الحلول الواقعية

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ  23 مايو 2021

بعد انتصار الشعب الفلسطيني المُوحَّد على الدولة الصهيونية التي تمثل العالم الاستعماري في معركة سيف القدس، وفي إطار الحلول الواقعية الممكنة، سيبحث الطرفان عن حلول قابلة للتطبيق، فهذه الموقعة ليست نهاية الطريق، ومهما تحقق فيها من مكاسب ستظل مكاسب مؤقتة، يمكن أن تتعاظم وتتضاعف، ويمكن أن تزول وتضمحل.

كذلك الخسائر.. يمكن تعويضها، ويمكن التعلم منها، ويمكن عكسها بحيث تصبح رصيدا في نصر قادم.

لقد كانت معركة ثبت فيها أن النصر في حد ذاته ليست "متحيزا" لأي طرف، بل هو شبح محايد، يذهب يمنة ويسرة، له سننه، لا يتأبى على من يأخذ بأسبابه، ولا يجامل أبدا من يتواكل.

لقد عملت الماكينة الإعلامية الإسرائيلية لعشرات السنين لإقناعنا أن النصر مستحيل، وأن قدرنا الهزيمة، واستثمرت هزائم الأنظمة لإقناع الأمة بأنها غير جديرة بالنصر، ولكن الحقيقة التي ثبتت عدة مرات، على يد أكثر من طرف عربي، تقول إن النصر على إسرائيل ليس مستحيلا، بل إن معركة سيف القدس تقول لنا إن النصر على إسرائيل ليس صعبا، لقد أذلت حماس والمقاومة الفلسطينية تلك الدولة الصهيونية بأقل الإمكانيات، بعد حصار امتد لسنوات.

*        *        *

إذن ما الحل؟

بالنسبة للفلسطينيين.. لا يوجد إلا حل واحد.. وهو استمرار المواجهة بالطريقة نفسها.

والمقصود هنا أن يستمر الفلسطينيون كلهم، في خيار المقاومة جميعا، في وقت واحد دائما، وأن يعتبر كل فلسطيني أي اعتداء على أي فلسطيني اعتداء عليه، وأن يروا أنفسهم شعبا واحدا إلى الأبد، تماما كما فعلوا في أحد عشر يوما أذلت الكيان الغاصب.

لقد كانت المعركة استفتاء مفتوحا على أن الغالبية الكاسحة من هذا الشعب العظيم في كل مكان ترى في المقاومة المسلحة طريقها للتحرير، وأن "أوسلو" وما نتج عنها ليست أكثر من ورق لا قيمة له.

لذلك لا خيار سوى أن يستمر الفلسطينيون صفا واحدا، جسدا واحدا إذا اشتكى منه الشيخ جراح تداعت له صواريخ عياش، وإذا تألمت فيه غزة، لبته تظاهرات الفلسطينيين داخل الكيان المحتل.

ولكن التحرك الفارق الذي ينبغي أن يقوم به الشعب الفلسطيني (الآن) هو إسقاط المدعو محمود عباس، والقضاء على ذاك الكيان العميل الذي أنتجته "أوسلو" والمسمى بالسلطة الفلسطينية.

هذه السلطة لا تملك في الفترة القادمة إلا أن تطلق الرصاص على المواطنين، وهذا سيحدث يقينا، ولا بد أن يتحرك فلسطينيو الضفة فورا، والسلطة في أضعف أحوالها.

لا بد أن يتحرك الشعب الفلسطيني الآن، دون أن يدعوهم أحد، لو دعتهم لذلك "حماس" سيقال إنها طامعة في السلطة !

لقد تحرك شعب فلسطين في الضفة دون أن يدعوه للتحرك أحد، من أجل القدس، من أجل فلسطين كلها، وهم الآن مطالبون باستكمال ما بدأوه، وإذا لم يستكملوه فسوف يضيع ما حصلوه من مكاسب وطنية.

السلطة الفلسطينية اليوم لا تملك مثقال ذرة من شرعية، ولا تملك إلا أن تفرض نفسها بقوة السلاح.. السلاح الذي منحته لها إسرائيل، لكي يحمي إسرائيل.

ستكون إسرائيل أضعف بتوحد الفلسطينيين، وستكون أقوى بتفرقهم، ولا حل أسهل من تفريقهم باستخدام عباس والسلطة، لذلك أقول للشعب الفلسطيني "انزعوا هذا الخنجر من يد عدوكم فورا، لأنه لا شك طاعنكم به" !

*        *        *

أما الكيان الصهيوني فلا يملك بعد الهزيمة إلا حلان، الأول: استقطاب حماس لفخ السلام والمفاوضات، والإغراء بالسلطة والمال (كما حدث قبل ذلك مع مصر، ومع حركة فتح).. ويكون ذلك باغتيال القادة المخلصين، والإتيان بالقادة العملاء، مع إغراءات بالحكم والدمج في النظام العالمي، بحيث تتحول الحركة كلها بالتدريج إلى مجموعة من العملاء.

والحل الثاني: هو المواجهة..

وأغلب الظن أن المواجهة هذه المرة ستكون بجيوش العرب، لا بالجيش الصهيوني، وكلنا نعرف أي الجيوش مهيّئ لهذه المهمة القذرة اليوم.

إسرائيل يحرسها عشرون جيشا عربيا قبل جيش الكيان، وهذه المعركة – لأسباب لا مجال لذكرها الآن – حققت للمقاومة الفلسطينية حيادا "نسبيا" من هذه الجيوش، فتحقق للمقاومة نصر كبير، ولكن من المؤكد أن المواجهة القادمة سيحدث العكس تماما.

الكيان الصهيوني لا يستطيع أن يحسم المعركة جويا، ما دام الشعب الفلسطيني متحدا خلف المقاومة.

لذلك لا بد للشعب الفلسطيني أن يزيد من توحده بإسقاط السلطة الفلسطينية، ولا يملك الفلسطينيون بديلا عن ذلك.

والكيان الصهيوني لا يستطيع أن يقتحم غزة بريا أيضا، لذلك سيحاول أن يحاصر غزة أكثر وأكثر، وأن يفرق بين الفلسطينيين في القدس وغزة والضفة وفي داخل الكيان، وهذا أمر سيتم بالعرب، بجيوش العرب، وربما بدبابات العرب !

*        *        *

بقي سؤال أخير.. هل يمكن أن تكون هناك حلول أخرى غير المواجهة؟

الإجابة لا.. لا يوجد حلول أخرى، مهما بدا ذلك ممكنا، مهما حاولت القوى العظمى تأجيل هذه المواجهة من أجل تفريق الفلسطينيين، وتقوية الصهاينة.. المواجهة قادمة.. مهما أُجِّلَتْ.

الصهاينة يعرفون ذلك تمام المعرفة، وأظن أن المقاومة تعرف ذلك، وأظنها قد اتعظت بما حدث من قبل لحركة فتح.

المواجهة قد تكون بعد أيام.. وقد تكون بعد عام أو أكثر.. وهي قريبة على كل حال..

*        *        *

إن المثال الذي نضربه اليوم ونقتدي به.. هو "هوشي منه" الزعيم الفيتنامي العظيم، ذلك الرجل الذي كان يستطيع أن يفاوض ويحارب في الوقت نفسه، وكان يطيل عمر المفاوضات من أجل تحقيق مكاسب على الأرض، وكان يختار وقت التفاوض المناسب، فتراه يرفض المفاوضات في أوقات لأنها ليست في صالح القضية، ثم يقبل بها في أوقات أخرى لأنها تحقق الغاية.

وهو كذلك يلجأ للحرب في أوقات، ويقبل بالهدنة في أوقات أخرى.. ويعرف كيف يستفيد من الحرب، وكيف يوظف الهدنة.

لقد واجه الأمريكيين وفيتنام كلها من خلفه، وفي سبيل ذلك قدم تضحيات "أيديولوجية" كبيرة، فأعاد الأراضي لكبار الرأسماليين (وهو الشيوعي العتيد) من أجل أن يقفوا مع المقاومة، ولكي لا يتمكن المحتل الأمريكي من استقطابهم إلى صفه.

هل ترى فلسطين "هوشي منه" من قيادات المقاومة؟

كلنا أمل.. وثقة.. أن هذه المقاومة الباسلة التي تمكنت من تحديد موعد الحرب، وعنوان الحرب، ووحدت كل الأمة في تلك الحرب.. كلنا أمل وثقة في أنها تملك من الحكمة ما يمكنها من القفز فوق الحواجز التي وقع فيها الجميع خلال أكثر من سبعين عاما من المواجهة مع الكيان المحتل.

رابط المقال