تقارب هنا.. وتباعد هناك

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 21 مارس 2021 م

برغم ما يجمع البلدين من حضارة ودين وثقافة، وبرغم تقارب طباع الشعبين، وبرغم التاريخ الذي جمع الأمتين في دولة واحدة لعدة قرون، وبرغم المكاسب الكبيرة التي ستنتج عن مجرد التنسيق بين الدولتين في شتى الملفات، برغم كل ذلك تظل حالة (التنافس الإقليمي) هي السمة الأبرز في العلاقات المصرية التركية على ضفتي المتوسط منذ قرون.

لم يحدث أن هدأت العلاقات المصرية التركية خلال تاريخ طويل، بل كانت حالة التنافس هي الحالة الثابتة، مهما بدا غير ذلك.

في بعض الأحيان كان حاكم القاهرة لا يتسلم الحكم إلا بعد أن يتسلم "خطاب الولاية" من حاكم اسطنبول، وفي بعض الأحيان كانت جيوش القاهرة تغزو الأناضول، وعلى وشك أن تحاصر اسطنبول نفسها..

وفي جميع الأحوال.. اتفقت القوى العظمى منذ القدم على أن الاتحاد بين مصر وتركيا خطر على العالم الغربي كله، واتفقت حديثا على أن ذلك خطر على إسرائيل، وعلى مصالح دولية كثيرة..

مصر، وتركيا، وإيران.. لا بد أن يظلوا إخوة أعداء، لأن مجرد التقارب بين هذه الدول سيكون وبالا على القوى العظمى كلها، وسيكون خطرا حقيقيا على إسرائيل.

حين اتفقت تركيا وإيران – على سبيل المثال – على منع قيام دولة كردية في العراق.. تم لهما المراد، وبرغم كل الدعم الأمريكي الإسرائيلي الأوروبي لمشروع الدولة الكردية فشل المشروع، وأصبح من المستحيل أن تقوم دولة كردية في المنطقة حاليا، وسيستمر الفشل لهذا المشروع الانفصالي لفترة غير قصيرة.. كل ذلك لأن تركيا وإيران اتفقتا على ذلك (للأسف كان العراق تابعا في هذا الأمر لهما).

*        *        *

لذلك لا بد أن نتذكر أن أي تقارب (تركي مصري) هو في حقيقته تباعد (مصري إماراتي).. أو هكذا أرى المشهد من زاوية ما !

وللأسف الشديد سيكون أي تقارب (تركي مصري) تقاربا مؤقتا، عارضا.. محكوما بمتغيرات كثيرة، ومن الصعب أن تهدأ العلاقات بين البلدين لفترة طويلة، برغم المكاسب التي سيجنيها الطرفان..

العلاقات التركية المصرية لم تكن مستقرة منذ عشرات السنين، وهيهات أن تستقر الآن مع وجود نظام مثل النظام المصري، مصلحته هي معكوس المصلحة الوطنية، وأمن قياداته في بيع الأمن القومي المصري بأبخس الأثمان..

*        *        *

الدول العريقة مثل تركيا ومصر لها تقاليد، وهذه التقاليد تنتقل من نظام إلى نظام، ومن فترة حكم إلى أختها..

كنا نسير في أحد شوارع اسطنبول، ورأينا بيتا صغيرا جميلا معززا بحراسة رسمية من الدولة، فسألنا لمن هذا البيت؟ فجاءت الإجابة إنه بيت فلان، وفلان هذا هو أحد أمراء الحرب في إحدى الدول الآسيوية، وقد أصبح لاجئا سياسيا في تركيا، ومنحته الدولة هذا اللجوء في تسعينيات القرن الماضي (أي قبل حكم حزب العدالة والتنمية أصلا)، ومنذ ذلك الزمن وبرغم تغير النظام في تركيا، ما زالت الدولة تحافظ على عهدها، وستظل تحافظ على عهدها حتى لو تغير النظام مرة أخرى.

في مصر نظام لا يحافظ على تقاليد الدولة المصرية، فتراه يسلم طلبة الأزهر من أقلية "الإيجور" إلى الصين، وليس غريبا على من يسلم "تيران وصنافير" لإسرائيل، أن يسلم أي لاجئ لأي أحد.. وهذا ما جنته مصر من حكم أمثال حسني مبارك، فقد هُدمت المؤسسات، وضاعت معها تقاليد الدولة المصرية، وأصبحت مصر على استعداد لتوريد الغاز لإسرائيل بسعر مدعم، في الوقت الذي أهملت فيه إفريقيا، حتى تسبب ذلك الخلل في كارثة سد النهضة، وما سيليه من سدود.

*        *        *

الذين يظنون أن معنى التقارب التركي المصري هو أن تسلم السلطات التركية المعارضين المصريين للقاهرة، لا يفهمون مثل هذه المعاني المتعلقة بتقاليد الدول.

حدث في زمن مضى.. أن تقدم الجيش المصري في الأناضول حتى وصل إلى مدينة قونية، وأصبحت الطريق إلى اسطنبول مفتوحة أمام الجيش المصري.. وبدون الدخول في تفاصيل تاريخية معقدة.. في هذه اللحظة تحرك قائد القوات البحرية في الجيش العثماني الأميرال أحمد باشا بأسطول الدولة العثمانية كله من مضيق البوسفور إلى الإسكندرية، وسلّم الأسطول العثماني كله إلى محمد علي باشا، في وقت قاتل، وفي ضربة قاصمة للدولة العثمانية.

لم يمنع سقوط الدولة العثمانية في يد الجيش المصري إلا تكتل العالم كله خلف الدولة العثمانية، لأن سقوط الخلافة معناه توحيد شطري المتوسط.. توحيد مصر وتركيا.. وذلك خطر داهم على الدول الكبرى كلها، لذلك كان الأفضل أن يتم تحجيم محمد علي باشا في مصر، وأن تستمر الدولة العثمانية كفاصل سياسي جغرافي عسكري بين روسيا وأوروبا، رجل مريض يحتضر، خير من رجل جديد له مطامح ومطامع.

بعد أن وضعت الحرب أوزارها طالب السلطان بتسلم الأسطول، وبتسليم الأميرال أحمد باشا، وبالفعل تم تسليم الأسطول، أما قائد الأسطول.. فظل محمد علي يراوغ ويراوغ، ولم يقبل بتسليمه.

لقد كانت القاهرة ملجأ للسياسيين الأتراك، وكانت اسطنبول ملجأ للسياسيين المصريين.. وليس أدل على ذلك من وجود قبر عبدالله النديم خطيب الثورة العرابية هنا في اسطنبول، لقد لجأ إليها، ومات فيها، وسار في جنازته السلطان عبدالحميد وكبار رجال الدولة العثمانية.

لذلك حين أسمع خيالات بعض الإعلاميين عن مسألة تسليم بعض اللاجئين من أي من الدولتين أعود بالتاريخ، وأبحث، فلا أكاد أجد حادثة واحدة من هذا النوع (فيما أعلم).. وليصحح لي أهل الذكر من الباحثين في التاريخ.

*        *        *

ما الذي يحدث إذن في العلاقات التركية المصرية؟

تركيا تحاول أن تفكك التحالف الضخم الذي حققته اليونان وإسرائيل في مسألة غاز شرق المتوسط.. ومصر تحاول أن تعوض خسائرها الفادحة في ملفات إقليمية عديدة.. أهمها شرق المتوسط، وليبيا.

لقد فهم بعض أهل الحكم في مصر أخيرا أنهم مجرد ديكور في مسألة غاز شرق المتوسط، وأن فكرة تحول مصر إلى مركز لتسييل الغاز في المنطقة ليست سوى أحلام يقظة.. كما يبدو أنهم فهموا أن السير خلف رؤية الإمارات في إدارة الأزمة الليبية لم يعد على مصر سوى بخسارات استراتيجية، منها الحضور التركي في ليبيا، فمجرد وجود الأتراك في ليبيا خسارة وخصم من دور مصر، مصر التي كان يمكن أن تكون رمانة الميزان في الشأن الليبي، لولا أنها دخلت كتابع للسياسة الإماراتية.. تلك السياسة التي اكتشفت القاهرة متأخرا أن من ضمن ثوابتها إضعاف مصر، لذلك ستجد الإمارات تدعم إثيوبيا ضد مصر في مسألة سد النهضة.

تركيا ترغب في ترسيم حدود بحرية مع مصر يحفظ حق الدولتين، ويضاعف مكاسبهما، وهو أمر صعب، لأن النظام الحالي عصمته ليست في يده.

إلى متى سيستمر التقارب التركي المصري؟ وإلى متى سيستمر التباعد المصري الإماراتي؟ لا أحد يعلم.. ولكن المؤكد أن علاقات سوية بين مصر وتركيا أمر بعيد المنال، بغض النظر عن وجود معارضة مصرية في اسطنبول، أو وجود معارضة تركية في القاهرة.. إنها طبائع الأشياء.. وأحكام التاريخ.. ستظل حالة التنافس بين البلدين، وتغيير هذه الحالة لا أظنه سيحدث في الوقت الحالي.

رابط المقال