هل كنا في انتظار "هتلر"؟!

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 8 / 11 / 2020 م

خبر سعيد لملايين البشر في العالم كله، رحل ترامب عن البيت الأبيض، وجاء من بعده سياسي لا فرق بينه وبين كثير ممن سبقوه.

ربما يظن البعض أن ترامب قد هُزِمَ، والحقيقة أنه خسر الانتخابات.. ليس أكثر !

ترامب ليس مجرد رئيس أمريكي، بل هو (نمط)، هذا النمط حقق انتصارات كبيرة، وهي انتصارات لن يلغيها خسارته للانتخابات الرئاسية الأمريكية.

هناك ترامب في البرازيل، وآخر في النمسا، وثالث في انجلترا، وغيرها..

في فرنسا مثلا تحوّل الرئيس "ماكرون" إلى "ترامب" لضرورات انتخابية، فبدأ ببث الكراهية ضد العرب والمسلمين باستهتار (ترامبي) واضح.

لذلك لا أظن أن ترامب كنمط قد هزم، بل قد حقق انتصارات، وما زال يحقق، رغم خسارة ترامب لانتخابات الرئاسة أمس (السابع من نوفمبر 2020م).

* * *

من أهم أسباب انتصار هذا النمط في أمريكا هو تخاذل الحزب الديمقراطي، وسلوكه البراجماتي في مواجهة (النمط الترامبي).

ذلك أن الديمقراطيين لو أرادوا مواجهة ترامب كنمط لواجهوه بنمط مغاير، لواجهوه بمعكوس هذا النمط، أي بمرشح استثنائي في الأفكار والتوجهات، ولكنهم قرروا مواجهة ترامب كشخص، لا كنمط.

وبغض النظر عن الانتصار الكبير الذي حققه "جو بايدن" فإنه يظل انتصارا شخصيا، أي انتصار شخص على شخص، وليس انتصارا لنموذج على نموذج آخر بحال، بينما سيظل انتصار ترامب منذ عام 2016م وتمدده في دول عدة نموذجا ونمطا وقدوة لآلاف السياسيين في العالم كله.

إنه نموذج – للأسف الشديد – لا يؤمن بالعملية الديمقراطية أصلا، وهو على أتم استعداد لتقويض مؤسسات الدولة في سبيل الاحتفاظ بالسلطة، وهو نموذج فاسد، والأخطر أنه مفسد، والكارثي أنه ينشر فساده ويدافع عنه باستخدام سلطات ومؤسسات الدولة.

إنه نموذج يقطر عنصرية، وتطرفا دينيا، وتحرشا بالنساء، واستغلالا للسلطة، وتنمرا على الضعفاء، وتحيزا للأغنياء.. وما لا يحصى من الرذائل.

هذا النموذج مقدمة لظهور "هتلر" جديد، ولو استمر هذا الترامب في أمريكا أربع سنوات أخرى لرأينا كوارث أكبر بكثير مما رأينا في الفترة الرئاسية الأولى..

لو كان الحزب الديمقراطي حريصا على حماية الديمقراطية في أمريكا لاختار مرشحا يهزم نمط ترامب، ولكن مصالح السياسيين الضيقة، ونظرتهم القصيرة، أدت إلى التآمر على المرشح المناسب، ووأد مرشحين شبان كان يمكن أن يكونوا مؤهلين، كل ذلك لكي يترشح في نهاية الأمر رجل في نهاية عقده الثامن، بلا أي أفكار قادرة على مواجهة موجة الشعبوية السياسية التي تجتاح أمريكا، ومن ثم العالم كله.

حين ظهر "هتلر" في ألمانيا، هزم جميع السياسيين بالديمقراطية، ثم بدأ بعد ذلك بتفكيك العملية الديمقراطية فورا، لكي يتمكن من الاستبداد.

تفكيك الديمقراطية ومؤسساتها، والتشكيك فيها، والقفز على قواعدها بكل الطرق.. هو أسلوب ترامب، وهو أسلوب "هتلر".. وهو ممرّ جميع الطغاة الذين استبدوا رغم وجود الديمقراطية ومؤسساتها وصناديقها.

إن الحقيقة التي لا تقبل الشك أن ترامب لم يكن ليُهزَمَ لولا وباء الكورونا، هذا المتغير الطارئ هو السبب الحقيقي الذي أدى لهزيمته، ولولا ذلك لربما كنا اليوم في انتظار "هتلر" جديد.

* * *

ترامب كان سندا لمستبدي العالم كله، وبشكل أساسي مستبدي العرب.

هم يظنون أنهم استفادوا منه، والحقيقة أنه استفاد منهم أضعاف ما استفادوا منه، وكان بإمكانهم أن يحصلوا على الفوائد المحدودة التي حصلوا عليها منه بأقل بكثير من الأثمان التي تحصل عليها ترامب منهم.

هل سيتغير سلوك طواغيت العرب؟

ليست مهمة رئيس أمريكا أن يحرر أوطاننا العربية، ولكن لا شك أن حالة من الاستقواء بترامب كانت واضحة في سلوك الطواغيت العرب، ولولا وجود هذا النمط الحاكم في البيت الأبيض لما جرت أحداث كثيرة، ربما فكّر بن سلمان ألف مرة قبل أن يقتل الكاتب الشهيد جمال خاشقجي، ربما ما بدأ حصار قطر ومخطط غزوها عسكريا، وأظن أن كثيرا من القتل خارج نطاق القانون، والإعدامات، والاعتقالات العشوائية، والاختفاء القسري في كثير من الدول العربية.. كل هذه التصرفات (لا أقول ستختفي) ولكن ستكون هناك حدود، وكوابح.. ستكون هذه التصرفات خاضعة لمعادلة تحسب فيها العواقب الدولية.

* * *

في النهاية لا بد أن نعترف أن آليات الديمقراطية هي التي تمكنت في آخر الأمر من هزيمة ترامب، وأنه رغم وجوده في السلطة عجز عن إيقاف العملية الديمقراطية، وعجز عن التدخل في سير الانتخابات، ورغم كل ألاعيبه وحيله خسر الانتخابات بشكل مخز..

لذلك نقول إن الديمقراطية هي النظام الأفضل للحكم، وبرغم كل عيوب الأنظمة الديمقراطية، وبرغم كل التشويه الذي يمارسه طواغيت العالم ضد هذه الفكرة (فكرة حكم الناس لأنفسهم)، إلا أنها ما زالت ملاذ الشعوب، وحلم كل المستضعفين، وطريق التغيير السلمي الوحيد.

* * *

في هذه الظروف.. ما زالت المعارضة المصرية تتخبط في قعر بئر من انعدام الرؤية، ومن غلبة المصالح الشخصية، والمبادرات الموسمية، وآخرها كشك جديد سيتم افتتاحه بمناسبة مرور عشر سنوات على اندلاع ثورة يناير المجيدة (أمر متوقع يحدث كل عام تقريبا).

الكلام نفسه، والبرامج المزعومة نفسها، وقنابل الدخان التي تغذي الأحلام للتغطية على الفشل، ولحلب الجيوب والآمال، كل ذلك دون أي عمل حقيقي على المستوى الفكري أو السياسي أو الجماهيري، دون أي علاقات جديدة يتم بناءها بين الأجيال، أو حتى بين الجيل الواحد..

العالم كله يتغير، وما زالت أصنام المعارضين العرب كما هي، كل زعيم مزعوم يعبد ذاته، أو جماعته، أو شلته.. وما زال الأمر كما هو.. من يملك المشروع الوطني والقدرة على القيادة.. لا يملك الموارد.. أما من يملكون الموارد.. فمشروعهم ذواتهم.

رابط المقال