انتصارات في زمن الهزيمة

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 3/1/2021

حين يُهزم الإنسان من داخله يمكن أن يفعل أي شيء، وتلك الهزيمة الداخلية قد تدفعه إلى حمل سلاحه والانضمام إلى معسكر الأعداء وقتال أهله وذويه بشراسة أشد مما كان يفعل حين يقاتل مع المعسكر الذي إليه ينتمي، وبه يؤمن..

لديه الآن دوافع أكبر، فهو بسبب هزيمته الداخلية يريد أن يحقق أي نصر، ويظن أنه حين ينتصر على قومه أنه قد انتصر، الهزيمة تصوّر له الحق باطلا، والظلام نورا.

لإثبات ولاءه للمعسكر الجديد يقاتل بشراسة أكبر، كي لا يقال عليه إنه دخيل أو مدسوس.. يفجر في الخصومة.. وكأنه يُكفّر عن جرم الانتماء لمعسكر الحق !

ترى المهزوم من هؤلاء يتبرأ من ماضيه بكل شكل، ويهاجم رفاقه بكل طريقة، ويتفنن في الكذب والتدليس، يحاول أن يفسر كل أحداث الماضي الذي شارك فيه بطريقة تظهره حملا وديعا بريئا (في عيون من يطلب ودهم)..

فالناشط السياسي يتظاهر بأنه كان مخدوعا، والكاتب يتبرأ مما كتبه، والشاعر يفسر أشعاره بعكس منطوقها ومقصودها، ولربما مدح من هجاهم، أو هجا من مدحهم، والمطرب يغني موشحات في مديح الاستبداد بعد أن عاش يتغزل في الحرية.. أما المفكر.. فيبدأ بالتنظير لمزايا الدكتاتورية، ويبدأ بشرح ضرورات الأمر الواقع، وتسفيه كل الأفكار التي تدعو إلى التغيير (بما في ذلك النسخة القديمة من أفكاره).

*        *        *

طريق التغيير طويل، وشاق.. ما أطوله من طريق !

ومن صفاته اللازمة أن ترى الرفاق يتساقطون، وأن يطعنك في الظهر أقربُ المقربين.. والصبر على تلك الابتلاءات هو الفارق الحي بين المناضلين المخلصين، وبين الذين وجدوا أنفسهم على تلك الطريق بالصدفة، أو للمصلحة، أو لأي غرض كان.

طريق التغيير اليوم ممتلئ بالقتلى الذين سقطوا شهداء في سبيل الله، ومن أجل الأوطان الغالية، ممتلئ بالمختفين قسريا الذين لا نعرف لهم زنزانة ولا نجد لهم قبرا، ممتلئ بالمعتقلين الذين مرت عليهم آلاف الأيام دون فرج..

ممتلئ كذلك بالانتهازيين، وباليائسين..

وفي زمننا هذا نرى ظاهرة المهزومين من الداخل.. وهي ظاهرة طبيعية.. حدثت، وتحدث، وستظل تحدث..

انتصارك اليوم أيها الثائر الحر.. يا من صمدت أمام الرصاص.. أن تصمد محتفظا بقناعاتك..

وما أصعبها من مهمة.. لذلك.. أذكر نفسي وأذكر الجميع في نهاية هذا العام الصعب، ومع اقتراب ذكرى ثورات الربيع العربي العاشرة.. أذكرنا بما نريد، وما ثرنا من أجله.. لقد ثرنا من أجل دولة يناير.. دولة العدل والحرية وحقوق الناس..

*        *        *

لقد ثرنا لكي يصبح للناس الحق في اختيار حكامهم، ومراقبتهم، ومحاسبتهم، ومعاقبتهم، لكي يتحقق العدل الذي هو هدف الشرائع السماوية والأرضية جميعا..

ودولة يناير دولة واضحة الأهداف.. تذكروها.. لأننا سنخوض تحدي تأسيسها على الأرض قريبا بإذن الله..

دولة يناير..

دولة مدنية:

حكامها مدنيون، والجيش فيها منصرف لوظيفته الأساسية (التسليح وحماية الأمن القومي) لا يشتغل بالسياسة أو الاقتصاد ولا ينحاز لأي فئة أو تيار.

دولة ديموقراطية:

تُحترم فيها الإرادة الشعبية، ومبدأ التداول السلمي للسلطة، والآليات الديموقراطية المتعارف عليها في العالم الحرّ، وتُجرم فيها الانقلابات العسكرية، أو التغيير بالعنف أو التلويح بالقوة.

دولة العدلة الإجتماعية:

همّها معاش الناس وأحوالهم، وبالأخص الطبقات الفقيرة والمهمشة.

تعمل على تذويب الفجوة بين الفقراء والأغنياء، وتعتمد على مبدأ الكفاءة والجدارة والاستحقاق، وليس المحسوبية والوساطة التي تفتح أبواب الفساد واسعة في تولي الوظائف العامة.

دولة الحريات التأسيسية:

إنها دولة تحترم حرية الاعتقاد، وحرية الرأي والتعبير، وحرية التنقل، وحرية تكوين الأحزاب والجمعيات، وحرية العمل السياسي، وغيرها من الحريات التأسيسية والأساسية للإنسان.

دولة الكرامة الانسانية:

تحترم كرامة الإنسان، وتحفظ آدميته، وتحفظ حقوقه التأسيسية، كالحق في الحياة، والحق في السكن، والحق في العمل، والتعليم، والصحة، وغيرها بما يحفظ ضروراته وكيانه.

دولة الاستقلال الوطني:

ضد التبعية للخارج بأي شكل من الأشكال السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية.

دولة تحدد خياراتها وتتخذ قرارتها من الداخل، تتعامل بندية فى ميدان السياسة الخارجية وتتخذ من المصلحة العليا للوطن معيارا حاكما لكل تصرفاتها الخارجية والداخلية.

دولة لا تطبع علاقاتها مع إسرائيل، وتعرف أعداءها وحلفاءها، وتعرف محورية القضية الفلسطينية..

كما أنها دولة تسعى إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي فى معظم المجالات وعلى رأسها الدواء والغذاء والسلاح لضمان استقلال الإرادة والقرار.

دولة القانون:

دولة يُطبق فيها الدستور والقانون على الجميع بلا استثناء، وتتحق فيها العدالة الناجزة، يقتص فيها من كل القتلة والمجرمين والمفسدين، مهما كانت مراتبهم أو أماكنهم القيادية.

دولة المؤسسات:

تنهي حكم الفرد، وتستبدله بحكم المؤسسات المتكاملة التي تعمل بشكل تلقائي، تتكامل فيه تلك المؤسسات، وتتوازن السلطات، دون الحاجة إلى زعيم ملهم أو قائد مزعوم أو حاكم فرد.

دولة العدل والمساواة والمواطنة:

يتساوى فيها المواطنون جميعا فى الحقوق والواجبات دون تمييز على أساس الدين أو العرق أو الطبقة أو اللون أو النوع.

دولة ذات هوية:

تحترم الهوية العربية الإسلامية للمجتمع المصري، وتنطلق منها في تطبيقات السياسة الخارجية، فتولي اهتماما أكبر بالدوائر العربية والإسلامية نحو استعادة الدور التاريخي لمصر مجددا، وهي في احترامها لتلك الهوية تدرك جيدا أن الإسلام حضارة وثقافة أثرت وساهمت في تشكيل الوعي الجمعي للشعب كله..

دولة التعددية:

تحترم التنوع الديني والثقافي والفكري والمذهبي في المجتمع المصري، وتعمل على ترسيخ ثقافة التعايش بين المختلفين على قاعدة العدل والمساواة.

دولة الشفافية والمساءلة والمحاسبة:

تُنهي عصر الفساد والاستبداد وتركيز المعرفة فى يد السلطة، وتُمكِّنُ المواطنين من الإلمام بكل ما يجري في وطنهم من خلال اعتماد مبدأ الشفافية وإتاحة المعلومات للجميع من أجل تمكين المواطنين من المشاركة الإيجابية في قضايا وهموم الوطن والمواطن، وتحقيق الرقابة الواجبة ضمن تفعيل أدوات المحاسبة والمساءلة.

دولة المشاركة في المجتمع والسياسة والتنمية:

لا تُقصي طرفا، ولا تستبعد أحدا، ولا تهمش طاقة أو فاعلية.. توزع بعدل عوائد التنمية، تبني مجتمعا مدنيا قويا قادرا على التأثير في مواجهة التحديات المجتمعية.

دولة تستند إلى الحفاظ على الجماعة الوطنية:

تحافظ على لحمتها وتماسكها، وتؤكد على كل ما يؤمّن عليها سلامها المجتمعي، ويجنبها أي فكر أو ممارسة يمكن أن تودي بها إلى مساحات الكراهية داخل الوطن، أو تدفعه إلى ساحات الاقتتال الأهلى.

دولة تمكين الشباب:

بهم تتحقق آمال هذا الوطن، وهم في الوقت ذاته شرارة الثورة والتغيير، وهم كذلك طاقة العمل الفاعلة، آن الأوان أن يتصدر الشباب المشهد الثوري، ومشهد بناء الدولة والمجتمع، والمؤسسات الفاعلة فيهما، لأن الشباب أكثر من نصف الحاضر وكل المستقبل.

*        *        *

هذه أهدافنا.. وسنحققها بإذن الله.. وتَذَكُّرُ هذه الأهداف واستحضارُها في قلوبنا هو واجب اللحظة.. حتى يأذن الله لنا ببناءها صروحا على أرض الواقع.

يا أيها الثوّار.. مهما رأيتم أمامكم من المهزومين.. لا تنهزموا.. وتأكدوا أن نصر الله قريب

رابط المقال