سَلِّمْ واسْتَلِمْ

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 20/12/2020 م

ما أبشع تلك الصفقات السياسية المخجلة التي تجري على الملأ اليوم، كله (على عينك يا تاجر)، (سَلِّمْ واسْتَلِمْ)، كما يقول المثل..

إساءات لقيم، ولشعوب، ولمؤسسات.. إساءات لا تنتهي.. في العالم كله وليس فقط في عالمنا الثالث المنكوب بحكّامه..

ترى الرئيس الفرنسي يمنح وسام "جوقة الشرف" لرئيس جمهورية الأمر الواقع في مصر عبدالفتاح "سيسي" خلال زيارته الأخيرة لباريس (ديسمبر 2020).

وسام "جوقة الشرف"، حصلت عليه فيروز من الرئيس نفسه منذ عدة شهور، حصل عليه بشّار الأسد، وسُحب منه بعد ذلك، وحصل عليه كثير من "عملاء فرنسا" أعداء شعوبهم، مثل "محمد بن عرفة"، ذلك السلطان المغربي الذي نصبته فرنسا على عرش المملكة إبان الحماية الفرنسية على المغرب بعد نفي السلطان الشرعي محمد الخامس عام 1953، حيث مكث "بن عرفة" في الحكم سنتين فقط إلى عام 1955، تاريخ عودة سلطان المغرب محمد الخامس، وحينها استقلت البلاد.

نابليون بونابرت كان صريحا حين أنشأ الوسام.. لقد قال: "أنتم تُسمُّون هذه حُلِيّاً.. حسنًا، يتم قيادة الرجال باستخدام الحُليّ.. هل تعتقدون أننا سنكون قادرين على جعل الرجال يقاتلون من خلال المنطق؟ أبداً.. يحتاج الجندي إلى المجد والتميُّز والمكافآت"

نابليون يسمي الأمور بأسمائها.. إنها مجرد رشوة.. مصالح..

منح "ماكرون" الوسام لسيسي في السرّ، دون إعلان، دون صور، كان حفلا (على الضيّق)، دون أي تغطية إعلامية فرنسية، لم تعلن الحكومة الفرنسية عن منح هذا الوسام ضمن برنامج الزيارة أصلا.. صفقة سياسية مشينة، (سَلِّمْ واسْتَلِمْ).. سلِّمْني ملياراتك في صفقات السلاح، سلِّمْني صورة لرئيس دولة من أكبر دول العالم الإسلامي في ظل حملة شعبية إسلامية شعواء ضدي، أسّلمْكَ وساما تتباهى به أمام صحافتك المحلية، حيث حصل عليه كثير من العظماء والعملاء (والسفّاحون).

*        *        *

تطبيع بين المملكة المغربية والكيان الصهيوني، وفي اليوم ذاته اعتراف من الولايات المتحدة بتبعية الصحراء الغربية للمملكة المغربية..

ولكن.. أليست الصحراء مغربية بالفعل؟

لقد أساء صاحب قرار التطبيع مع إسرائيل لقضية الصحراء، فقد بدى الأمر اعترافا مقابل اعتراف.. (سَلِّمْ واسْتَلِمْ).. اعترف باحتلال إسرائيل لفلسطين.. وسأعترف لك باحتلال المغرب للصحراء الغربية !

هل هناك إساءة لقضية عادلة أسوأ من ذلك؟

*        *        *

قررت إيطاليا منذ أسبوعين تقريبا (4 ديسمبر 2020) أن تتخلى عن دم المواطن الإيطالي الباحث "جوليو ريجيني"، حيث صدر بيان مشترك بين النيابة العامة في روما والنيابة المصرية، وكان واضحا في البيان أن اتهام المؤسسات المصرية (وهي الفاعل الحقيقي) قد تم "التفاهم" بشأنه، فأصبحت الاتهامات موجهة لخمسة ضباط في أحد أجهزة الأمن المصرية بصفتهم "الفردية"، لا بصفتهم موظفين في دولة، وكأن ما حدث للمواطن الإيطالي المغدور كان عراكا في الشارع، وليس احتجازا، وإخفاء قسريا، وتعذيبا بدنيا، في مقرات رسمية، بأيدي موظفين حكوميين، بتكليف من أعلى القيادات في الدولة..

كل شيء له مقابل.. سَلِّمْني عمليات عسكرية بالنيابة في ليبيا، ومليارات اليوروهات ثمنا لمعدات وأسلحة، أسلّمْكَ براءة لنظامك من القمع، وأبيع دم مواطن إيطالي فداء عيونك، وأكتفي بتوجيه التهمة لأفراد !

*        *        *

من السذاجة أن نتصور المبادئ والقيم كمحرك للعلاقات الدولية، أو أساسا للتبادل التجاري أو المعاهدات السياسية.. لا شك أن الجميع يعلم أن المصالح هي العملة الوحيدة المتداولة في هذه أسواق السياسة والاقتصاد.

ولكننا نتحدث عن قليل من الخجل، وقليل من الأمانة في رؤية حقيقة المصالح، مصالح الشعوب الثابتة التي لا تتغير، لا مصالح الساسة الزائفة المتغيرة.

إن تنكّر الساسة للمبادئ التي قامت عليها الدول، ولدساتيرها، وتجاوزهم في تصريف الأمور في شؤون لا يمكن أن توافق عليها شعوبهم.. هذه أمور خطيرة لا بد من مواجهتها شعبيا، وهو أمر ليس مستحيلا.

*        *        *

في الوقت الذي منح "ماكرون" وسام "جوقة الشرف" ل"سيسي".. تتعالى أصوات إدانته في فرنسا، وازدادت حساباته في الانتخابات الرئاسية القادمة تعقيدا، فهذا الأمر ساهم في انهيار شعبيته انهيارا فوق انهيار.

وفي الوقت الذي تتنازل فيه الدولة الإيطالية عن دم ابنها المغدور قرر البرلمان الأوروبي تبني قضية ذلك المواطن، وها هي العلاقات بين أوروبا وبين العصابة التي استولت على الحكم في مصر تدخل منعطفا حرجا، كما تداعت الجمعيات الحقوقية الإيطالية للدفاع عن دم المواطن المغدور.

وفي الوقت الذي تنازلت فيه المملكة المغربية (أعني الدولة لا الشعب) عن قضية فلسطين، تتعالى الأصوات الشعبية ضد التطبيع.. (وهو ما حدث في السودان أيضا)..

*        *        *

إن الواجب على جميع شرفاء العالم اليوم أن يتواصلوا تواصلا فعالا، وأن يدركوا أن القضايا الإنسانية عابرة للحدود، وأن مستوى حقوق الإنسان في العالم كله يخضع لنظرية الأواني المستطرقة، فأي انتهاك هنا.. يؤثر بعد قليل هناك.. خصوصا في ظل هذا العالم الجديد الذي لا يعرف الحدود..

لا بد أن يوحد الشرفاء جهودهم الشعبية من أجل مواجهة هؤلاء القادة قليلي الشرف، هؤلاء الساسة القادرين على مقايضة أي شيء، وكل شيء، بما في ذلك دماء مواطنيهم..

لا بد أن يتوحّد كل الشرفاء في العالم، وأن يؤسسوا مؤسسات قادرة على تمثيل الناس، والتحدث باسمهم، وتغيير الواقع البشع الذي يتسبب فيه الساسة.. ذلك الواقع الذي يمكن تلخيصه في كلمتين.. (سَلِّمْ واسْتَلِمْ) !

رابط المقال