مصر المنكوبة

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 6-9-2020 م

 

في عالم تتصارع فيه القوى على الموارد الشحيحة، وفي وقت تُطبق فيه الزيادة السكانية على رقبة البلاد، وفي ظروف إقليمية تتصاعد فيها دعوات الحرب لسبب ولغيرما سبب، وفي عالم لا يرحم فيه القوي الضعيف.. قرر نظام الحكم في مصر أن ينشئ ما يسمى بـ(صندوق مصر السيادي)، ثم قرر بعد عدة شهور من إنشاءه إجراء تعديلات في قانون هذا الكيان، ونصت التعديلات على ألا ترفع الدعاوى ببطلان العقود المبرمة من الصندوق، وكذلك القرارات أو الإجراءات التي يتخذها استنادا على تلك العقود، إلا من (طرفي التعاقد دون غيرهم).. أي أنه لا يحق إلا للصندوق والجهة المالكة (الطرف الثاني في العقد) دون غيرهما، الطعن على قرار رئيس الجمهورية بنقل ملكية الأصول العامة إلى الصندوق السيادي، أو الإجراءات التي اتخذت بناء على هذا القرار.. وكأن هذه البلاد بلا صاحب !

لم يفت صندوق مصر السيادي – من أجل مصر ومستقبلها – أن يعلن منذ أيام قرارا بنقل ملكية عدد من المباني والعقارات التاريخية وسط القاهرة إلى الصندوق.

وحسب الجريدة الرسمية، قاربت المساحة الإجمالية لأراضي تلك الممتلكات 190 فدانا، أو ما يوازي 800 ألف متر مربع، وشملت 7 عَقَارات رئيسية أبرزها مبنى مجمع التحرير الواقع في ميدان التحرير، إضافة إلى المقر القديم لوزارة الداخلية قرب المنطقة ذاتها.

وشملت أيضا المقر السابق للحزب الوطني الذي تعرض لحريق أثناء ثورة 25 يناير، وقد هدم المبنى من سنوات.

كما شمل النقل مواقع أخرى في القاهرة وطنطا بإجمالي مساحة قاربت 177 فدانا.

الصناديق السيادية في العالم كله تهدف إلى استثمار فوائض الميزانيات والثروات، ولكن في مصر المنكوبة.. نرى سطوا بقوة السلاح، وبسطوة القانون على ثروات الأمة.. وقاطع الطريق الذي يقوم بذلك محصن بكل أشكال الحصانة القانونية..

لقد تحولت كلمة (القانون) نفسها إلى كلمة بذيئة !

*       *       *

في الوقت الذي تجاهر فيه "إثيوبيا" بمراحل ملء سد النهضة، كانت نشرة الأخبار في القناة الأولى والفضائية المصرية تطمئن قلوب المصريين على مستقبل البلاد، فتنسيقية شباب الأحزاب أصدرت بيانا ينفي انضمام السيدة دعاء خليفة – لا تسلني من هي أصلا – لتلك التنسيقية لأنها تجاوزت الأربعين (كادت المذيعة أن تقول عنها "كركوبة")، كما أنها سيدة سيئة السمعة (هكذا قال البيان الذي أذيع في النشرة الرسمية للقناة الأولى للدولة).. نشرة الأخبار الرسمية.. تنتفض دفاعا ضد بعض البوستات على الفيس بوك طالت ضابطا ما في موقع ما !

حين أعلنت "إثيوبيا" انتهاء المرحلة الأولى لملء لسد النهضة.. قرر النظام في مصر القبض على بعض الشهود في ما يسمى "قضية الفيرمونت"، وتحويلهم إلى متهمين في قضايا أخرى، و"الحبل على الجرار"، و"الحساب يجمع".. كما قامت بإجراء بعض كشوفات العذرية، والفحوصات الشرجية.. لكي تتحقق العدالة.. النظام القضائي في مصر ينقب عن العدالة في أي "خرم" يمكن أن تختفي فيه الأدلة والبراهين !

*       *       *

بلد تحاصره إسرائيل بالقنابل النووية، فترد عليه بمزيد من التطبيع والخنوع الكامل.. وتحاصره "أثيوبيا" ودول منابع النيل بمشاريع تقتل الحياة في وادي النيل قتلا، فترى النظام الذي كدس أسلحة بعشرات المليارات يتصرف كعذراء خجلى، لا تستطيع رفع صوتها في حضرة الرجال، فهذه الأسلحة ليست للحب، بلل للعمولات.. وهذه العذراء نفسها "تردح" لكل من يعارض الظلم والاستبداد بتسريبات جنسية، وقضايا فساد لا يعلم أساسها إلا الله.

قرر النظام في مصر أن يتجاهل التهديدات الوجودية التي تحاصر الأمة وأن يتفرغ لمراقبة من يعتبرهم معارضين، فتفتح ملفات قديمة لصلاح دياب، ولأحمد شفيق، ويصدر أحكام على الحقوقي الكبير بهي الدين حسن، ويحتفظ بعشرات الرهائن من أقارب وأسر المعارضين في الخارج في سجونه.

يتفنن أهل الحكم في مصر في تسفيه اللحظة العصيبة التي تعيشها الأمة، فيتنازلون عن "تيران وصنافير"، ويتنازلون عن عشرات الآلاف من الكيلومترات التي تحتوي على ثروة غازية بمليارات الدولارات.. لمجرد إغاظة تركيا، ولمجرد الحصول على شرعية دولية مؤقتة، تتيح لرأس النظام التباهي بدخول البيض الأبيض وقصر الإليزيه.

تتنازل مصر عن هذه الثروات في الوقت الذي تخوض فيه دولة مثل تركيا حروبا دبلوماسية، ربما تتحول إلى اشتباك عسكري، من أجل هذه الثروة الكبرى !

*       *       *

في ظل هذه الأوضاع.. تجد المعارضة المصرية في حالة تدعو إلى الضحك أكثر مما تدعو إلى الرثاء !

مجموعة من الانتهازيين العجائز، لا هم لهم سوى مصالحهم (شخصية كانت أو حزبية)، يتحدثون عن توحيد المعارضة المصرية.. ويتحدثون في الوقت نفسه عن الهوية !

يتحدث بعضهم عن معاني وقيم كانوا دائما سببا في تسفيهها، وحجر عثرة في طريق تحقيقها، يتحدثون عن اصطفاف طالما قاوموه لأنه قد يؤثر على مواقعهم في الصدارة، لأنه ربما يمنح فرصة لمن هو أكبر قدرة على العمل، وأشد فهما للواقع الدولي المعقد.

يعلن بعض حسني النية اليوم (حكومة) من الخارج، مما يعطي انطباعا بأن المعارضة المصرية مجموعة من المجانين المخابيل !

هذه الصورة عن المعارضة المصرية غير حقيقية، والحقيقة أن المعارضة المصرية اليوم هي أقوى معارضة في تاريخ مصر، ولم يحدث في تاريخ مصر الحديث أن توحدت مصالح الجميع بهذا الشكل، ولكن المشكلة في قيادات تلك المعارضة.

من يملك الموارد من المعارضة.. لا هم له إلا نفسه، ولا يملك مشروعا حقيقيا لتوحيد الجماهير والنخب.

ومن يملك المشروع الوطني الحقيقي القادر على توحيد الأمة، والقادر على جمع شتات المعارضين في الداخل والخارج، ويملك روح الشباب الدافعة للعمل.. لا يملك من الموارد شيئا !

*       *       *

مصر المنكوبة بحكامها.. وبمعارضيها المشاهير الأشاوس.. ستتخلص قريبا من كل هذه القيود، وستتغلب على هذه العثرات.. كما فعلت دائما.. ستنقذ مصر نفسها، وستنقذ محيطها العربي والإسلامي.. كما فعلت دائما !

 

 

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21