شهداء.. وانتهازيون !

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 13-9-2020 م

 

بكت مصر وفي القلب منها مدينة الإسكندرية بلوعة أم فقدت ابنها في يوم عرسه حزنا على الشهيد الدكتور عمرو أبو خليل.. ذلك الرجل الهيّن الليّن.. الحنون الصبور.. الناصح الأمين.. مهوى أفئدة المكلومين.. العالم الباحث الطبيب الخبير الثقة.. ذلك الرجل الذي أنقذ عشرات الشباب من مشاكل نفسية لا يعلم عواقبها إلا الله، خصوصا في هذا الزمن الذي يفيض بالقتل والسجن والإرهاب والإحباط.

بكت مصر بعد أن قتلته يد الظلم مع سبق الإصرار والترصد.. بلا رحمة.. لم يمت صدفة، ولا خطأ، ولا شبه خطأ.. بل قتلوه وما شُبِّهَ لهم !

نراه – نحن دعاة التغيير – شهيدا، نحسبه كذلك والله حسبه وحسيبه، نراه في مسيرة طويلة من الشهداء، نراه نال مكانته في الآخرة، ووداعه أثبت مكانته في قلوب الناس في الدنيا.. فما رأينا أحدا من أهل الخير إلا بكاه ورثاه.

ولكن.. كيف يراه قاتله؟ ولماذا قتله؟

لقد قتل هذا الرجل الطاهر لأن القاتل رآه جنديا في معركة التغيير !

صحيح أن الدكتور عمرو لم ينتم لأي فصيل سياسي، ولم يكن له أي نشاط سياسي، ولكن قاتله لا يرى الأمور على حقيقتها، فلا يرى المتهم بريئا حتى تثبت إدانته، ولا يرى كلَّ نفس بما كسبت رهينة، ولا يرى البدهيات بأن لا تزر وازرة وزر أخرى.. بل يرى الدنيا بمنطق الأبيض والأسود، فإما أن تكون معه وتثبت أنك تابعه بشتى الطرق.. وإلا فأنت مع "الأشرار".. خصوصا إذا كان لك أب أو أم، أو أخ أو أخت، أو قريب من أي جهة كانت، أو صديق من قريب أو بعيد.. له دور في معركة التغيير.. وجميعنا يعرف شقيق الدكتور عمرو.. الحقوقي الدكتور هيثم أبو خليل، ودوره في تسليط الضوء على قضايا المظلومين.

لقد كان للشهيد جريمة مزدوجة.. فله صلة قرابة بشخص يراه النظام مزعجا، وفي الوقت نفسه يقوم بأعمال تصب في صالح معركة التغيير (حتى لو كان ذلك بشكل غير مباشر في نظرنا من خلال عيادته ودوره في توجيه الشباب).

إن جميع السياسيين والنشطاء والحقوقيين اليوم يخوضون معركة صمود في غاية الصعوبة بعد أن قرر النظام منذ عدة سنوات اللجوء إلى نظام (الرهائن)، فأصبح في السجون اليوم عشرات بل مئات (الأسرى) الذين لا ذنب لهم سوى قرابتهم لفلان أو علان من الأسماء التي يراها النظام مزعجة بشكل أو بآخر !

*       *       *

اعتداءات الدولة على منازل المواطنين تثبت أن هذا النظام ليس أكثر من امتداد لحكم المستعمر، وتغيرت الطبيعة الوظيفية للنظام مع تغير الكفيل (الاستعماري) من انجلترا، إلى أمريكا، إلى إسرائيل.

لا يهدم بيوت المواطنين جيش وطني.. أبدا !

لا يهدم بيوت المواطنين في أي مكان في العالم.. بشكل منظم.. في أماكن متفرقة.. على مدار أعوام وأعوام.. بحجج واهية.. إلا جيش مستعمر.. ولو رفع علم الدولة، ولو تحلى بكل صفات أهل البلد، ولو كان عساكره جياعا مثل بقية الشعب، ولو كانوا لا يجدون قوت يومهم، أو ثمن تذكرة القطار..

التعاطف مع العسكري الغلبان.. لا يمكن فهمه إلا مع موجة الغضب من العسكري الذي يقود البلدوزر.. وكل ذلك تحت ظلال سيف العسكري الذي يجلس على الكرسي، ولا هم له سوى البقاء على الكرسي، ذلك الوثير الذي لم يحلم يوما بالاقتراب منه، فضلا عن لمسه، ناهيك عن الجلوس عليه.

الناس يدافعون عن بيوتهم اليوم، ولكنهم للأسف بلا ظهير، بلا نخبة تقود، إنهم مكونات قنبلة متفرقة، لا تجد من يجمعها، ويضعها في المدفع، ويطلقها على أسوار قلعة المعتدي، ليفتح ثغرة في أسوار السجن، يخرج منها الناس مطالبين بالوطن الذي يستحقون !

*       *       *

في الوقت الذي يواجه في الناس بلدوزرات الهدم، ومصفحات الأمن، وميكروفونات إعلام النظام المأفون، في الوقت الذي يناضل فيه من يناضل، ويصبر فيه من يصبر، نرى النخب المصرية عاجزة عن التوحد، وفي هذا الوقت نفسه نرى كثيرا من الأقزام يستغلون فراغ الساحة ليضعوا أنفسهم في موضع القيادة، مستغلين في ذلك بعض أصحاب النوايا الطيبة.. ما أسوأ هؤلاء المتسلقين الذين يوظفون مطالب المصريين من أجل زيادة عدد متابعيهم على وسائل التواصل !

قرار النزول عائد لمن سيدفع ثمن النزول.. قرار نزول الشارع يأخذه الشعب، ولكن التفكير في ما بعد النزول واجب.. والتفكير في من الذي يدعو إلى النزول – بعد أن خدعنا ألف مرة – واجب أكبر من أي واجب..

ما أعجب أن ترى في مصر أمثال الشهيد الدكتور عمرو أبو خليل، الذي قدم روحه فداء لهذا الوطن، قدمها في صمت وتفان، ودون أي ضجيج.. وترى هؤلاء الذين لا يفعلون شيئا سوى الضجيج.. حتى لو كان الثمن قتل الناس.. أو سجنهم.. أو تدمير حياتهم.. من أجل مزيد من (اللايك) و(الشير) !

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21