الحقوقيون العملاء !

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 22-11-2020 م

اعتقلت السلطات المصرية ثلاثة من الحقوقين المنتمين للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وهي جمعية حقوقية "رائدة"، وظهر فيما بعد أن التهم الموجهة لهؤلاء الحقوقيين هي التهم ذاتها الموجهة لعشرات الآلاف من المعتقلين في السجون المصرية، تهم من نوع "الانتماء لجماعة إرهابية"، و"نشر أخبار كاذبة".

العجيب أن التحقيقات مع الحقوقيين كانت بخصوص اجتماع علني جرى في مقر الجمعية الرسمي المرخص من الدولة مع بعض السفراء الأجانب، ضم الاجتماع الذي عقد في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني في مكتب المبادرة في القاهرة سفراء ودبلوماسيين من ألمانيا، وفرنسا، وهولندا، وإيطاليا، وبلجيكا.

بعد هذا الاجتماع.. وعلى مدار عدة أيام، تم اعتقال السادة محمد بشير، ثم كريم عنارة، وأخيرا جاسر عبدالرازق المدير التنفيذي للمبادرة.

لم يكتشف النظام المصري أن هناك إرهابيين في تلك الجمعية الحقوقية إلا بعد أن جلسوا في لقاء علني مع سفراء أجانب، وهو الأمر الذي يدعو إلى الدهشة، فإذا كانت اللقاءات العلنية إرهابا.. فما هو تعريف العمل السلمي إذن؟ وما العلاقة بين الجلوس مع سفراء أوروبيين وبين جماعة إرهابية؟ (المفروض أن المقصود هو جماعة الإخوان المسلمين)

عشرات الأسئلة ترد على ذهن القارئ، ولكن ستبقى بلا إجابة !

* * *

في حوار مع أحد المؤيدين للنظام، وحين سألته عن اعتقال الحقوقيين الثلاثة قال لي "لا تنكر أن مصر مستهدفة" !

والحقيقة أنني تعجبت من الفكرة، فمصر الآن بالذات ليست مستهدفة، وإذا افترضنا أنها كذلك.. فما علاقة استهداف مصر باعتقال حقوقيين؟

لقد تم حشو رؤوس مئات الملايين من المواطنين المصريين وغير المصريين بأن أوطانهم مستهدفة، وأنها تقاوم مؤامرات دولية كبرى، وإذا تأملت في أسباب استهداف الأنظمة والتآمر عليها لن تجد أي سبب منطقي لاستهداف غالبية الدول العربية.

هل تملك مصر مشروعا صناعيا تسليحيا عسكريا يخيف القوى العظمى؟ يقلب توازنات القوى في العالم أو حتى في المنطقة؟

بالعكس.. مصر للأسف لا تملك أي قدرات علمية عسكرية تجعل منها خطرا على ما حولها، بل هي من أكبر مستوردي السلاح في العالم، تستورد وتكدس أسلحة بعشرات المليارات من الدولارات، تستورد سلاحا لا تحتاجه، "جزية" مقنعة لكي يحصل نظام استبدادي انقلابي على شرعية دولية.

هل تملك مصر موارد ضخمة تجعلها مطمعا للقوى الدولية؟

بوليفيا مثلا.. تلك الدولة الصغيرة في أمريكا الجنوبية، تملك ما يقدر بسبعين في المائة من مخزون الليثيوم في العالم، وهو ما تسبب في آخر انقلاب عسكري في نوفمبر 2019م، والذي انتهى بانتخابات فاز فيها الذين انقُلِبَ عليهم، وعادوا للحكم بالصناديق بعد أن خلعوا منه بالدبابات.

استُهدفت بوليفيا بانقلاب عسكري العام الماضي لأن حكامها كانوا قد بدأوا منذ وصولهم للسلطة في عام 2006م بخطة لاستغلال هذا المورد (الليثيوم) من خلال الحد من احتكارات الشركات العالمية والقوى الدولية للمناجم.

هل تملك مصر أي موارد من هذا النوع؟

الحقيقة أن مصر كان لديها بعض الموارد، ولكنها جميعا أهدرت، القطن المصري مثلا تم تدميره في عهد مبارك، بإشراف وزير زراعته الصهيوني "يوسف والي"، وإذا افترضنا أن مصر تملك أي مورد من الموارد فهل كان في مصر أي نظام يمنع القوى الدولية من استغلال هذا الموارد؟

مصر تتبرع بمواردها من الغاز في شرق المتوسط لكي ترضي أوروبا وتغيظ تركيا !

وبالتالي.. مصر وغالبية الدول العربية ليست (مطمعا) لأي دولة أو قوى عظمى بسبب موارد لا تنضب، وما أقوله هذا هو رأي الدولة المصرية عبر العصور، فكل الرؤساء والوزراء والمسؤولين عبر العصور الممتدة – باستثناء فترة الثورة – كانوا وما زالوا يتحدثون عن فقر الدولة، وقلة مواردها، واحتياجها للتسول، والضرائب.. الخ، وأكثر من يتحدث عن فقر مصر هو نظامها الحالي.. بالذات !

* * *

هل للنظام المصري رغبات توسعية إمبراطورية أدت إلى انتشار قواته العسكرية في أماكن شتى خارج البلاد؟ هل يستخدم النظام المصري قوة مصر الناعمة في فرض تغييرات فكرية على نطاق إقليمي؟ هل هناك أي مشروع حضاري يتعارض مع أي مشاريع الهيمنة التي ترغب فيها القوى العظمى يتبناه النظام المصري؟ هل يشكل النظام في مصر خطرا من أي نوع على إسرائيل؟

إن مصر بلد يكاد يكون بلا تأثير (رغم أن إمكانات البلاد كبيرة جدا)، فهذه الأنظمة التي تحكم مصر قزّمتها لدرجة أنها لا تملك أي تأثير يحفظ لها موردها الرئيسي من الماء، فاستطاعت إثيوبيا أن تبني سد النهضة، واتضح أن مصر أهدرت قوتها الناعمة في عصر مبارك ولم يعد لها أي تأثير على دول منابع النيل كلها..

* * *

ربما يقول قائل إن الموقع الجغرافي في حد ذاته يكفي، ولكن الحقيقة أن موقع مصر مسخر لخدمة جميع المشاريع الاستعمارية، وكل ذلك على حساب المصريين، بل إن موقع مصر قد قلت أهميته بسبب الأنظمة التي حكمت البلاد، فتارة تهمل قناة السويس دون تطوير، وتارة يتم التنازل عن تيران وصنافير ويتم تدويل المضيق.. حتى أصبح المرء يتساءل.. هل موقع مصر مسخر لخدمة مصر؟ أم لخدمة أعداء مصر؟

جميع هذه الأسئلة توضح لك أنه لا مجال لاستهداف مصر وغالبية الدول العربية بمؤامرة ما، فغالبية هذه الأنظمة ليست إلا خادما للهيمنة العالمية على المنطقة، ولولا هذا الدور الوظيفي الذي تؤديه لما كان هذا هو حالنا.

* * *

إن الأسئلة التي يمكن أن تتوارد إلى ذهن الإنسان في مسألة استهداف مصر، واستهداف الدول العربية ستقودنا في النهاية بلا شك إلى أن الاستهداف الوحيد التي تتعرض له.. هو استهداف الشعوب لأنظمتها الظالمة.

غالبية هذه الأنظمة بلا شرعية من أي نوع، وهي مستهدفة من مئات الملايين من البسطاء الفقراء الذين يرغبون في الحصول على أبسط حقوقهم في الحياة الكريمة، وهذا هو الاستهداف الحقيقي الوحيد الذي تتعرض له تلك الحكومات !

سبب الدمار والفقر والجهل الذي ترزح تحته دولنا وشعوبنا هو هذه الأنظمة التي تسلطت على البلاد منذ عشرات السنين، الناس جُوِّعَتْ وأُمْرِضَتْ وجُهِّلت بشكل متعمد لكي يتمتع هؤلاء العملاء بثروات لا حدود لها، وبلا أي رقيب.

* * *

ولو أن مصر مستهدفة فعلا.. سيظل السؤال يرن في ذهن أي عاقل.. ما علاقة اعتقال السادة محمد بشير، وكريم عنارة، وجاسر عبدالرازق باستهداف مصر؟

لا إجابات منطقية في بلادنا..

رابط المقال