للأسف.. ربحت الرهان

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 6/12/2020

في الخامس والعشرين من يناير عام 2016م، اختفى الباحث الإيطالي "جوليو ريجيني" في القاهرة، ثم عثر على جثته المشوّهة في الثالث من فبراير، وقيل في بداية الأزمة كلام كثير في إعلام النظام المصري في سبب وفاته، ومن ضمن ما قيل أنه مات في (حادث سيارة).

كانت آثار التعذيب على جثته ترسم ملامح النظام الذي تدعمه إيطاليا وأوروبا كلها، تصاعد الغضب في أوروبا، وبدا المشهد وكأن النظام المصري قد ارتكب الغلطة التي تقصم ظهر البعير.

والحقيقة أن الأنظمة – كلها أو جلّها – تستطيع أن تتجاوز هذه الأحداث "العابرة"، فحياة مواطن حين توضع أمام مليارات الدولارات، لا تهم..

السياسيون في العالم كله – غالبيتهم – مستعدون للتغاضي عن حادث قتل هنا، وعن انتهاكات هناك، أو بضع مجازر هنالك.. في سبيل مكاسب من هذا النوع أو ذاك.

الفارق بين الأنظمة في هذا الأمر طفيف، يعتبر خلافا في "الكمّ"، لا المبدأ !

*        *        *

في ذلك الوقت كتبت مقالة بعنوان (رهان مع رئيس الوزراء الإيطالي)، نشرت هنا في موقع عربي21، بتاريخ الثالث عشر من فبراير 2016، كانت رسالة موجهة لرئيس الوزراء.. كان اسمه "ماتيو رينزي"، وراهنته على أن دم هذا الشاب الإيطالي النابه سوف يضيع، وقلت إن دعم إيطاليا المطلق للديكتاتورية في مصر لن يتغير بسبب مقتل شخص.. إنه مجرد مواطن !

صحيح أن العلاقات المصرية الإيطالية توترت بعد مقتل "ريجيني"، وغادر السفير الإيطالي القاهرة في إبريل 2016 تنفيذا لقرار استدعائه للتشاور، وظل عاما كاملا خارج البلاد تقريبا، ولكن كل ذلك لم يغير في الأمر شيئا، وظلّ رأيي في ذلك الوقت أن الموضوع سيتم تسويته، وأن الغضب الشعبي سيتم احتواؤه، فالنظام العالمي الجديد ذاك لا مكان فيه للأفراد، والشعوب فيه مستضعفة (كل الشعوب، حتى شعوب العالم الأول).

ومرّت الأيام، وها هي إيطاليا تبيع دم المواطن "جوليو ريجيني"..

*        *        *

صدر منذ عدة أيام (4 ديسمبر 2020) بيان مشترك بين النيابة العامة في روما والنيابة المصرية، ومن الواضح أن بيان "روما" قد كُتِبَ في القاهرة، فأصبحت الاتهامات موجهة لخمسة ضباط في أحد أجهزة الأمن المصرية بصفتهم الفردية، لا بصفتهم موظفين في دولة.

كان واضحا أن الأمر ستتم تسويته منذ شهور، ففي شهر يونيو الماضي وقف السيد "إيراسمو بالازوتو" البرلماني الإيطالي ورئيس اللجنة البرلمانية التي تحقق في مقتل الطالب الإيطالي "جوليو ريجيني"، وقف وطالب رئيس الوزراء "جوزيبي كونتي" بتوضيح حيثيات صفقة سلاح جديدة مع مصر، تتضمن بيع فرقاطتين من طراز "فريم"، وتبلغ قيمتهما 1.2 مليار يورو.
كما دعا النائب ذاته رئيس الوزراء إلى توضيح حيثيات صفقات السلاح الكبيرة مع مصر.

في الوقت نفسه قال والدا الطالب القتيل إن الحكومة الإيطالية خانتهما.

لقد استطاع النظام المصري أن يحتوي الجميع، وما تعجر مصر عن تمويله من صفقات السلاح.. تموّلُهُ الإمارات.. ما تعجز إيطاليا عن فعله في "ليبيا" تفعله الميليشيات التي تمولها الإمارات !

*        *        *

ما الحل؟

هذه ليست مشكلة مصر، وليست مشكلة إيطاليا، إنها مشكلة عالمية إنسانية عامة، ألا وهي انتهازية السياسيين التي تتجاوز كل حقوق للإنسان، وتتسامح في الانتهاكات والمذابح، وتتغاضى عن التهجير القسري، والاضطهاد العنصري، وغيرها من الجرائم.

إذا كان السياسيون يقبلون مقايضة أرواح البشر مقابل مصالح مادية أيا كانت.. فما الحل إذن؟

إن الدولة – أي دولة – هي كيانات ومؤسسات، ولكنها في الوقت نفسه شعب وأمة، فإذا كانت المؤسسات تعمل لمصلحتها منفصلة عن الأمة، فإن واجب الأمة أن تكوّن مؤسساتها الشعبية التي تستطيع أن تواجه بها مؤسسات الدولة.

بل إن الواجب على جميع الشعوب أن تؤسس وتقوّي المؤسسات العالمية التي تعمل من أجل دعم الشعوب كلها للتحرر من كل أشكال العنصرية والاستعباد الذي تتعاون فيه الحكومات تعاونا وثيقا، خصوصا في هذا العصر الذي تتحكم فيه الشركات العابرة للقارات، متعددة الجنسيات، في كل شيء، وكل أحد، حتى أصبح رؤساء الدول مجرد موظفين خاضعين لهذه الكيانات الاقتصادية الكبرى، ومن يواجهها أو يتمرّد عليها يضع مصيره على المحك، بل ربما يضع حياته كلها في مرمى نيران الهلاك.

إن الحل الوحيد هو أن يتحد شرفاء العالم، وأن يتعاونوا من أجل ضبط سلوك السياسيين الانتهازيين الذين لا يبالون إلا بمصالح ضيقة، ويضيعون السلم والأمن العالمي، ويهددون المصالح الحقيقية طويلة الأجل لكل الشعوب.

لقد باعت الحكومة الإيطالية ابنها، عزائي لأسرته، ولكل أحبابه..

عزائي لذوي المواطنين المصريين الذين قتلتهم السلطات المصرية لكي تلفق لهم تهمة تكوين تشكيل عصابي متخصص في سرقة الأجانب، لكي يتحملوا وزر قتل هذا الشاب الإيطالي.

في يوم قريب بإذن الله سنقيم نصبا تذكاريا للصداقة بين الشعبين المصري والإيطالي، سينقش عليه أسماء من قتلوا ظلما في هذه القضية، الشاب الإيطالي المظلوم، والمواطنين المصريين الذين قتلوا من أجل "تقفيل" ورق القضية..

1 المواطن الإيطالي جوليو ريجيني

2 المواطن المصري طارق سعد عبدالفتاح

3 المواطن المصري سعد طارق سعد عبدالفتاح

4 المواطن المصري مصطفى بكر عوض

5 المواطن المصري صلاح علي سيد

رحمهم الله جميعا..

*        *        *

مقالة ("رهان مع رئيس الوزراء الإيطالي".. لمن يرغب في الاطلاع عليها):

 

سيادة رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي ...

بعد التحية ...

في البداية لا بد أن أعزيك في الشاب الإيطالي النابه "جوليو ريجيني"، الذي توفي في حادث سيارة في القاهرة.

سيادة رئيس الوزراء ...
هل تصدق أن ذلك الشاب الإيطالي الوسيم قد توفي في حادث سيارة؟

أعتقد أنك تصدق!

لقد أخبرك بذلك صديقك رئيس جمهورية مصر العربية السيد عبدالفتاح "سيسي"!

هل تذكر مؤتمرك الصحفي معه في روما يوم الرابع والعشرين من نوفمبر عام 2014؟

وقوفه في روما، بجوار رئيس وزراء منتخب، في عاصمة من أهم عواصم الاتحاد الأوروبي، كان انتصارا دبلوماسيا للديكتاتور ... وهو ما سهل عليه بعد ذلك أن يسير على البساط الأحمر في باريس ثم في برلين.

سيادة رئيس الوزراء ...

لماذا ترسل محققين للتحقيق في مقتل المواطن الإيطالي النبيل "جوليو ريجيني"؟

لقد أقامت إيطاليا علاقات دبلوماسية كاملة مع دولة تحت حكم انقلاب عسكري فاشي يذكرنا بانتهاكات موسوليني في أوائل القرن الماضي، وإيطاليا تحت قيادتكم تعلم أن هناك ثمنا لإقامة مثل هذه العلاقات مع أنظمة كتلك، وبالتالي ... (اعذرني سيادة رئيس الوزراء)، لقد قبضت إيطاليا (أعني الدولة) ثمن السكوت على مقتل بعض مواطنيها مقدما!

إن مقتل بعض مواطنيكم في (حوادث سير) مثل هذه، ليست أكثر من أعراض جانبية لتناول إكسير العلاقات الاقتصادية مع مصر، وبالتالي لا داعي لكل هذه الجلبة.

لا تغضب مني يا عزيزي ... هذا ما حدث ... اقرأ هذا الخبر:

"ألغت السيدة فيدريكا جويدي، وزيرة التنمية الاقتصادية الإيطالية، التي وصلت إلى القاهرة، الأربعاء، على رأس وفد اقتصادي كبير، زيارتها للقاهرة، وعادت لبلادها بالتزامن مع إعلان وزارة الخارجية الإيطالية عن وفاة الشاب الإيطالي "جوليو ريجيني"، المفقود في مصر منذ 25 يناير الماضي".

ماذا كانت تفعل الوزيرة الإيطالية في بلدنا؟

لقد جاءت لتقبض ثمن اعترافها بالنظام المصري السفاح ... لا أكثر!

وإلغاء الزيارة مجرد تجميل للصورة، وسوف تعود الوزيرة أو من يمثل حكومتكم بعد عدة أسابيع أو عدة شهور لكي ينتفعوا من وجود هذا النظام، ولن يبالوا بأنه يقتل المصريين يوميا، إن الإحراج الوحيد في الموضوع أن القتيل هذه المرة كان شابا إيطاليا ندعو له ونعزي أهله من كل قلوبنا!

سأحكي لك قصة لطيفة سيادة رئيس الوزراء، إنها قصة صَدَّقَتْهَا حكومات أوروبا كلها، ولم يعترض عليها أحد في حينها برغم أنها كذب فج لا يصدقه عقل، هذه القصة كتبها السيدان "نيكولا بو"، و"جان بيير توكوا"، وهما صحفيان فرنسيان، ألفا كتابا عنوانه (صديقنا الجنرال زين العابدين بن علي)، الذي صدر بالفرنسية وترجم إلى العربية منذ حوالي عشر سنوات:

"وهكذا مات فيصل بركات في مقر دائرة شرطة تونسية في تشرين الأول 1991، في بداية قمع ”الملتحين“، وهو طالبٌ في قسم الرياضيات في جامعة تونس العاصمة.

وكان هذا الطالب الناشط في (النهضة) قد طالب خـلال مناظرة متلفزة بالحرية النقابية، قبل أن يلجأ إلى العمل في السر.

كان يعرف ثمن جرأته!

وقتها، أوقِف شقيقه للضغط عليه، ثم اعتقل هو بعد ذلك بقليل.

بعد أسبوع، أُعلِمت عائلته بأنه توفي في حادث سيارة. 

إنه قَدَر الناشطين السياسـيين في تونس ... ولسوء طالع النظام، تقول الشهادة الطبية لمشفى نابل إن الوفاة (ناجمةٌ عن إدخال جسم في الشرج)، وهي ظاهرةٌ نادرة للغاية في حـوادث السير". 
سيادة رئيس الوزراء ...

لقد تحدث الصحفيان عن الجنرال زين العابدين بن علي ... صديق فرنسا في ذلك الوقت، وأنا أتحدث معك اليوم عن صديقك ... الجنرال عبدالفتاح السيسي!

هناك ظواهر لا تحدث إلا في بلادنا، لا تحدث إلا تحت حكم الجنرالات أصدقاء أوروبا وأمريكا، مثل حادث سيارة يؤدي إلى تهتك في فتحة الشرج (كما في تونس ما قبل الثورة)، أو حادث سيارة يؤدي إلى كدمات تنتج عن التعذيب، وتؤدي إلى تجريد الضحية من البنطلون والملابس الداخلية، وتترك آثار إطفاء سجائر في جسد الفقيد، كما في حالة الضحية الإيطالية، الشاب المسكين "جوليو ريجيني".

هذا الشاب الإيطالي، الذي يشهد له كل من عرفه في مصر بطيبة القلب، وبحسن الخلق، (وبحكم عمله كباحث في الحركات العمالية)، تعاطف مع ثورة الشباب المصريين التي تقاوم انقلابا عسكريا فاشيا  ... (انقلابا عسكريا فاشيا تدعمه أنت يا سيادة رئيس الوزراء)!

أنتم أيها السياسيون تصدقون هذه الحوادث لأن الديكتاتوريات الفاشية تدفع من أموالنا ثمن تصديق هذه الخزعبلات، ولأن انتصاراتكم السياسية وصفقاتكم الاقتصادية أغلى بكثير من دم الإنسان.
لست شامتا ... بل إنني حزين جدا على هذه المأساة الإنسانية المؤلمة.

إن عزائي الحقيقي لكل أصدقائي الإيطاليين، لكل شباب إيطاليا، للشعب الإيطالي الذي قاوم الفاشية، وقاوم الانقلابات العسكرية، وأظنه لا يقبل موقفكم بتأييد ما يحدث في مصر، ومحاولة الاستفادة الاقتصادية من وجود سفاح على رأس السلطة في بلد مهم.

هل تعلم سيادة رئيس الوزراء كم أحب بلدكم وشعبكم؟

لي ذكريات جميلة في إيطاليا، ذلك البلد المتحف، المرسم، المسرح، السينما، الجامعة، المعبد ... تلك الأرض الملهمة التي خلقت لتنثر الجمال على رؤوس البشرية، وكأنه أرز في عرس في الريف.

لماذا يصبح السياسيون بهذه القسوة؟ لماذا تضع في سجلك أنت أيها السياسي الشاب عار التعامل مع نظام لا يتورع عن أن يقدم لك جثة مواطن إيطالي، مجردة من الملابس وعليها آثار التعذيب ثم يقول لك (توفي في حادث سير) !؟ لماذا لا تنحاز إلى ثقافة وقيم الشعب الإيطالي؟
سيادة رئيس الوزراء ...

أعرف أن رسالتي لن تجد طريقها إليك، فأنا ممنوع من الكتابة في صحف بلدي، وممنوع من الإقامة فيها، ومهدد من النظام الذي يدعمه أمثالك من السياسيين الشبان، الذين كنا نظن أنهم سيتحيزون لجيلنا الذي بذل دما كثيرا لكي يتحرر!

كنت أتمنى أن أذهب إلى سفارة إيطاليا في القاهرة كي أوقد شمعة من أجل نفس أزهقت بلا ذنب ... ولكن الديكتاتور الذي تدعمه يمنعني من أن أدخل بلدي أصلا!

سيادة رئيس الوزراء ...

أنا أرسل لك هذه الرسالة لكي أراهنك ... هل تراهن؟

أنا على استعداد أن أراهنك على مبلغ كبير من المال، هل تراهن على أن علاقاتكم الاقتصادية مع من قتل ذلك الشاب الإيطالي المسكين لن تتأثر؟

على كم تراهن؟ أنا على استعداد للرهان بملايين اليوروهات (التي لا أملكها)، من شدة ثقتي ويقيني في أن مقتل مواطن إيطالي لن يؤثر في قراراتكم!

ستستمر حكومات أوروبا في دعم الديكتاتوريات الفاشية من أجل مصالحها الاقتصادية، وسنستمر في مقاومة الاستبداد، وسنقتدي بالشعب الإيطالي العظيم الذي لم يقبل أن يحكمه "موسوليني"، وجازاه في النهاية بما يستحق.

لو عادت الأيام بك ... هل ستقف في صف "موسوليني"؟ أم في صف الشعب؟
سيادة رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي ...

كلمتي الأخيرة ... سينتصر شعبنا على الديكتاتور، وحينها سنواصل احترامنا للشعب الإيطالي ولكل شعوب الدنيا، وسنرحب بكم في مصر، ولن نسمح بقتل الأبرياء، ولكن تأكد أن جميع الحكومات التي استفادت من الديكتاتور سوف تدفع ثمنا باهظا بما قدمت يداها.

سيادة رئيس الوزراء ...
هل تراهن؟

رابط المقال