الكتابة تحت سطوة "الأدرينالين"

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 10-1-2021

"الأدرينالين" هرمون يُفرزه الجسم في أوقات الأزمات، إنه "هرمون القتال أو الهروب"، ويفرزه الجسم رداً على موقف مرهق أو مثير أو خطير أو ينطوي على تهديد، فترى القلب ينبض بشكل أسرع، ليزيد من تدفق الدم إلى الدماغ والعضلات، وحينها يشعر الإنسان بسرعة دقات قلبه، بالتعرق، بتنبه الحواس، يتنفس بسرعة، مع انخفاض في الشعور بالألم، واتساع حدقة العين والشعور بالتوتر.

الغدة الكظرية الموجودة في الجزء العلوي من كل كلية هي من تنتج هذا الهرمون، وجزء منه تنتجه بعض الخلايا العصبية في الجسم.

يستمر الشعور بتأثير "الأدرينالين" لمدة قد تصل إلى ساعة كاملة بعد الحدث الذي تسبب بزيادة إفرازه.

التعرّض لإفراز هذا الهرمون بشكل مفرط له تأثيرات سلبية على المدى الطويل، إذ يؤدي إلى جعل الجهاز العصبي في يقظة دائمة، وبالتالي تلف الأوعية الدموية، وزيادة ضغط الدم، وزيادة خطر الإصابة بالنوبات القلبية أو السكتة الدماغية إلى جانب القلق وزيادة الوزن والصداع والأرق.

مؤخرا تأكد أن هذا الهرمون يمكن إدمانه، وهو ما يظهر عند هؤلاء الذين يدمنون الألعاب الخطرة، ورياضات السرعة، وغيرها من التصرفات التي تؤدي إلى إفراز هذا الهرمون الذي يصل بالمرء إلى حالة من النشوة..

خلال الأيام الماضيات شعرت أن كثيرا من الكتّاب والمعلقين السياسيين والشخصيات العامة كانوا يتحدثون تحت تأثير "الإدرينالين"، يكتبون مقالاتهم وتعليقاتهم وهم يمرّون بنشوة "أدرينالين سياسي" ناتج عن سخونة الأحداث، وهو انعكاس لحالة نفسية تمرّ بلحظة مثيرة، وخلال هذه اللحظة ينسى الكاتب – وبعضهم كتاب كبار – أن التحليل السياسي لا ينبغي أن يكون تحت تأثير مخدر.. أيا كان نوعه.. حتى لو كان مخدّرا ينتجه الجسم بشكل طبيعي.

*        *        *

لاحظ الكثيرون كيف بالغ بعض الكتّاب والمعلقين في تصوير عواقب حدث "اقتحام مبنى الكونغرس الأمريكي" في السادس من يناير الماضي (2021م)، وكيف تحدث البعض عن (انهيار الديمقراطية الأمريكية)، بل إن البعض وصلت به نشوة "الأدرينالين السياسي" إلى الحديث عن (انهيار الولايات المتحدة الأمريكية) نفسها !

شاهدت بعض السادة المحترمين وهم يقارنون صورا للسطو على بعض محتويات مبنى "الكابيتول" بصور أخرى نذكرها لسطو عوامّ الناس على محتويات القصور الرئاسية في العراق عند سقوط نظام صدام حسين.. صورتان متقابلتان مع آية كريمة (وتلك الأيام نداولها بين الناس).. هكذا بمنتهى البساطة.

شاهدنا أيضا أناسا يشبهون اقتحام "الكابيتول" ببعض مشاهد ثورة يناير، مستخدمين في ذلك بعض عبارات وهتافات الثورة، ومرددين "الإيفيهات" المكررة على مدار السنوات الماضية، وكأن ذلك هو كل ما يربطهم بالثورة.. السخرية !

ولكي نضع الأمور في نصابها، دون أي مبالغات أو إثارة أو "استظراف"، نقول إن منصب رئيس الدولة في الديمقراطية الأمريكية منصب شديد الأهمية، وتأثيره على الدولة وقراراتها كبير، وهذه هي طبيعة النظام الرئاسي في أي دولة، ولكن الديمقراطية الحقيقية – وهو ما ينطبق على الولايات المتحدة الأمريكية يقينا – لا تتأثر بوجود فرد في منصب الرئاسة، لأن المؤسسات أقوى من أي فرد.

هذا الفرد (رئيس الدولة) ليس أكثر من شخص يستمد قوته من تلك المؤسسات، الرئاسة نفسها (مؤسسة)، لها قوانين تحكمها، ولها تقاليد تُقيّدها..

سيقول قائل: "ولكن راعي البقر "ترامب" خرج عن هذه القوانين كلها، وكسّر هذه التقاليد جميعا، وهمّش المؤسسات" !

والحقيقة أن ذلك لم يحدث بهذا الشكل، لقد عاشت الولايات المتحدة الأمريكية أربع سنوات ثبت فيها أن المؤسسات أقوى من الرئيس، وهو – بفضل وجود هذه المؤسسات – لم يتمكن من ارتكاب كثير من الموبقات التي كان ينوي ارتكابها، صحيح أنه قد تسبب في اضطرابات بسبب صلاحيات منصبه، ولكن في النهاية استمرت الدولة في نهجها الاستراتيجي، واستمرت المؤسسات تؤدي دورها، واستمر "ترامب" يناكفها بشتى الطرق.

في النهاية انتصرت المؤسسات، وفرضت الديمقراطية تصحيحاتها بشكل سلمي، واستكمل النوّاب جلستهم في اليوم نفسه، وأنهوا جدول أعمالهم، وبغض النظر عن مصير "ترامب" خلال الأيام القليلة القادمة بسبب تحريضه على هذا المشهد العنيف المهين، فإن المؤسسات لم تتهاون، والرئيس هُزِمَ من تلك المؤسسات.

إن دخول مجموعة من البلطجية لمبنى الكونغرس لن يسقط الديمقراطية الأمريكية، وهيهات أن يسقط الدولة نفسها، ولا يمكن مقارنة الوضع الحالي في أمريكا – بكل ما فيه من مشاهد لم نتعودها – بدولنا التي يستطيع فيها "شاويش" أن يضع الدولة بجيشها وشرطتها ومساجدها وكنائسها وجامعاتها ومصانعها وملاعبها في جيبه.. ثم يلقي بكل ذلك في البحر إذا شاء.. مجرد المقارنة تدل على قياس فاسد، وعلى تأثر لحظي بحدث كبير، ولكنه في حقيقة الأمر محدود التأثير في مسيرة دولة بحجم الولايات المتحدة.

*        *        *

الحدث السابق يمكن تفسيره من خلال جرعة "أدرينالين سياسي" زائدة، أما ما لا يمكن تفسيره "هرمونيا"، فهو ما كتبه أحد الإخوة المحللين تحت سطوة أو نشوة المصالحة الخليجية، موضحا أن مصالحة سعودية مصرية تركية قادمة لا محالة..

الكاتب يريد أن يصل إلى نتيجة محددة، هي أن المصالحة الخليجية ستكون بابا يؤدي إلى تصالح إقليمي، يبدو أن ذلك الأمر يسعده أو يسعد من يرغب هو في إسعادهم بمقالته، لذلك بالغ في تضخيم الآثار المترتبة على المصالحة الخليجية، لو اتسعت مساحة المقالة ربما قال إن المصالحة الخليجية ستعالج الاحتباس الحراري، وحرائق غابات الأمازون.. ولا بأس في أن يرغب الكاتب في الوصول لنتيجة، المشكلة أن "النتائج" تحتاج إلى "مقدمات".

لقد حلّ الكاتبُ جميع المشاكل السياسية بين هؤلاء الفرقاء بمنتهى البساطة، فالسعودية وتركيا ليس بينهما مشاكل، أو حسب تعبيره "لم يعد لتركيا ما تضيفه في قضية خاشقجي، والملف صار أميركياً، والأحكام التركية لم تمس ولي العهد السعودي. مشكلة السعودية اليوم هي مع الديموقراطيين في الولايات المتحدة، الذين لديهم ملفات خاشقجي وسعد الجبري والتنصت واختراق واتساب وتويتر وجرائم الحرب في اليمن، وفوقها ملف معتقلات ومعتقلي الرأي. وبعيداً عن الضغط الأميركي، معالجة تلك الملفات مصلحة وطنية سعودية".

والحقيقة أن تركيا ما زال لديها الكثير في ملف اغتيال الشهيد "خاشقجي"، ومحاولة السعودية للتقرّب من تركيا حاليا لها أسباب متشابكة، ولكن من ضمنها محاولة تحييد الأتراك في هذا الموضوع الحساس بالذات (موضوع خاشقجي أعني)، وقس على ذلك بقية النقاط التي أثارها، كلها مجرد افتراضات أو تمنيات لا دليل عليها..

أما المشكلة بين تركيا ومصر.. فهي محلولة أيضا (في نظره).. يقول " الصورة في مصر أوضح، فالشركات التركية هي المشغل الأساسي لصناعات النسيج والقطن في مصر، وحجم التبادل التجاري بين البلدين لم يتضرّر، وبينهما مصالح كبرى في البحر المتوسط. المشكلة هي استضافة تركيا للمعارضة المصرية، وهؤلاء صاروا أتراكاً، وتركيا مستعدّة للمبادرة في حوار بين المعارضة والسيسي الذي يواجه ضغطاً أميركياً وأوروبياً حقيقياً في ملف حقوق الإنسان" !

الكاتب المحترم يرى أن تصدير البنطلونات الجينز من تركيا لمصر، وحصول بضع عشرات أو بضع مئات – لا أحد يعرف الرقم تحديدا – من المعارضين المصريين على الجنسية التركية ينهي الخلاف بين مصر وتركيا، وكأن الخلاف (مصري تركي) وليس أساسه خلاف بين شعب وسلطة مستبدة !

الثورة المصرية المجيدة، ومسيرة التغيير السياسي التي استشهد فيها آلاف المصريين، وسجن فيها مئات الآلاف، وشرد من أجلها ملايين الأبرياء في مصر وخارج مصر، وهدمت فيها مؤسسات الدولة، وصودرت خلالها أموال لعشرات الآلاف من المؤسسات والأفراد، وقتل خلالها حلم جيل كامل.. كل هذه الكوارث حلّها موجود وسهل..

لقد حلّ الكاتب مشكلة النفوس التي أزهقت، والأعراض التي انتهكت، والبيوت التي هدّمت، والأسر التي شُرِّدَتْ بحلٍّ سحري.. وهو حصول بعض المعارضين المصريين على الجنسية التركية (هؤلاء صاروا أتراكا) !

العجيب أن الكاتب ينتمي لدولة نصف سكانها أو أكثر ينتمون لدولة عربية محتلة، ينتمون لفلسطين الحبيبة، ويحملون جنسية بلده الكريم، ولم نجد من يقول إن مشكلة فلسطين قد حُلّت بحصول هؤلاء على جنسية هذا البلد، أو بحصول الجيل الرابع والخامس من غالبية اللاجئين الفلسطينيين على جنسيات أخرى حول العالم..

تفسير كثير من التحليلات السياسية بالخضوع لسطوة "الأدرينالين" ممكن في كثير مما قرأناه خلال الأيام الماضية، ولكن يبدو أن تفسير هذا الاستخفاف بالقضية المصرية يتجاوز ذلك.. فالأمر يحتاج إلى نظرة أعمق، لنصل إلى حقيقة الدوافع التي تدفع بكاتب محترم إلى الإساءة لنفسه أولا، والاستخفاف بقراءه ثانيا بهذه الطريقة..

وقبل أن أختم كلامي لا بد أن أنبه أن الكاتب قد يكون محقا في توقع بعض المصالحات الشكلية، أو تطبيع العلاقات، أو توحيد بعض المواقف في المنطقة بسبب الإدارة الأمريكية الجديدة، ولكنه لم يبذل أي مجهود في توضيح ذلك للقارئ بشكل منطقي مقنع، لقد وصل لنتائج كبيرة جدا، دون أي مقدمات معقولة.

خلاصة القول.. لا ينبغي للكاتب أو المحلل السياسي أن يقع تحت تأثير نشوة الحدث أيا كان، ولا ينبغي لأي شخص يحترم نفسه أن يلهث خلف اللايك والشير، من أجل شهرة زائفة، أو مكاسب لحظية.. وأهم من كل ذلك.. لا يجوز لكاتب محترم أن يستخف بتضحيات الأمم، أو أن يتجاوز في حق ثورات عظيمة.. حتى لو مرّت مسيرتها بكبوة..

والله يهدينا جميعا إلى سبل الرشاد..

رابط المقال