تعارض مصالح

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 14 مارس 2021 م

يمنع القانون مديري الشركات الكبرى أن يتعاملوا مع أي مؤسسات تجارية منافسة لشركاتهم التي يديرونها، ستجد دائما بندا صريحا في عقود الموظفين (وخصوصا كبار الموظفين والمديرين) يتعلق بتعارض المصالح.

بل ستجد في كثير من الأحيان بنودا في عقود عمل كبار الموظفين والمديرين يتعلق بمنع عملهم في شركات أو مؤسسات أخرى بعد أن يتركوا العمل في شركاتهم، فترى العقد ينص على أن هذا الموظف لا يحق له أن يعمل في شركة منافسة لمدة عدة سنوات، لكي تتأكد الشركة من الحفاظ على أسرارها، وعلى وضعها الحالي في السوق، ولكي لا تتسرب خططها الآنية لمنافس آخر.

لو سمحت شركة كبرى لكبار مديريها بوجود مصالح بينهم وبين المنافسين سيكون مصير هذه الشركة الإفلاس.. لا شك في ذلك.. وهذا ما يحدث في أوطاننا الآن، غالبية الدول العربية يحكمها أشخاص وأنظمة ومؤسسات وجودها في السلطة يتعارض تعارضا تاما مع المصالح الحقيقية للشعب.

*        *        *

عرفت مصر (تعارض المصالح) بين الشعب والحاكم لفترات طويلة عبر التاريخ، ولكن لا نكاد نرى عبر تاريخ مصر الطويل تعارضا واضحا جليا كما حدث بعد انقلاب عام 1954، ولا نرى مثيلا لتعارض المصالح كما هو حادث اليوم والآن، حيث أصبحت مصالح الطبقة الحاكمة هي معكوس مصالح الشعب، ومعكوس أساسيات الأمن القومي للأمة، وأصبحت تلك النخبة تفرط في المقومات الأساسية للحياة.

كل ذلك يحدث مقابل مكاسب وضيعة، مكاسب لطبقة محددة، وبعض هذه المصالح يعتبر مصالح (فردية)، لشخص واحد، مع مجموعة من المحيطين به.. لا أكثر.

مصلحة هذه الطبقة أن تغلق ملفات النزاع الحقيقية لصالح تثبيت أرجلها في السلطة، من هذا المنطلق وقعت تلك السلطة اتفاق المبادئ المتعلق بسد النهضة الإثيوبي في مارس 2015م، وصرخ المخلصون في ذلك الوقت محذرين وموضحين أن ذلك ليس في صالح مصر أبدا، وتبيّن بعد فوات الأوان صحة ذلك، وكم كان هذا الاتفاق ضد المصلحة الوطنية المصرية والسودانية، وكيف أن هذا الاتفاق يتعارض تعارضا تاما مع أساسيات الأمن القومي.

لماذا وقعت السلطة الحاكمة هذه الاتفاقية إذن؟

لكي تثبت أرجلها في السلطة، ولكي تستعيد وجودها في الاتحاد الإفريقي الذي جمد عضوية مصر بعد الانقلاب العسكري في يوليو 2013، كل ذلك برغم التعارض الصارخ في المصالح بين المصلحة الوطنية التي تقتضي عدم التوقيع، وبين مصلحة مجموعة أشخاص وضعوا مورد المياه الوحيد لمصر تحت رحمة أعداءها..

*        *        *

الأمر نفسه ستجده في التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، فلا مصلحة وطنية في هذا الأمر، ولكن كانت هناك مصلحة فردية لمجموعة أشخاص في إرضاء إسرائيل، وإرضاء المملكة السعودية، فكانت النتيجة أن تنازلت مصر طوعا عن أرض تحت سيادتها، ونتج عن ذلك فقدانها السيطرة على المضيق الهام، وأصبح المضيق مياه دولية، وسينتج عن ذلك أشياء كثيرة، تضر بالأمن القومي، وبقناة السويس، وبالاقتصاد المصري..

هذا المشهد الفريد في التاريخ الإنساني، أن تتنازل دولة بلا أي مبرر عن أرض تملكها، وحاربت من أجل أن تملكها، ولا يكاد يوجد نزاع يذكر عليها.. من أجل لا شيء.. لمجرد أن حاكما عابرا كانت له مصلحة شخصية مع طرف هنا أو هناك.. هذا المشهد رأيناه بأم أعيننا بسبب التعارض الصارخ بين مصالح الحاكم والمحكوم !

*        *        *

ستجد الأمر ذاته في مسألة غاز شرق المتوسط، مصلحة الأمة المصرية في ترسيم الحدود طبقا للرؤية التي يحلو للبعض أن يصفها بالرؤية التركية، وهي ليست تركية، بل هي الرؤية العادلة، وهي الرؤية المنطقية المتوافقة مع القانون الدولي، وهي الرؤية التي تكسب بها مصر مساحة أكبر من الحدود، وتربح بها مئات المليارات من الدولارات نتيجة زيادة حصتها من حقل الغاز الضخم الموجود هناك.

ولكن مصلحة الطبقة الحاكمة – والتي هي معكوس المصلحة الوطنية – تقتضي إرضاء إسرائيل (الداعم الحقيقي لبقاء النظام) بتوقيع ترسيم للحدود مع اليونان وقبرص اليونانية.

نتج عن ذلك فقدان مصر لمساحة تقدر بحجم سيناء تقريبا، وهي مساحة لم ينازعها في ملكيتها أحد، وهي ثابتة ضمن المياه المصرية دون كثير جهد.

ونتج عن ذلك استفزاز أطراف أخرى في النزاع، مثل تركيا !

وبالتالي.. حين سنحت فرصة لتركيا لتصحيح الأوضاع بعقد اتفاقية ترسيم حدود مع ليبيا، حيث إن تركيا هي المضار الثاني بعد مصر من ترسيم الحدود الظالم مع اليونان، لم تتردد.. أي أن تعارض المصالح بين الشعب المصري وحكامه هو ما أدى إلى التدخل التركي في ليبيا أصلا.

لا مصلحة للشعب المصري في التدخل في ليبيا (كتابع للإمارات)، لا مصلحة للشعب المصري في استعداء الشعب الليبي، وفي التورط عسكريا بضربات جوية يسقط فيها ضحايا مدنيون، لا مصلحة للشعب المصري في تغذية مطامح ومطامح حكام الإمارات في إسقاط أي شكل من أشكال الحكم الديمقراطي في أي مكان في الوطن العربي.. هذه ليست مصالح مصر وشعبها، بل هي مصالح الطبقة الحاكمة في الإمارات، وحكام مصر ساروا خلف هؤلاء لأسباب لا تخفى على أحد.

كان بإمكان النظام المصري أن يتدخل في ليبيا كمرجعية للخلاف، بأن تُحترم خيارات الشعب الليبي في الحكم الديمقراطي، لا بدعم جنرال سفاح منقلب، ولو حدث ذلك لكان لمصر الكلمة العليا في ليبيا، ولما وجدت تركيا وغيرها من القوى الدولية موطئ قدم فيها.

*        *        *

هذه نماذج من تعارض المصالح الصارخ بين مصلحة الأمة، وبين مصلحة عصابة تتحكم في السلطة، وتخطف الأرض بما ومن عليها، وتتعامل مع ثروات الأمة البشرية كعبء، ومع ثروات الأمة المادية كمالٍ "سايب" يُمنح لأي قوى إقليمية أو عالمية مقابل صورة تمنح شرعية دولية..

ستظل مشكلة مصر في حكامها، وسيظل الحل الوحيد هو أن يختار الناس حكامهم، بحيث تصبح مصلحة الحاكم هي نفسها مصلحة الشعب، خصوصا في الثوابت التي لا تقبل الخلاف، وفي أساسيات الحياة..

رابط المقال