ما لم تَكُنْهُ الثورة

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 24 يناير 2021

في الذكرى العاشرة لثورة يناير المجيدة، وفي فصل من أصعب فصول مسيرتها، ينبغي على هؤلاء الذين رأوا كيف بدأت، وكيف انتصرت، وكيف انكسرت، أن يقولوا كلمة الحق، وأن يرووا الرواية الحقيقية لما حدث، لأن هناك كثيرا من الروايات المكذوبة لتاريخ تلك المرحلة، كما أن هناك كثيرا من الخلط يقوم به أشخاص لم يكونوا جزء من الأحداث، والأسوأ أن هناك من يروي الأحداث مسقطا هزيمته النفسية على الواقع، فيكتب التاريخ بأثر رجعي، فتراه ينكر الألوان والتفاصيل التي كانت واضحة جليّة في الصورة، والحقيقة أنه هو من أصيب بالعمى، ولكنه لا يريد أن يعترف.. فيزوّر تاريخ الأمة..

كل ذلك يتم مع سطوة للثورة المضادة، وأذرع مخابراتية نجحت في محو جزء كبير من تاريخ الثورة في المواقع الإخبارية وغيرها، كما أنها قد قتلت وسجنت وشرّدت عددا كبيرا من الذين شهدوا على أحداث تلك المرحلة، وهو ما أدى إلى رواج رواية الثورة المضادة لقصة الثورة، وللأسف الشديد.. نرى كثيرا من أبناء الثورة يرتكبون هذه الخطيئة ويرددون تلك الرواية.. إما بسبب الهزيمة النفسية، أو بسبب تغيير الولاءات !

كاتب هذه السطور يزعم أنه كان شريكا في كل تلك الأحداث التي مرّت بها مصر، شارك في صنعها قبل سنوات من بدايتها، وانغمس في تفاصيلها بشكل كامل، وما زال حتى اليوم مستمرا في الإدلاء برأيه، وفي التفاعل مع الأحداث، وفي المشاركة في محاولة استعادة تلك الثورة المجيدة، واستئناف طريقٍ للتغيير السياسي السلمي..

لقد كانت ثورة يناير أعظم حدث في تاريخ مصر الحديث، وبإمكان الكثيرين أن يتحدثوا عنها لتذكير الجماهير بما كانت عليه، ولكني أفضل أن أحارب الهزيمة النفسية التي أصيب بها كثير من الثوّار، حتى أصبحوا يرددون – بلا وعي – رواية الثورة المضادة للتاريخ..

في هذه السطور لا أوضح ما كانته ثورة يناير، بل أحاول أن أذكر بما لم تكنهُ !

*        *        *

لم تكُنْ مؤامرةً

يحلو للبعض اليوم أن يدّعي الحكمة بأثر رجعي (كما قلت في بداية المقال)، فترى الواحد منهم قد وصف ما حدث بأنه (ثورة عظيمة مكتملة الأركان)، وظل يردد ذلك سنوات وسنوات، بل ترى هؤلاء استمروا في الإشادة بعظمة تلك الثورة لسنوات عدة بعد انقلاب الثالث من يوليو 2013م، ولكن بعد أن وصلوا لحالة الهزيمة النفسية الناتجة عن اليأس.. تراهم الآن يرددون كلاما خلاصته أن ثورة يناير كانت "مؤامرة" !

مؤامرة ممن؟ ضد من؟

يرتبكون هنا، فمن قائل إنها مؤامرة من الجيش ضد مبارك لكي تنتهي قصة التوريث !

ومن قائل إنها مؤامرة من إسرائيل ضد الأمة العربية كلها، ليتحقق لها انتصارات أخرى أكبر، ولكي تصل إلى صفقة القرن !

وهكذا.. تستمر المؤامرة في التضخم، وتستمر سيناريوهات الهزيمة في التصاعد.. ولكن حين تسأل عن دليل على هذه التصوّرات.. تجد كلاما مرسلا، لا يسمن ولا يغني من جوع.

والحقيقة أن الثورة مثل السيل، لا يمكن لإنسان أن يقرر متى يبدأ، ولا أن يقرر متى يقف.

نحن الذين أشعلنا هذه الثورة.. لم نكن نملك أن تبدأ في الوقت الذي نختار، وحين اشتعلت لم نكن نملك إيقافها (لو افترضنا أننا أردنا).

*        *        *

لم تكُنْ انقلابًا

هل كان ما حدث في الحادي عشر من فبراير 2011 انقلابا عسكريا؟

لا يمكن اعتبار ما حدث انقلابا عسكريا، بل كانت استجابة لسيل الجماهير التي طالبت بتنحي مبارك.

هل يمكن أن نعتبر ما حدث نصف انقلاب نصف ثورة (على رأي هيكل)؟

بإمكاننا – على مضض – أن نقبل ذلك.. ولكن لا شك أن ما حدث في ذلك اليوم لا يمكن اعتباره انقلابا، لأن الانقلابات العسكرية لا تحدث بالصدفة، بل تحتاج إلى تخطيط، وهو ما كان غائبا تماما عن المشهد في ذلك الحين.

لقد كانت الكلمة العليا في تلك اللحظة للجماهير، لا العسكر، وكان بإمكان الثوار – لو أرادوا – أن يفعلوا أي شيء في أعضاء المجلس العسكري، ولم يتمكن هذا المجلس من قيادة المرحلة الانتقالية إلا بموافقة الجماعة الوطنية في تلك اللحظة.

يستدل هؤلاء على أنها كانت انقلابا بمآلات الأمور، أي بالوضع الحالي، فقد تمكّن الجيش من استعادة السيطرة، واستولى على غالبية الاقتصاد المصري.. يقولون لك (انظر من استفاد من الثورة.. وستعرف يقينا أنها كانت انقلابا عسكريا مخططا له)..

ستجد غالبية هؤلاء من الذين تسببوا في انقلاب الثالث من يوليو، ولكي يتخلصوا من المسؤولية التاريخية عما حدث.. يقولون هذا الكلام.

بهذه الطريقة يمكن أن نعيد صياغة تاريخ البشرية كله، وبدل اعترافنا بأننا أخطأنا في إدارة المرحلة الانتقالية.. نحمّل أخطاءنا لمؤامرة مزعومة، ونكتب التاريخ بهذه الطريقة التي نبرئ بها أنفسنا، وأحزابنا، وجماعاتنا.

المشكلة في هذا الأمر أننا سنخدع الأجيال القادمة، ولن يتعظ اللاحقون بالسابقين، وبالتالي سيقع من بعدنا في الأخطاء التي وقعنا فيها.

لقد حرصت النخبة المصرية التي عاصرت انقلاب يوليو 1952م على أن تدوّن التاريخ لا كما حدث، بل بما يبرئ ساحتها، وبالتالي لم يتعظ أحد بما جرى في عام 1954، ووقعنا في الفخ نفسه في عام 2011، ثم في عام 2013 !

*        *        *

لم تكن غلطة

يحلو لبعض المحسوبين على الثورة اليوم من تيارات معينة أن يصوّر عهد الرئيس المخلوع مبارك وكأنه كان عهدا (مقبولا)، ولم يكن هناك ما يهدد مصر والمصريين، ويستدلون بتدهور الحال في عهد انقلاب 2013، على أن عهد مبارك كان يمكن التعامل معه.

هؤلاء.. تستطيع أن تلمح (اعتذارا) في كلامهم، بل إنهم – في بعض المجالس الخاصة – يعتذرون ويندمون بالفعل.. نعم عزيزي القارئ.. يؤسفني أن أخبرك أن بعض الشخصيات التي تراها في التلفاز تحفزك على الثورة.. يخفون في صدورهم كفرا بها، ولو عاد بهم الزمن لجلسوا مع القاعدين المثبطين، بل ربما اقتحموا علينا الميدان مع الجمال والحمير، وأنهم بدلا من مواجهة أنفسهم بالخطايا التي ارتكبوها وأدت إلى الهزيمة، يتمنون لو عاد الزمان بهم ليظلوا عبيدا في مزرعة جمال مبارك وشركاه.

الحقيقة المرة هي أن ثورة يناير كان ينبغي أن تشتعل قبل أوانها بعشرين عاما، ولو أنها كانت في التسعينات لكانت فرصة نجاحها أكبر بكثير، لو أنها بدأت بُعيْدَ سقوط الاتحاد السوفيتي لكانت مصر الآن دولة من أهم الدول في العالم.

إن الغالبية العظمى من المصائب التي تهدد مصر اليوم ليست إلا نتاج انقلاب يوليو 1952، وخصوصا فترة حكم الرئيس المخلوع مبارك.

تغيير عقيدة الجيش، والتهديد الحيوي لمنابع النيل، وبيع القطاع العام، والخضوع لإسرائيل بشكل كامل.. كل ذلك ترسخ في عهد مبارك..

كما أن المظالم في عهده كانت فوق طاقة البشر، لقد مات الناس في عهده بالملايين، بالفقر، والمرض، والجوع، والسرطانات المجلوبة من معامل الأعداء إلى صحن خضروات الشعب، وكل من يحاول إقناعنا اليوم أن الحياة في ذلك العهد كان هانئة أو ممكنة ليس أكثر من كاذب أو مهزوم من صميم قلبه..

*        *        *

لم تكن بلا قيادة

يظن كثيرون أن ثورة يناير كانت بلا قيادة مطلقا !

وهذا في ظني ليس توصيفا دقيقا لما حدث، فقد كانت هناك رموز كبيرة في مصر، تمكنت هذه الرموز من صياغة مطالب واضحة، وتطوّرت هذه المطالب بالتدريج حتى انتقلت من كونها مطالب (نخبوية)، إلى مطالب (جماهيرية، شعبية).

أول من طالب بتعديل الدستور كان الدكتور محمد حلمي مراد رحمه الله، وهذا الرجل لا علاقة له بيناير، ولا بجيل يناير، لقد كان وزيرا في عهد عبدالناصر، وتوفي رحمه الله عام 1998م، وحين طرح فكرة التعديلات الدستورية في الثمانينيات من القرن الماضي، ولم يكن أحد يتخيّل أن يكون ذلك مطلبا حقيقيا للمعارضة المصرية..

ولكن ما حدث أن هذا المطلب تطوّر، وخرج من غرف النخب السياسية إلى الشارع، وفهمته الجماهير، واستوعبته، وقاتلت دونه حتى تحقق.

من الطبيعي أن يُطرح سؤال (أين كانت قيادات الثورة حين خطفت إذن؟)

الإجابة مؤلمة.. لقد كانت غالبية قيادات الثورة تساعد اللص الذي خطف الثورة، على أمل اقتسام الغنيمة معه بعد أن تؤدي الدبابة عملها، ولكن ما حدث هو أن جنازير الدبابة داست على جثث الجميع، بدأت بالأقوى.. وتدرجت حتى وصلت إلى الأضعف.

كانت المسؤولية الوطنية تقتضي أن يتجمع هؤلاء الذين حركوا الجماهير، وهم مؤهلون للقيادة، ومؤهلون للحكم إذا اجتمعوا.. ولكن ما حدث أنهم تفرقوا لأسباب تافهة، فتلاعب بهم العسكر، مستخدمين نفوذ وأموال ومؤسسات قوى إقليمية نعلمها جميعا.

*        *        *

عزيزي الثائر.. عزيزي قارئ التاريخ..

لا بد أن تعلم أن الغالبية العظمى من هؤلاء الذين شاركوا في ثورة يناير  يعتبرونها أعظم أيام التاريخ المصري، وأنها أعظم ما قاموا به على المستوى الشخصي، إنها قصة حياتهم التي يروونها لأولادهم، وسيروونها لأحفادهم..

الغالبية العظمى من الثوّار لو عاد بهم الزمن ألف مرة ستراهم في ميادين التحرير يقولون كلمة الحق، ويخلعون الطاغية العميل الذي سلّم البلاد والعباد إلى أعدائها..

الغالبية العظمى من الثوّار فخورون بانتمائهم لتلك الثورة..

الغالبية العظمى من الثوّار.. لن يعتذروا عن أجلّ وأعظم ما شاركوا فيه.. بل هم في انتظار راية جديدة تلمّ الشمل، وتوقد العزيمة، وهم على يقين أن ذلك اليوم قريب وإن طال الزمان..

كل عام وأنتم بخير..

شاعر ثورة يناير (ولا فخر): عبدالرحمن يوسف

رابط المقال