ثوار الأمس.. وثوار اليوم

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 27 / 9 / 2020 م

 

نزل الثوّار في يناير (2011) بالملايين، وأكملوا مسيرتهم عدة سنوات، قدموا بطولات عظيمة، أسقطوا الطاغية الخائن "حسني مبارك" في ثمانية عشر يوما، وسقط منهم شهداء، وجرحى، ومصابون، بعضهم فقد عينا أو اثنتين، قدموا للوطن تجربة ديمقراطية فريدة، ولكن فشلت النخبة السياسية في ذلك الوقت في إجبار النظام على تحول ديمقراطي يحفظ البلاد، ونجحت المصالح الإقليمية في تدبير انقلاب عسكري، نتج عنه مآسي لا أول لها من آخر كما نعلم جميعا..

ثوّار (2011م) كانت لهم صفات.. تختلف هذه الصفات عن كثير من صفات هؤلاء الثوّار المتظاهرين الشجعان الذي رأيناهم خلال الأيام الماضية في (2020م).. ما أوجه الشبه؟ وما أهم الفروق بين المتظاهرين في أول الثورة.. وبين المتظاهرين اليوم؟

*       *       *

لا يمكن أن نحصر ثورة يناير (2011) في طبقة اجتماعية بعينها، ولكن يمكننا أن نزعم أن هذه الثورة كانت معتمدة بشكل أكبر على الطبقة المتوسطة، خصوصا الطبقة العليا من الطبقة المتوسطة، تلك الطبقة التي تسكن المدن الكبرى بطبيعة الحال، وتتمتع بقدر من الرفاه الاقتصادي، والمؤهلات العلمية والعملية..

أما اليوم فنستطيع أن نقول إن الحراك الذي بدأ في العشرين من سبتمبر الماضي (2020م) كان يعتمد على طبقة الكادحين والفقراء، لقد كانوا هم غالبية المتظاهرين، وهم يسكنون القرى، أو ضواحي المدن على أفضل تقدير، ويختلفون عن إخوانهم الذين كانوا في (2011) في أشياء كثيرة، في المستوى الاجتماعي والتعليمي وغيرها..

*       *       *

متظاهروا (2011) كانوا شبابا، طبعا لا نستطيع أن نزعم أنها ثورة جيل واحد فقط، ولكن لا شك أنها كانت ثورة شبابية، بحكم التركيبة السكانية لمصر في ذلك الوقت، حيث إن غالبية السكان في سن الشباب.. ولو قدرنا متوسط أعمار المتظاهرين عام (2011) يمكننا أن نقول إنه في حدود الخامسة والعشرين..

أمام اليوم.. فنحن نرى عشرات المراهقين – بل الأطفال – في الشوارع، وهذا مؤشر له دلالات في غاية الأهمية.. فالجالسون في القصور يعيشون في العقد السابع، أو الثامن من العمر، بينما الشباب في العقد الثاني والثالث.. يتظاهرون في الشوارع.. وبالتالي نستطيع أن نستنتج لمن المستقبل غدا !

*       *       *

ثائر عام (2011) كان غاضبا بلا شك، ولكن غضبه مختلف، فهو غضب منضبط، تحكمه السلمية، وكان للحراك كله كوابح، عشرات الشخصيات العامة، والتنظيمات السياسية، ورجال الدين، ومؤسسات إعلامية، مع تفوق كاسح في وسائل التواصل الاجتماعي..

هذه التوليفة تمكنا من خلالها – نحن الداعين للتظاهر في (2011) – من فرض السلمية كقيمة أساسية من قيم الثورة، وكمظهر حضاري ما زالت ثورة يناير تفخر به إلى اليوم..

كانت هناك جماعات شبابية، مثل حركة السادس من إبريل، والاشتراكيين الثوريين، والحملة الشعبية لدعم ترشح البرادعي.. بالإضافة لشباب الأحزاب، وعشرات الشخصيات العامة التي كانت موجودة في الميدان وسط الناس.. أضف لذلك الأحزاب، وجماعة الإخوان.. والخ

أما اليوم.. فلم يبق أحد !

فقد تفرقت النخب.. بين شهيد أو معتقل أو منفي، أو مجبر على السكوت.. بل ربما مجبر على الموالسة..

لذلك أصبح المواطنون وجها لوجه مع الدولة، دون ضوابط أو كوابح !

النظام يواجه مواطنا غاضبا، لا يرى فيه نظاما شرعيا أصلا، وهي مواجهة مباشرة، ولا يكاد يوجد من يتفاوض باسم هؤلاء البسطاء الذين يدافعون عن أنفسهم ضد قطيع من الضباع المسعورة..

هذا المتظاهر ما زال حتى اليوم ملتزما بالسلمية.. ولكنه ليس قليل الحيلة، فبرغم سلميته يواجه الرصاص بشجاعة، ويخطف بعض الجنود من شرطة مكافحة الشغب..

لو تحوّل هذا المتظاهر إلى خيار خشن.. لا يوجد من يستطيع أن يمنعه.. فهذا المتظاهر لا علاقة له بالنخب التي كانت يمكن أن تكبح متظاهري عام (2011).

*       *       *

استكمالا لموضوع الغضب.. لا شك أن الغضب شرط من شروط الثورة والتغيير.. ولكنه ليس الشرط الوحيد ولا الأهم.

لا بد من قيادة.. وهذه القيادة لا بد أن تقدم للمجتمع أملا مبنيا على رؤية مبدئية لما يمكن تحقيقه من مكاسب مقابل مخاطرة النزول إلى الشوارع..

لا يتوفر الآن في مصر إلا الغضب، وهو غضب قادر على إحراق العباد والبلاد، ولكن تغييرا ناتجا عن الغضب فقط سيكون تغييرا في الوجوه والأشكال لا أكثر..

النخبة المصرية فقدت مركزها في القيادة، وهي حتى الآن لم تشعر بذلك، وما زال كثير منها يظن أن بإمكانه توجيه الجماهير دون تحقيق اصطفاف يحظى باحترام وثقة هذه الجماهير.. ربما لو تابع القارئ البيانات التي صدرت في الفترة الماضية سيلاحظ أن النخبة تصدر بيانات وكأنها هي من أشعلت هذا الحراك.. والحقيقة أنها لا تملك أن تحرك مواطنا واحدا !

(والحقيقة أيضا أن هذا الحراك في جوهره لم يكن استجابة لدعوة شخص بعينه، وإنما كان رد فعل حتمي لغضب طويل مكبوت نتيجة سياسات حمقاء باطشة.)

*       *       *

نقطة أخرى أظنها تهم القارئ الكريم.. ثوار (2011) نزلوا إلى الشوارع وكنا نظن أو نقدّر أن وراء كل متظاهر استجاب للدعوة ثلاثة يؤيدونه، ولكنهم لم ينزلوا بأنفسهم، أما ثوار اليوم.. فتأكد أن خلف كل واحد منهم ربما عشرة.. أو عشرون مواطنا يرغبون في النزول، ويتمنون إسقاط هذا الرئيس، وتغيير هذا النظام.. ولكنهم لم يتخذوا قرار النزول بعد، بسبب شدة البطش، ولأسباب أخرى لا مجال لذكرها الآن..

إن الأعداد التي نراها اليوم لا تعكس حجم الغضب الحقيقي، بل هي مجرد رأس صغير لجبل جليد ضخم، والغاطس من هذا الغضب أضعاف أضعاف ما نراه !

هؤلاء المتظاهرون الأبطال.. طليعة.. فرقة استكشافية.. ولو نزل عُشْرُ الراغبين في إسقاط هذا النظام لامتلأت الشوارع بملايين المتظاهرين !

*       *       *

آخر النقاط.. هل يمكن أن يؤدي هذا الحراك إلى تغيير؟

في رأيي الشخصي أنه يمكن أن يؤدي إلى تغيير محدود، تغيير مرحلي، لا يرضي ثوار (2011)، ولا ثوار (2020)، إنه تغيير تكتيكي بهدف استمرار الاستبداد، ذلك أن الحكم العسكري جاهز بسيناريوهات أخرى في حالة التخلص من رأس النظام، وهذه السيناريوهات ستعطل قطار التغيير قليلا، ولكنها لن توقفه أبدا !

هل تملك المعارضة المصرية أي سيناريوهات؟

للأسف الشديد لا تكاد تملك المعارضة المصرية شيئا تقدمه للأمة المصرية، وكل من على الساحة اليوم لا وزن لهم، ولا كلمة لهم في الحراك، هذا حراك لم يبدأه أحد من النخب، ولا يستطيعون أن يوقفوه إن شاؤوا.. مهما ادعوا عكس ذلك.

واجبنا أن ندعم هؤلاء البسطاء لابسو الجلابيات الجميلة، الذين نزلوا حاسري الرؤوس، كاشفي الوجوه، في شجاعة لم نر لها مثيلا منذ سنوات طوال..

ولا أقول إن مصر كسرت حاجز الخوف في (2020).. لأنها كسرت حاجز الخوف في (2011)، وكل من يظن أنه قد بنى ذلك الحاجز مرة أخرى واهم، وعليه أن يتذكر عشرات الحوادث التي حوصرت فيها أقسام الشرطة أو اشتبك فيها المواطنون مع النظام لأسباب سياسية أو غير سياسية (قضية عفروتو في المقطم، قضية إسلام الاسترالي في المنيب، قضية جزيرة الوراق، احتجاجات حليب الأطفال، آلاف التظاهرات المسيسة منذ عام 2013 إلى عام 2015، ثم بعد ذلك تظاهرات تيران وصنافير.. والأحداث أكبر وأكثر من أن نحصيها)..

نحيي شعبنا الذي ما زال يثبت عظمته وأصالته وصموده، وما زال يثبت أنه شعب لم يجد النخبة التي تستحقه، ولم يجد السياسيين الذين يمثلون عظمته.

عاشت مصر للمصريين وبالمصريين..

 

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21