سنعود

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 21 فبراير 2021 

حياتي مطاردة بين وطن يستكثر عليّ الإقامة فيه، ومنفى يتعوّذ مني وأتعوّذ منه !

حياتي صراع حكايتين، كلاهما لا يكتمل، فحكاية الوطن يقطعها المنفى، وحكاية المنفى ينغصها الحنين.

خطط مؤجلة إلى حين العودة، ومشاريع مؤقتة تخطف العمر، شقق كمقعد في طائرة، وإقامة كصالة ترانزيت في مطار، وطعام كساندويتش في عبّارة أو قطار.

يظن كثير من الناس أن الأصل في حياة الإنسان الإقامة والاستقرار، والواقع يقول "ليس شرطا" !

لقد عرف الإنسان الاستقرار على ضفاف الأنهار منذ فجر التاريخ، مثل مصر وبلاد ما بين النهرين، وعرف كذلك حياة الترحال خلف العشب والماء، وخلف الطرائد في السهول والغابات.

هناك "جينٌ" في جينات الشعب المصري اسمه (الاستقرار)، هذا الجين هو المسؤول عن إنتاج مواويل الغربة، وأشعار الشوق، ودموع الفراق، وزغردة الأمهات فرحا بالآيبين والآيبات من السفر، إنه الجين الذي يفرز إنزيمات الاكتئاب بعيدا عن مصر، وهو المسؤول عن إنزيمات الثورة والخنوع.. ولا تتعجب.. فالمصريون منذ بدء الخليقة ينتجون الشيء وعكسه، فيقيمون الدول، ويهدمونها، ويعبدون الله والشيطان، ويقدسون الحرية والعبودية.. يتذوقون الجميل ويستمرؤون القبيح في آن واحد.

هذا الجين أيضا هو المسؤول عن حب المصريين لاقتناء وبناء العقارات والاستثمار فيها منذ قديم الأزل.

ما زلت أتخيل السيد "خوفو" والسيد "خفرع" والسيد "منقرع" حين قرر كل منهم أن يبني هرما، يقول المؤرخون إنهم قد بنوها قبورا تخلدهم، وتضمن وصولهم للعالم الآخر في رحلة ما بعد الموت.. وخيالي الساخر يصوّرهم قد بنوها كاستثمار "عقاري" لمن بعدهم، والحقيقة إنه استثمار ناجح، ما زال يدر على أحفاد أحفاد أحفادهم المال الوفير إلى اليوم !

لو يعلم الفراعنة ما تفعله دولة العسكر بآثارهم لانتفضت المومياوات حزنا وخجلا !

حتى إذا افترضنا أن هذه الأهرام قبور، وأنها خالية من شبهة "الاستثمار العقاري"، فالمسؤول عن ذلك أيضا هو جين الاستقرار، فالمصري بفضل هذا الجين تراه يحمل همّ المنزل كما يحمل همّ المقبرة.

تراه كذلك في علاقته بالآخرة يبني المعبد، والضريح.

والأهرامات – إذا كانت قبورا – فهي أضرحة بشكل من الأشكال !

لو أجريت أبحاث علمية سيثبت أن هناك جينا عند الشعوب النهرية مسؤول عن حب الإقامة والاستقرار في مكان واحد، بعكس الشعوب البدوية المتنقلة، لن تجد فيها جينا مسؤولا عن الترحال.. الاستقرار فطرة أصيلة.. والترحال ليس كذلك (أو هكذا أزعم).
بمعنى آخر.. ما أصعب أن تحوّل شعبا مستقرا إلى شعب رحّال لأن ذلك ضد جين الاستقرار، بينما توطين الشعوب المتنقلة أسهل بكثير لأنه لا يوجد جينٌ للترحال (أو هكذا يزعم شيطان الشعر).

قد يفهم البعض كلامي لونا من التعالي والتمييز بين الشعوب النهرية والشعوب البدوية، والحقيقة أن ما أقوله لا أقصد به أي إساءة، فالبدوي رجل يحمل من صفات المروءة والشهامة ما تنوء بحمله الجبال، والبدواة عند الشعراء مفخرة لا مذمة، ولكن قراءتي للتاريخ رسخت في ذهني هذه الفكرة، ولست أدري أمصيب أم مخطئ أنا؟!

*        *        *

الصراع العربي الصهيوني أساسه محاولة استئصال شعب مستقر – يملك هذا الجين الذي أتحدث عنه – من وطنه، لصالح عصابات صهيونية مسلحة عاشت دون هذا الجين، لأن الاستقرار يحتاج إلى شعور بالوطن، وشعور اليهود بالشتات حرمهم من هذا الشعور، الحياة داخل "جيتو" تؤدي إلى ضمور جينات الاستقرار.

"الجيتو" لا يبالي بما حوله، لا يحمل تواصلا عضويا بما حوله، بل يحمل لما حوله مشاعر متضاربة، من يسكن "الجيتو" يرغب بالخير أو الشر لمن حوله بحسب انعكاس ذلك على "الجيتو"، لو كان من مصلحته أن يصاب من حوله بالشر سيتمناه، وإن كان من مصلحته أن يصيبهم بعض خير فلا مانع، وسترى ساكن "الجيتو" إلى الشر يميل أكثر، فقوة من حوله تثير خوفه وقلقه أكثر مما تشعره بالأمان.

أنا من سلالة تحمل (جين الاستقرار) في تركيبتها وأصل تكوينها البيولوجي، خلقني الله فلاحا رغم أني لم أعمل بالفلاحة أبدا، أبي فلاح، رغم أنه لم يعمل بالفلاحة أيضا.

أنا فلاح.. أحب الأرض، أحب الاستقرار على الأرض، على أرض بعينها، وأن يكون لي فيها زرع، وبيت، وقبر، وأن أرى أشجار هذه الأرض تكبر، وأن أرى نخلاتها باسقات، وأن أذوق تمرها عاما بعد عام، وأن أقارن بين تمرها هذا العام والأعوام الماضيات، وأن أتذكر الأحداث بالأشجار، وأن أربط تاريخي بتاريخ زراعة حقلي، وتاريخ أشجاره.

*        *        *

ملايين العرب والمصريين يحملون (جين الاستقرار) في دمائهم، وهم محرومون من بلادهم منذ عشرات السنين، مذ جاء أصحاب الخوذات إلى هذا البلد الطيب، فجعلوا أعزة أهلها أذلة، وجعلوا من السفلة قادة، وجعلوا من أنفسهم وهم أحط خلق الله أصناما يسجد لها الناس من دون الخالق !

تذكرت كل ذلك وأنا أشاهد السيدة (رغد صدام حسين)، ابنة الطاغية الذي قتل وتسبب في قتل ملايين البشر من العراقيين وغير العراقيين، وهي تتحدث قائلة عن نفسها (نحن أسياد البلد)، وتتحدث مبررة مجازر أبيها، عارضة نفسها كزعيم سياسي، وهي ابنة سفاح تسبب في تهجير شعب كامل، وفي تسليم العراق العظيم جثة أو امرأة مغتصبة، ما بين انتهاك الأمريكان، والإيرانيين، والروس، والكرد.. جثة مقسمة بين السنة والشيعة والعرب والكرد !

أسوأ ما في هذا الحدث أن بعض المحسوبين على الثورات العربية يمدحون هذا اللقاء، ويشيدون بـ"لباقة" المتحدثة، ويتغافل هؤلاء أن إشادتهم اليوم ليست سوى مديحا مؤجلا لأبناء الطغاة الذين يحكمون بلادهم ليتولوا مقاليد الحكم غدا..

لقد أصبحت أوطاننا بفضل عبدالناصر، وصدام، والأسد، والقذافي، وبن علي.. وغيرهم من السفاحين الطغاة.. أصبحت أوطانا طاردة للمخلصين، قاتلة للشرفاء.

عمليات التجميل المتقنة التي أجرتها السيدة رغد أظهرت وجهها جميلا مشرقا، أنفها بفضل العمليات شامخ، مستقيم، لا عوج فيه.. ولكن أنف الحقيقة، وأنف الشعب العراقي، وأنف الأمة العربية كلها ما زال في التراب بفضل أبيها وأمثاله من السفاحين الذين منعوا شمس الحرية من الشروق.

كل هذا وما زلنا نجد بعض المحسوبين على تيارات تطالب بالحرية يترحمون على تلك الأيام، تلك الأيام التي لولاها لما وصلنا إلى أيامنا السوداء.

سنعود يا أوطاننا الحبيبة.. سنعود برغم أنف رغد، ورغم أنف كل من يظن أنه يستطيع أن يعيد إنتاج حقبة من الاستبداد مضت إلى غير رجعة.. سنعود.. وسنمنح شعبنا حقوقه، وأولها الحرية !

رابط المقال