كارثة واحدة في مصر

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 28 مارس 2021

في هذه الأيام العصيبة لا صوت للعقل في أوطاننا، تتوالى الكوارث، ولا تسمع إلا أصوات طبول المهرجين الذين لا عمل لهم سوى تمجيد الحاكم الذي يسير بالوطن بأقصى سرعة إلى الهاوية..

يتحدثون عن الطرق والجسور، يتحدثون عن الأمتار المربعة للأسفلت وكأنها مقياس تقدم الأمم.. يتحدثون عن الأمتار المكعبة للخرسانة وكأنها الدليل على الاستقرار.. كم مترا مربعا من الأسفلت صنعتم للأغنياء فقط؟ كم مترا مكعبا من خرساناتكم صُبّتْ في سجون وأسوار تعزل غالبية الشعب عن شعب الحكم المختار؟، وتخلق جيشا من الفقراء خارج حدود المناطق الخضراء للأغنياء؟

لا صوت للعقل في مصر اليوم.. حالة الخرس عامة، شاملة، حتى من المصريين المعارضين الذين يعيشون خارج البلاد، لا يتحدث اليوم إلا قلة قليلة منهم، وذلك بعد أن أصبح خطف الرهائن هو النظام المتبع من العصابة الحاكمة في مصر..

إنها الحقيقة.. غالبية من كان لهم صوت في الخارج.. خفتت أصواتهم بعد أن تعالت أصوات أقاربهم في معتقلات العسكر في مصر..

*       *       *

بدأت يومي بقرار الكتابة عن كارثة قناة السويس.. العالم كله يحبس أنفاسه ويتابع الأزمة.. القناة مغلقة لفترة قد تستغرق عدة أيام، أو عدة أسابيع.. لا أحد يعرف على وجه الدقة.

إدارة الأزمة ظهر فيها جميع أمراض الاستبداد العسكري، لا معلومات، مع منع لنشر الخبر محليا، مع محاولة تقليل حجم الكارثة وإظهار أن كل شيء يسير على ما يرام، وبالطبع تمجيد القيادات المسؤولة عن الكارثة.. غني عن الذكر أن جميع المسؤولين عن الكارثة جنرالات متقاعدون، لم ينتخبهم أحد، بل هم في مواقعهم بقوة السلاح !

الحادث في حد ذاته طبيعي، صحيح أنه حادث ضخم، ولكنه في النهاية هذه الأمور تحدث، ولا يوجد "عورة" في الاعتراف بأن أمرا كهذا قد حدث.

ولكن عقلية عسكر الاستبداد لا تقبل بصوت العقل، ولا ترضى بأي شكل من أشكال الشفافية، لا بد من فضيحة لكي تعترف الدولة بأن أمرا ما قد جرى..

وحتى هذه اللحظة.. ما زالت مصادر المعلومات شحيحة، وأغلب ما نستقيه من معلومات مصدره الإعلام الغربي، وما زال أهل الحكم في مصر عاجزين عن تقديم بيان شاف للمصريين، ولمجتمع الأعمال في العالم، لكي يطمئن الجميع، أو على الأقل ليفهم الجميع حجم المشكلة..

*       *       *

بدأت يومي – كما قلت – بقرار أن أكتب المقالة عن أزمة قناة السويس، ولكن بعد أن بدأت الكتابة وصل الخبر الحزين، اصطدام قطارين في محافظة سوهاج.. عزاؤنا لأنفسنا.. للشعب المصري كله..

وكما حدث في أزمة قناة السويس.. لا أحد يصارح الناس بحقيقة ما حدث، وبالتالي حجم الكارثة غير معروف، فبعض شهود العيان يتحدثون عن ضحايا بالمئات، بينما تصرّ دولة العسكر على أن الضحايا بين الثلاثين والأربعين، وهو أمر يصعب تصديقه..

ولم تكتف دولة العسكر في مصر بتصدير أرقام يصعب تصديقها، بل أتبعت ذلك بفضيحة يستحيل تصديقها، حيث صرّحت وزيرة الصحة تصريحا لا مثيل له في استغباء الآخرين: (انخفاض حصيلة وفيات حادثة قطار سوهاج إلى ثمانية عشر شخصا، بسبب دخول بعض المصابين في غيبوبة، واعتقاد الأهالي أنهم ماتوا) !، ولا تعليق على هذا التصريح الذي يحتقر عقول الناس.

أحد الناجين استغاث فور وقوع الحادث ببث مباشر على الفيس بوك في موقع الحادث، وصرخ من قلبه (احنا رخاص.. فين المسؤولين.. بنحب بلدنا بس بلدنا كارهانا)، انفعال طبيعي، بلاغة البسطاء مع هول الصدمة.. هذا الشاب الذي فقد زملاءه، ورأى دماءهم، وبدأ البث المباشر وهو ما زال داخل القطار المنكوب، بين الجثث والمصابين، اعتقلوه !

لقد أدار أهل الحكم الأزمة بكل صلف الاستبداد المعهود، لا معلومات، لا نشر للخبر، اعتقال الشخص الذي نشر الخبر عبر بث مباشر على الفيس بوك، محاولة تقليل حجم الكارثة بتقليل عدد القتلى والمصابين بل بتخفيض عدد الضحايا إلى النصف، الإشادة بالوزير المسؤول، ولا شك أننا لا نحتاج أن نقول إن جميع المسؤولين عن الكارثة جنرالات سابقون.. وزير المواصلات، والمحافظ، ورئيس هيئة السكك الحديدية، وغيرهم.. مفروضون على الأمة بقوة السلاح، ينهبون ثروات الشعب بلا رقيب، ولا يحاسبهم أحد مهما أجرموا !

*       *       *

بدأت يومي بنية أن أكتب عن كارثة السفينة التي جنحت في قناة السويس، ولكن جاء حادث قطار الصعيد فقلت لا بد أن أعلق على هذه الكارثة أيضا، وفي اليوم التالي استيقظت لكي أنهي مقالتي وأرسلها للنشر.. ولكن فوجئت بخبر كارثة انهيار عمارة في القاهرة بمنطقة جسر السويس !

يبدو أن هناك منشأة صناعية في بدروم العقار، وهو أمر ليس غريبا في مصر، فحكم العسكر معناه أن يفعل المرء ما يريد، والمال يستطيع شراء المسؤولين العسكريين غير المنتخبين، فالمناصب بالنسبة لهم باب للترزق، وهي مورد للثروات الحرام، وغالبية هؤلاء منحوا مناصبهم مكافأة على فسادهم، وتزلفهم لقادتهم الفاسدين، وبالتالي.. ستجد في مصر مئات المصانع التي تمارس أعمالا خطرة داخل كتل سكنية شديدة الازدحام..

تفاصيل الحادث ما زالت غير معروفة، ولكني أجزم، وبكل ثقة، أن حادث انهيار العقار سنرى فيه السيناريو المكرر في جميع كوارث مصر.. مسؤولون عسكريون لا يحاسبهم أحد، يمنعون نشر حقيقة ما جرى، ويحاولون تقليل حجم الكارثة، ويظهرون أنهم لم يخطأوا أبدا، وأن كل شيء يسير على ما يرام، وأن المشكلة في الشعب المتخلف الجاهل، واعتقال كل من تسوّل له نفسه أن ينشر، أو أن يصرخ من الألم..

*       *       *

يحاول البعض أن يقترح بعض الحلول لمشاكل مصر.. مثل ضرورة أن تهتم الدولة بالصعيد، أو ضرورة أن تتسم الدولة بالشفافية، أو أن يكون هناك غرفة لإدارة الأزمات على مستوى احترافي.. والحقيقة أن كل ذلك هذر في موضع الجد.. فبلد مثل مصر لا أمل فيه إلا بتغيير شامل يكفل للناس حرية حقيقية، بحيث يختار الناس من يحكمهم، ويصبح الشعب مسؤولا عن نفسه من خلال انتخاب من يدير شؤون حياتهم اليومية في المحليات، وفي البرلمان، وفي الحكومة، وفي القضاء، وفي الرئاسة.. حين يتسنى للناس ذلك سيحاسبون كل كبير وصغير، ولن تستمر البلاد في مسلسل الانهيار الذي نراه أمامنا..

بغير ذلك ستظل مصر محكومة بمماليك يقودون الناس بالسيف، والناس في انتظار لحظة الانتقام المناسبة.. وهي قادمة قادمة !

إن مصر لا تعاني من كوارث متتالية.. بل تعيش في ظل كارثة واحدة منذ خمسينيات القرن الماضي.. كارثة حكم العسكر.. كارثة الاستبداد.. ولا حل إلا بعلاج هذه الكارثة، وحينها ستنتهي كل الكوارث..

رابط المقال