الموج عالٍ

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 2 مايو 

تتعالى الأصوات في "كلوب هاوس" منادية بما يسمى "المصالحة"، يدعو لها الأضداد، أناس كانوا ذات يوم في قلب الثورة التي تنادي بإسقاط النظام، وآخرون هم في حضن النظام بالفعل.. كانوا أو أصبحوا في حضن النظام.. لا فرق.. كلا الفريقين أقلية في معسكره، وكلاهما ينادي ليل نهار عبر "كلوب هاوس" لا بد من "مصالحة" تجمع أبناء الوطن !

والحقيقة أن المصالحة ضرورة، وجمع أبناء الوطن عمل صالح، ولكن.. ما هي المصالحة التي يتحدثون عنها؟ ما تعريفها؟ وما الهدف منها؟ ما هي أطرافها؟ وما المطلوب من كل طرف؟ ماذا سيستفيد الناس – عامة الناس – من هذا الشيء الذي يسمونه "مصالحة"؟

طبيعة المصالحة أن يبذل كل طرف شيئا ما للطرف الآخر لكي يتجاوز الطرفان الخلاف ويحدث الوئام، ويبدأ الجميع صفحة جديدة، ولكن ما يحدث حاليا لا يوحي بذلك، فالنظام أساس وجوده هو الصراع الصفري مع المختلفين معه، والمعارضون للنظام لا يملكون أي أوراق ضغط تذكر لكي يقدموها للنظام.. فكيف سيتم صلح بين طرفين أحدهما لا يرغب، والآخر لا يملك؟

الأقلية التي تدعو لتلك المصالحة لا تملك إجابات عن مثل هذه الأسئلة، ولكنها تصرّ على هذا الضجيج !

*        *        *

في خضم هذا الجدل المستعر.. فوجئنا بالنظام المصري يعرض عدة مسلسلات في شهر رمضان يعيد بها كتابة تاريخ الثورة المصرية، وفقا للرؤية المخابراتية العسكرية الملفقة من أولها لآخرها..

أساطير ومبالغات تتعلق بمؤامرة كونية اشتركت فيها أنظمة العالم كله لإسقاط النظام المصري.. وهو نظام عميل أصلا، ولا يوجد أدنى مبرر لكي يتآمر عليه أحد، بل إن من مصلحة كل أعداء مصر أن يحافظوا على النظام المصري والرئيس المصري الذي كان موجودا حتى يناير 2011.. إسرائيل كانت تسمي رأس هذا النظام "الكنز الاستراتيجي".

والدليل على صحة هذا الادعاء.. هو أن ما حدث بعد ذلك ليس أكثر من مؤامرة محلية إقليمية دولية لاستعادة النظام نفسه، وقد تم لهم ما أرادوه، وها هو النظام قد عاد، وبدأ يدفع الجزية نفسها، فكما دفع مبارك الجزية لإسرائيل.. يدفعها "سيسي"، بل يدفع أضعاف أضعافها.

حين قلنا لهم.. يا دعاة المصالحة.. إن النظام يذيع مسلسلات في غاية البذاءة، وهي مسلسلات لا يمكن أن تصدر من دولة تنتوي أن تخطو شبرا واحدا باتجاه صلح، أو باتجاه تهدئة قد تؤدي بعد ذلك إلى صلح، بل إن إذاعة هذه المسلسلات أمر لا يمكن تفسيره إلا بأن هنالك شرا عميما مضمرا، وأن ما مرّ بنا من سجون ودماء ليس سوى قليل مما ينتويه هذا النظام، وأن ما ينتظرنا ربما يكون أسوأ مما مرّ بنا.. هذه المسلسلات ليست سوى طبول تقرع قبل قصف المدافع.. أنها مارش عسكري قبل معركة لا هوادة فيها..

فكان جواب تلك الأقلية التي تدعو إلى هذه المصالحة الغامضة بأن هذه المسلسلات تم التعاقد على تصويرها وإنتاجها قبل أن يبدأ النظام بخطوات حقيقية للتصالح، هذه المسلسلات مجرد بقايا من بقايا عهد "ترامب".. لذلك لا داعي لتصوير الأمر على أنه نهاية الكون..

قلت في نفسي (إذا كانت تلك المصالحة مجرد مناورة بسبب قدوم بايدن.. فهي أمر إلى زوال، إنها مجرد "فيلم" أمام الأمريكان، وهم يريدون أقلية تمثل دور كومبارس صامت.. لا أكثر) !

قيل لي ولأمثالي حينها.. اصمت.. ولا تفسد علينا مصالحتنا !

*        *        *

فاجأنا النظام مرة أخرى في صباح يوم الجمعة الماضية، بينما نحن جلوس في "كلوب هاوس" في ضيافة الأقلية الداعية للتصالح الغامض، إذ دخل علينا رجل من أقصى "التطبيق" يسعى، يقول إن النظام الراغب في الصلح قد أعدم تسعة أبرياء.. دفعة واحدة، في نهار رمضان.. بالمخالفة لكل أعراف وتقاليد ولوائح وقوانين الدولة المصرية.. أعدمهم صائمين، أعدمهم بعد أن لفق لهم تهما مضحكة.. دون أن يحظوا بزيارة أهاليهم، دون وداع لأحبابهم.

لقد أعدم النظام مجموعة من المواطنين الذين حُرِموا من مجرد مقابلة محاميهم، بعد أن انتزع منهم اعترافات تحت التعذيب.. ولم يكتف بذلك.. بل أعدم النظام الراغب في المصالحة مجموعة أخرى بعد يومين.. بلا أدنى رحمة.. إنهم بقية المتهمين في القضية نفسها، ليصل مجموع المقتولين ظلما إلى عشرين إنسانا بريئا..

سألني بعض الحمقى (كيف عرفت أنهم أبرياء؟) والإجابة كل إنسان بريء حتى يثبت العكس، ولا يثبت العكس إلا بمحاكمة عادلة، وهذا النظام القضائي كله غير مؤهل للحكم في مثل هذه القضايا أصلا، وهذه القضية بالذات لم تجر فيها محاكمة، إنها مجرد مهزلة..

تسلسل الأحداث مرعب.. لقد حكموا على هؤلاء الأبرياء بالإعدام، ثم أيدوا الحكم بشكل نهائي، ثم أذاعوا مسلسلا تلفزيونيا يصوّر جريمتهم الشنعاء (التي لم يثبت أنهم ارتكبوها)، ثم أعدموهم أثناء إذاعة المسلسل في شهر كريم له حرمته.. وبعد ذلك تقول الأقلية الداعية للصلح إن كل ذلك حدث بالصدفة، وأننا لا بد أن نصدق أن هذا النظام الذي يقتل الأبرياء بكل هذه الدقة، وبكل هذا التصميم.. يرغب في "مصالحة" !

*        *        *

بعد هذه المجزرة.. ترددت صرخات الضحايا في الأجواء، وسمعنا قرع "طبلية" الإعدام عند الفجر كأنه بوق يوم القيامة، فصمتت ندوات "كلوب هاوس"، وصمتت أصوات كثيرة تعودنا منها الصراخ مع كل انتهاك.. انتهاك لا قتل.. انتهاك لا إعدام !

لقد كانت ردة الفعل الحقوقية – خصوصا من الكيانات والشخصيات الحقوقية غير المنتمية للتيار الإسلامي – محدودة جدا، مقارنة بحجم الجريمة، ومقارنة بانتهاكات صغيرة أخرى قامت الدنيا من أجلها ولم تقعد..

المقتولون هذه المرة إسلاميون ملتحون، متهمون بقتل ضباط شرطة.. ويبدو أن الموج عالٍ !

لقد آتت سياسة "الرهائن" أُكُلَهَا، فغالبية المعارضين أصبحت ألسنتهم مقيدة برهائن داخل مصر، وأصبحنا جميعا بين نارين، نار الاعتراض مع وجود رهائن في فكّ الضبع الذي نعارضه، ونار السكوت.. ولكن يبدو أن هناك نارا ثالثة ستحرق الوطن كله، بسبب تلك الميليشيات المسلحة التي ترفع علم الوطن، وتقتل أبناءه، وتتآمر على مصالحه، وتستولي على ثرواته، وتبيع أرضه وجزره ونيله..

لك الله يا مصر !

رابط المقال