تعظيم سلام

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 27-12-2020 

لو كان لثورة يناير قائد عسكري يمثل الناس كوزير للدفاع فلا شك أنه اللواء أركان حرب د. عبدالحميد عمران.. صحيح أنه ليس العسكري الوحيد الذي يمثل الثورة، ولكنه العسكري الأقدم، والأكثر خبرة وتاريخا.

يأبى عام 2020م أن يرحل دون أن يترك كدمة أخيرة موجعة في قلوبنا المكلومة بفراق أوطانها، وبطعنات أعداءها، وبالفجيعة في أحبابها، وها هو الفارس العسكري الشريف اللواء الدكتور عبدالحميد عمران يترجّل بعد عقود من العمل الوطني، عسكريا في القوات المسلحة المصرية، وثائرا من ثوّار يناير.

تشرّفتُ بمعرفة هذا الرجل بشكل مفاجئ، إذ هاتفني في ديسمبر 2009م، وكان ذلك بعد فترة وجيزة من اختياري منسقا عاما للحملة الشعبية لدعم البرادعي.

جاء بنفسه إلى مكتبي في وسط البلد، صعد خمسة طوابق بلا مصعد في تلك البناية الأثرية العتيقة وهو في السبعين من عمره تقريبا، دخل مبتسما، له هيبة أمير من أسرة حاكمة أوروبية عريقة، أناقة وتألق، مع بساطة وبشاشة.. ما زلت أذكر كيف حاولت كبت دهشتي (وشكوكي) بعد أن عرفني بنفسه، وبعد أن عرض تاريخه الحافل أمامي (وأنا في سن أبنائه) وهو يقول لي (أريد أن أتطوّع معكم في الحملة) !!!

والحقيقة أنه كان متطوعا من نوع خاص.. كان مستشارا لا يعرف عنه أحد شيئا !

*        *        *

إيمانه بالديمقراطية، ومعارضته الشديدة لفساد حكم مبارك، ورغبته في التغيير السلمي لمصر، كلها كانت أمورا واضحة في كلامه، وكانت قواسم مشتركة كافية لبدء رحلة من التعاون المثمر البناء، تحوّلت إلى صداقة من نوع فريد، تشرفت بتلك الصداقة لأكثر من عشر سنوات، تعلمت منه الكثير، من سلوكه ومواقفه..

في فترة ما قبل الثورة كان نعم الناصح، وكان أفضل مستشار في كثير من الشؤون المتعلقة بالقوات المسلحة، وكيف نتعامل معها كمعارضين لحكم مبارك، وكيف يمكن أن تتعامل تلك المؤسسة مع قضايا كثيرة على رأسها قضية التوريث.. كانت توقعاته في تلك الفترة أن القوات المسلحة (قد) تستجيب لجماهير عريضة تنزل إلى الشارع، وهو ما ثبت صحته بعد ذلك بعدة شهور.

بعد خلع مبارك تشرّفت بأن كنت من أوائل البرامج المتلفزة التي عرّفَت الشعب المصري به، فاستضفته في برنامج (صفحة الرأي) في الثالث والعشرين من يوليو من عام 2011م، وكان قد كتب مقالة في إحدى الصحف عن ثورتي (يوليو، ويناير).

كانت الحلقة مليئة بالنقد للمجلس العسكري، ولكنها كانت في إطار من حسن ظن كبير في العسكر أيضا، وكنت (وكثيرين غيري) ما زلنا نؤمّل خيرا في العسكر حتى تلك اللحظة، تماما مثل الدكتور عبدالحميد عمران رحمه الله.

تعجبت كيف اختير أناس بلا تاريخ ولا مؤهلات في مواقع هامة في حكومات ما بعد خلع مبارك، وفي فترة حكم الإخوان، بينما تم تجاهل هذا الرجل وغيره من الشرفاء تجاهلا تاما، في الوقت الذي كانت الثورة تحتاج فيه إلى من يفهم القوات المسلحة، أو إلى من هو قادر على أن يفهّمنا كيف تعمل هذه المؤسسة المغلقة التي عجزنا عن التعامل معها..

*        *        *

موقفه من انقلاب الثالث من يوليو 2013م كان واضحا من اللحظة الأولى، وكان ضمن قلة قليلة من قدامى المحاربين الذين أنقذوا شرف العسكرية المصرية بموقف ينحاز للأمة، ويحترم الشعب، ولا يبرر سفك الدماء، ولا يسكت عن كلمة الحق.

دفع اللواء عبدالحميد عمران ثمنا باهظا لهذا الموقف النبيل، فأصابه ما أصاب غالبية المعارضين للانقلاب، من مصادرة للأموال، ومطاردة في بلدان العالم.

رصدته المخابرات الإسرائيلية في منفاه في بريطانيا، ورَصَدَ هو شخصيا كيف خضع لمراقبة لصيقة لفترة ما (تصوير تحركاته)، وكيف تطوّر الأمر في إحدى المناسبات لمحاولة تخديره، وكان ذلك في وليمة غداء دعي إليها عام 2018م.

برعاية الله أولا، ثم بخبرته وحذره كعسكري، تمكن من تجنب أي عواقب أو احتكاك.

سبب مراقبته من الموساد كانت ظنونا بأنه مسؤول عن برنامج نووي مصري (في عهد الثورة)، وهو أمر لا أساس له من الصحة، والحقيقة أن سيادة اللواء كان قد صرّح بضرورة خلق "توازن ما" بين مصر وإسرائيل التي تملك عشرات الرؤوس النووية، وهو ما ضرب أجهزة إنذار لدى أجهزة الأمن الصهيونية، فاستغلت وجوده في منفاه في لندن لجمع بعض المعلومات..

*        *        *

حظي الدكتور اللواء عبدالحميد عمران باحترام كافة أطياف القوى السياسية المصرية، وكان حريصا على عدم انقطاع شعرة الود التي تربطه بغالبية الشخصيات العامة مهما كان اختلافه معها، لعل ذلك يكون سببا في توحيد المعارضة المصرية في وجه الاستبداد في يوم ما.

كان يرى أن الاصطفاف الوطني ضرورة، وأنه لا بديل عن توحد قوى الثورة في وجه الدكتاتورية..

رحم الله الدكتور اللواء أركان حرب عبدالحميد عمران، العسكري الشريف، الذي خاض حروب مصر في العصر الحديث كلها، والذي مات وحيدا منفيا بسبب عصابة من الخونة لم تحمل السلاح إلا لقتل أبناء الوطن، ولم تعرف من العسكرية إلا الأوسمة والنياشين، ولم تعرف معنى القتال في سبيل الوطن، ولا معنى التضحية والفداء، ولا قداسة الأرض..

عزائي لكل أحبابه، لأسرته الصغيرة، ولأسرته الكبيرة.. لمصر كلها.. لكل من يفخر بالعسكرية المصرية، وبالزعامات الوطنية الحقيقية.. أعزيكم جميعا، وأؤكد لكم أن النصر قريب، وأن التغيير قادم.. وما ذلك على الله بعزيز..

 

رابط المقال