فلنواجه الحقيقة

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 11 ابريل 2021 م

ما الجريمة التي ارتكبها الهنود الحمر ليحكم عليهم بما يشبه الإبادة؟

الإجابة: لا شيء !

هل كان الهندي الأحمر وهو يعيش في قارة كاملة متنعما بخيراتها يتخيل أن أيامه على هذه الأرض معدودة؟ وأنه – بعد أن عاش آلاف السنين مطمئنا – سيواجه الفناء خلال عدة عقود؟

الإجابة: لم يكن يتخيل !

قس على ذلك حضارة الإنكا، والمايا، وغيرهما..

إنها سنن الحياة التي خلقها الله، صراع البقاء ممتد، وأسباب الفناء معروفة، ولا استثناءات في سنن الكون التي خلقها خالق الكون.

لذلك أقول.. فلنواجه الحقيقة.. مصر اليوم أمام تحدٍ من تحديات البقاء والفناء، فلأول مرة تصبح مصر أمام عائق يمنع جزء كبيرا من حصتها في مياه النيل من الوصول إليها، إنه سد النهضة الإثيوبي الذي يحرم الشعب المصري من حقوقه التاريخية في ماء النيل.

*        *        *

فلنواجه الحقيقة.. إن معركة سد النهضة الحقيقية تتعلق ببناءه.. بوجوده أصلا..

ونحن الآن نخوض معركة (الملء والتشغيل)، وهي ليست أكثر من واحد في المائة من حجم المعركة، لقد خسرنا معركة إقامة السد (وهي المشكلة الحقيقية)، ولن يفيدنا أن نربح هذه المعركة الهامشية المتعلقة بقواعد الملء والتشغيل.

لقد كان الحل الوحيد لمصر لكي تحافظ على حصتها من النيل، أن تقوم هي ببناء سدود صغيرة ينتفع بها شعوب دول المنبع، على أن تكون مصر شريكة في التمويل، وشريكة في التشييد، وشريكة في الإدارة، وشريكة في ملكية تلك السدود من الأساس.

ولكن ذلك كان لا بد أن يتم في فترة حكم الرئيس المخلوع مبارك، فهي الفترة التي تخلصت فيها مصر من مسلسل الحروب، وكانت في وضع يسمح لها بعمل مثل هذه المشاريع.

ولكن مبارك كان مشغولا بمعارضيه، وبجمع الثروات، كان مشغولا بإصدار قوانين تتيح له تعيين عمداء الكليات ورؤساء الأقسام في الكليات والجامعات بدلا من انتخابهم.

كان مشغولا بإصدار قوانين تمنع تعيين عمدة البلد، وشيخ البلد، دون تقرير أمني من أمن الدولة.

كان مشغولا بمنع تعيين إمام أو مؤذن أو حتى فرّاش في مسجد إلا برضا أمن الدولة !

كان مشغولا بتقييد الحريات، ومنع التظاهرات، وخنق غزة، وبيع القطاع العام.. الخ

كان مشغولا بتدمير جميع مؤسسات الدولة المصرية.. ولم ينشغل بتوغل إسرائيل الواضح المعلن في دول منابع النيل.. لذلك ضاعت فرصة مصر في أن تؤمّن نيلها وحياتها.

*        *        *

أستغرب من هؤلاء المعارضين الذين وصل بهم تفكيرهم العاطفي حد أن أصبحوا يفكرون بطريقة تبرئ المجرم الحقيقي الذي تسبب في بناء السد.

فلنواجه الحقيقة.. السيد عبدالفتاح "سيسي" هو رئيس جمهورية الأمر الواقع في مصر منذ عام 2013م.. وقد قام هذا الشخص منفردا بتوقيع اتفاق مبادئ في مارس 2015م بخصوص سد النهضة الإثيوبي، بحضور رئيس صندوق النقد الدولي، وبعد توقيع هذا الاتفاق أصبح تمويل السد أمرا مشروعا طبقا للقانون الدولي، وهو ما تمّ بالفعل، وقامت دول كبرى بتمويل السد، من ضمنها دول عربية، بل إن بعض البنوك المصرية (يا للعار!) تورطت في تمويل هذا السد.

لماذا يطالبنا البعض بمشاركة هذا الشخص في المسؤولية عن توقيع هذا الاتفاق؟

هذا الاتفاق – لمن لا يعلم – ورد فيه عبارات عن حصص الدول الأعضاء (مصر والسودان)، دون الإشارة إلى أي اتفاقيات سابقة، ودون تحديدها بأرقام واضحة، وهو ما يعتبر خيانة عظمى، فبهذا الاتفاق الذي تم أمام أعين العالم كله، وافقت الدولة المصرية على أن تتجاوز وتتجاهل جميع الاتفاقيات التي أثبتت حصتها المائية الثابتة في اتفاقات راسخة..

وللأسف.. فعلت مصر ذلك مع الطرف الإثيوبي الذي دأب على التشكيك في شرعية هذه الاتفاقيات.

بدلا من النص صراحة على حصص مصر والسودان ورد في الاتفاق عبارات مثل (الاستخدام العادل والمعقول)، (تستخدم الدول الثلاث مواردها المائية بطريقة منصفة ومعقولة).. كلام غامض.. وهو في صالح إثيوبيا بالتأكيد.

اتفاق المبادئ لا يمنح مصر والسودان قطرة ماء واحدة، بل يمنحهما كلاما فضفاضا، دون ذكر حصص محددة بالأرقام، ودون ذكر الاتفاقات السابقة كمرجعية، كما أنه لا يمنح أطراف الاتفاق حق الشكوى أو الاعتراض لأي جهة دولية، بل يحصر ذلك في مفاوضات ثنائية، وهو ما فعلته إثيوبيا، فاستهلكت سنوات وسنوات في المفاوضات.

ينص الاتفاق بشكل صريح على أن أي خلاف يحدث لا يؤثر على بناء السد، ولا على الملء، نعم.. نص الاتفاق بشكل صريح على أن إثيوبيا تستمر في بناء وملء السد رغم أي اعتراض من الأطراف الأخرى.

كما أن إثيوبيا طبقا لهذا الاتفاق قد منحت نفسها حق إعادة صياغة قواعد تشغيل السد منفردة، وإذا اعترضت مصر أو السودان.. فالحل واضح.. المفاوضات.. ثم المفاوضات.. ثم المفاوضات.. مفاوضات إلى الأبد !

هذه بعض بنود اتفاق المبادئ الذي وقعه هذا الشخص..

*        *        *

فلنواجه الحقيقة.. نحن أمام حالة "ابتزاز وطني" شديدة الابتذال.. ابتزاز من طرف المعارضة قبل أن تكون من طرف النظام !

البعض يحاول أن يقنعنا أننا ينبغي أن نقف خلف النظام، من أجل معركة البقاء !

والحقيقة أن هذا قلة في العقل، وخلل في الوعي.. إنها دعوة للاشتراك في الجريمة، والفريضة الوطنية الواجبة الآن أن نعلق الجرس في رقبة المجرم الذي حرم مصر من نيلها، والوقوف مع النظام في هذه اللحظة معناه أننا شركاء في المسؤولية أمام الشعب، والحقيقة أن النظام (رئيسه، وجيشه، ومؤسساته كلها) هو المسؤول وحده فقط عن هذه الخيانة، ولا منطق في جرّ أناس لم يكونوا طرفا في الخيانة لكي يتلوثوا بها !

لقد كتبت أنا شخصيا في مارس 2015م رسالة إلى رئيس الوزراء الإثيوبي نشرتها علنا، وترجمت لعدة لغات، خلاصتها أن الشعب المصري ليس مسؤولا عن اتفاق المبادئ ذاك، وأن من وقّع هذا الاتفاق لا يمثل الشعب المصري، وأنني لم ولن أتنازل عن حقي في النيل، وأن الشعب المصري لم يفوّض أحدا في هذا الشأن.. فلماذا يطالبني البعض الآن بالاصطفاف خلف الجنرال الذي تبرأتُ منه من اللحظة الأولى لتوقيع اتفاقية الخيانة تلك؟

بل إن بعض المعارضين من أصحاب النوايا الطيبة يدعون رأس النظام إلى (سحب التوقيع)، وكأن ذلك حل.. أو كأنه من الممكن أو القانوني أن توقع عدة دول على اتفاقية دولية بهذه الأهمية (دون أي إجبار)، ثم يأتي أحد الأطراف ليسحب توقيعه بعد ذلك بعدة سنوات، بذريعة إنه اكتشف "فجأة" أن ما وقع عليه بكامل إرادته في غير صالحه !

لا منطق في دعوته لسحب توقيعه، غاية ما في الأمر أنهم يمنحونه – بقصد أو بدون قصد – فرصة لتصوير نفسه كبطل.. أي أنه سيسحب توقيعه، ثم ينطلق بعدها حملة المباخر للإشادة بعظمته، وينسى الجميع الجريمة الأصلية.. توقيعه على اتفاق مارس 2015..

الموقف الوطني السليم ينبغي أن يكون واضحا، هذه الخيانة العظمى ارتكبها نظام الحكم العسكري، وهو المسؤول وحده لا شريك له في هذه الجريمة التي ستتسبب في مصائب لا حصر لها، وواجب اللحظة أن نتبرأ من هذه الخيانة، وأن يتحملها من ارتكبها وحده، وأن لا نعطيه فرصة لقسمة الخيانة على عدد أكبر، أو أن يُحَمِّلَ مسؤولية خيانته لثورة يناير، أو لقوى الشر، أو أي أطراف وهمية يخترعها ليبرئ نفسه.. الخ الخ

*        *        *

ما زال البعض يحلم بعمل عسكري.. فلنواجه الحقيقة.. لقد تم بناء السد وانتهت الحكاية، ومشروع بهذا الحجم لا يمكن أن يصل لهذه الدرجة من الإنجاز بتمويل دولي دون أن يكتمل !

لا يوجد أي عمل عسكري يمكنه أن يغير هذا الواقع، وإذا افترضنا أن هناك عملا عسكريا ما يمكنه أن يعطّل الملء الثاني على أقصى تقدير.. فتأكد وتيقن أيها القارئ الكريم أن تلك الجيوش التي نتحدث عنها لا تستطيع أن تفعل ذلك، فهي لا تملك قرارها أصلا، ولا تملك الحرفية التي تمكنها من ذلك.. هذه الجيوش أصبحت قوات (فض شغب)، رصاصها ضد شعوبها، وأموالها لجنرالاتها، وسلاحها للعمولات، وذخيرتها للتظاهرات.. هذه الجيوش (كمؤسسات لا أفراد) خدم الاستعمار، وعائق الاستقرار، ولن تهنأ شعوبنا العربية إلا بالتخلص من حكمها، وإعادة هيكلتها مرة أخرى لكي تعود جيوشا كما كانت منذ عشرات السنين.

*        *        *

ما زال البعض يتحدث عن أفكار تتعلق بوساطات دولية، فلنواجه الحقيقة.. العالم كله بعد أن وقّع الخائن اتفاقية المبادئ في مارس 2015م أصبح يرى السد سدا شرعيا، وموّلت دول كثيرة هذا السد (من ضمنها دول عربية)..

فلنواجه الحقيقة.. البنك الدولي يقف مع هذا السد، ولو افترضنا أننا لجأنا لأي تحكيم دولي فنتائجه غير مضمونة، لأن الموقف الإثيوبي قوي، والموقف المصري السوداني ضعيف، وكل ذلك بسبب اتفاق المبادئ المشؤوم.

وإذا افترضنا أن حكما دوليا صدر في صالح مصر والسودان.. فسيكون مثل الأحكام التي صدرت ضد المستعمرات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.. تصدر قرارات وأحكام دولية تنزع الشرعية القانونية عن المستعمرات، ولكن الحقيقة على الأرض أقوى، الحقيقة أن المستعمرات موجودة، مفروضة بقوة السلاح، يعيش فيها مئات الآلاف من البشر، يزرعون، ويصدرون منتجاتهم للعالم كله، ويتواطأ معهم دول عربية لكي تصل منتجات مزارعهم إلى موائدنا !

فلنواجه الحقيقة.. لقد ضحى هذا النظام (بكل مؤسساته) بالنيل.. من أجل منح الشرعية لرئيس منقلب، ولنظام عسكري استبدادي !

*        *        *

ما الحل إذن؟

الحل.. نزع الشرعية عن الاتفاق، ولن يحدث ذلك ما دام الشخص الذي وقعه في السلطة.

هل سيؤدي ذلك إلى استعادة النيل؟

بالطبع لا !

ما الفائدة إذن؟

الفائدة أننا سنمنع أقامة سدود أخرى في إثيوبيا، وفي جميع دول المنبع !

فلنواجه الحقيقة.. مصر والسودان ابتلاهما الله ببلاء عظيم.. هذا البلاء اسمه (حكم العسكر)، وقد تسبب هذا البلاء في مصائب كثيرة، منها سد النهضة.. وهو سد ضمن سدود كثيرة ستقام خلال السنوات القادمة، في إثيوبيا، وفي جميع دول المنبع.. ولا عزاء لشعوب المصبّ.

فلنواجه الحقيقة.. نحن – بسبب اتفاق المبادئ المشؤوم – أمام واقع جديد، ولا يمكن تغيير هذا الواقع بأي عمل عسكري أو تحكيم دولي، أو وساطة دبلوماسية،.. والملء الثاني سيتم، ومن يتخيلون أن هناك حلا ما يمكن أن يعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل توقيع اتفاق الخيانة المشؤوم.. أناس حالمون، يحلمون بإعادة الهنود الحمر إلى السيادة في أمريكا، يحلمون بإحياء حضارة المايا والإنكا !

*        *        *

ملحوظة: هذا رابط مقالتي في  24 مارس من عام 2105، والتي وجهت فيها الرسالة لرئيس وزراء إثيوبيا.. لمن يرغب في قراءته..

 

رابط المقال