس العلاقات بين الدول، بغض النظر عن الحجم والتاريخ.. بل إن الكبير ينبغي عليه أن يحتوي الصغير، لا أن يتعالى عليه، فضلا عن أن يهينه، ناهيك عن أن يتسافل عليه.

*        *        *

لامونا حين قلنا إن قدر مصر أن تتعامل مع حركة حماس، وقدر حماس أن تتعامل مع مصر.. فهذه أحكام الجغرافيا، لامونا حين قلنا إنه ليس من شأننا أن نتدخل في الشأن الفلسطيني، ولا أن نفرض على الشعب الفلسطيني أن ينتخب رئيسا بعينه، أو تيارا أو حركة أو حزبا بعينه.. بل نحن نتعامل مع الجميع على قدم المساواة.. ومن العيب على مصر الكبيرة أن تعاقب أي فصيل فلسطيني لأن له أيدلوجية معينة، ومن العار على مصر أن تعادي فصيلا فلسطينيا لأنه قرر أن يقاوم العدو الصهيوني.. لامونا حين قلنا ذلك.. واتهمونا بالخيانة !

حرضوا علينا أجهزة الأمن حين قلنا إن كل ما يقال عن حركة حماس وعملياتها الإرهابية ضد الدولة المصرية ليس أكثر من تلفيقات ضباط أمن دولة، تلفيقات لا يصدقها معتوه.. على  هؤلاء اليوم أن يفسروا دعم النظام لحركة حماس، برغم أنها ارتكبت آلاف الجرائم، وقتلت مئات الضباط المصريين من الشرطة والجيش (حسب ادعاء الدولة)، فسّروا لنا مباركتكم للتقارب مع حماس برغم أن هذه الحركة تدخلت في الشأن الداخلي المصري وحاولت إسقاط نظام الحكم.. ما لكم يا قوم قد خرستم؟ أين ادعاءاتكم اياها؟

لحسن حظ هؤلاء أنهم لا يستحون، فهم على استعداد لتغيير أقوالهم من النقيض إلى النقيض ألف مرة في اليوم، مهما بلغ تهافت الكذبة، ومهما بلغت صفاقة التلفيق..

*        *        *

الذين كانوا يلوموننا حين كنا نقول إن دولة الإمارات تعتبر مصر عدوا، وأن تدمير مصر هو من ثوابت السياسة الخارجية لهذه الدولة المارقة.. يحاولون اليوم أن يستعيروا بعض كلامنا في هذا الشأن بعد أن أثبتت الأيام تآمر تلك الدولة على مصر، وليتها كانت مؤامرة تتعلق بشؤون الحكم، بل بلغت وقاحة المؤامرة أن وصلت إلى شريان الحياة في بلدنا الحبيب..

قلنا ذلك لسنوات طوال، ولم يصدقنا أحد، وقلنا إنهم يسرقون تاريخنا ومقتنياتنا وآثارنا وقوتنا الناعمة (والخشنة)، وقلنا إنهم يشعلون اقتتالا أهليا في مجتمعنا، وقلنا إنهم إسرائيليون أكثر من إسرائيل.. كل ذلك قلناه، ولكن طعم الدراهم، وصفقات السلاح، والرغبة في شرعنة الانقلاب العسكري.. كانت أقوى من رغبة المصريين في استمرار جريان النيل..

*        *        *

الذين لامونا حين قلنا إن الرئيس محمد مرسي برغم معارضتنا له لم يخطئ حين دعم غزة في حرب عام 2012م، ولم يخطئ في رغبته في علاقات جيدة مع تركيا، ولم يخطئ في تقاربه مع قطر، ولم يخطئ حين قرر أن تكون العلاقات مع دولة الإمارات محدودة بقدر معين، ولم يخطئ حين فكر في عمل عسكري لمواجهة "سد النهضة".. الخ الخ

ماذا ستفعلون وقد فعل نظامكم جميع ما فعله "مرسي" رحمه؟ قولوا لنا ماذا أنتم فاعلون؟

الذين كانوا يلوموننا، ويتهموننا بأننا "إخوان"، وبأننا "مشتاقون" لمناصب، وبأننا وبأننا.. يكررون كلامنا، ولكن بلا منطق، وبدون أسبابه الحقيقية، وبلا دوافع وطنية.. لذلك ستبقى جميع هذه القرارات (الصحيحة) مجرد كلمة حق يراد بها باطل، مجرد قرارات في الاتجاه الصحيح، ولكن الهدف هو السير في الاتجاه الغلط، مجرد محاولة تعديل للميزان، ولكن النية الحقيقية هي الانقلاب.

ونحن بدورنا.. سنظل نقول الكلام نفسه، لأن مصالح مصر الاستراتيجية لا تتغير بوجود فلان أو علان في السلطة، ولا بانتخاب فلان، أو انقلاب علان.. مصالح مصر الأساسية ثابتة، وقد حاولت ثورة يناير أن تنقذ ما ضيعه مبارك، وما ضيعته الانقلابات العسكرية قبل مبارك، ولكن شاءت طغمة عسكرية تخضع لإملاءات خارجية أن تفعل العكس.. وها هي قد فعلت، ومهما حاولت هذه الطغمة أن تعدل البوصلة فإنها لن تنجح، لأن مصالح هذه الطغمة من أهل الحكم هي معكوس المصلحة الوطنية.. والأمر أوضح من أن يوضح..

أما الذين كانوا يلوموننا حين كنا نقول هذا الكلام.. فسيأتي عليهم يوم يقولون ما نقوله اليوم.. ولكن بالطريقة السخيفة التافهة ذاتها..

سنقول كلمة الحق من قلوبنا وعقولنا، وسيصدقنا الناس لأننا نقول كلمة الحق، وندفع ثمنها.. أما أنتم فلن يصدقكم أحد.. حتى إذا رددتم بعض كلامنا..

رابط المقال