المؤمن الحمار

قالت السيدة "جاسيندا أرديرن" رئيسة وزراء نيوزلندا (آمل أن يكون اليوم هو الأخير الذي نضطر فيه لسماع أو نطق اسم الإرهابي الذي يقف وراء ذلك).. كانت تتحدث عن الشخص الذي ارتكب مجزرة مسجدي "كرايست تشيرش"، بعد أن حكمت عليه محكمة نيوزلندية بالسجن المؤبد مدى الحياة دون عفو مشروط، في عقوبة غير مسبوقة في تاريخ هذا البلد.

سألتزم بما قالته هذه السيدة.. ولن أذكر اسم هذا القاتل.. فهو لا يستحق الذكر، وكم يجدر بنا أن نعاقبه بالنسيان.. نسيانه خذلانه.. وذكره تمجيد لجريمته، وتشجيع لآخرين يشتهون أن يدخلوا التاريخ من فوهة المسدس.

هناك ظاهرة إنسانية أسميها (المؤمن الحمار).. ربما يعبر عنها سيء الذكر ذاك !

إنسان جاهل محدود الإمكانيات العقلية، ضعيف التعليم، يعتنق فكرة ما، ويتعصب لها، ويعميه إيمانه بها عن أي نقد موضوعي لها، خصوصا إذا تم تلقينه هذه الفكرة منذ الصغر.

هذه الظاهرة حذرنا منها الرسول الكريم.. فأوضح في أحاديث كثيرة فضل العالِم على العابد، وأن العابد الجاهل يضل.. عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فضل العالِم على العابد كفضلي على أدناكم"، وقال عليه السلام أيضا: "إن الله وملائكته، وأهل السموات والأرض، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير"..

فالعالِم هو الذي يمنح العابدين أعينا توصلهم إلى الجنة، هم عميان إذا لم يهتدوا به، وبدون العالِم فإن العابدين في مكائد الشيطان واقعون حتما لا محالة.. الطريق إلى الله يحتاج إلى العلم، قال تعالى "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ".. وقال صلى الله عليه وسلم: "فضل العالِم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر".. وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد"..

فالعابد لا يعرف الحق من الباطل، وسيقع في حبائل الشيطان حتما.. قد يقتل الأبرياء وهو يظن أنه يتقرب إلى الله.. المؤمن الجاهل يمكن أن يكون حمارا.. وهو يظن أنه في أعلى مراتب الإيمان ! 

هذا السفاح الأسترالي تقرب إلى الله بعبادة "قتل الكفار"، كان يظن أن ذلك يرضي ربه، والحقيقة أن جهله هو ما صوّر له أن قتل هؤلاء الأبرياء شعبة من شعب الإيمان.

كثيرا ما ترى هذا (المؤمن الحمار) عنيفا مع مخالفيه، غير قادر على الحوار مع الآخرين، بل إنه غير قادر على فهم وجهات النظر الأخرى داخل معتقده الشخصي، ولا يوجد معتقد في الدنيا لم يحدث فيه اختلاف بين معتنقيه أنفسهم.

تراه يحفظ كثيرا من الادعاءات والردود عليها، يحفظ كثيرا من المناظرات (لعله في الليل يناظر نفسه)، يردد آراء الآخرين وكأنه مبدعها، كأنه وصل لها باجتهاده الشخصي، وما هو إلا مقلد..

إذا دربت حمارك على الطريق من النقطة ألف.. إلى النقطة باء.. سيحفظ الطريق، وسيسير فيه يوميا، بل إن هذا الحمار سيتمكن من أداء هذا المشوار الروتيني بدونك، لا يحتاج الحمار مرشدا ليقوم بهذا التكرار البسيط..

هذا النوع من المؤمنين يقوم بمشوار فكري.. ولكن بطريقة الحمار الذي يحفظ الطريق !

رأينا جميعا من هذا النوع كثيرين، وكانت تقلباتهم الفكرية تدعو إلى الرثاء، كثير منهم ينقلب من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين.. من تطرف إلى تطرف.. كثير منهم يتقلب بين الأفكار بلا منطق.. بل تدفعه سطحيته إلى التجربة دون تريث أو تدقيق.. بعضهم يصل في النهاية إلى قرار، وبعضهم يظل متقلبا بسبب لا منهجيته إلى آخر عمره.

لو ألقى أحدٌ كتاب تعريف بالإسلام من تحت باب الزنزانة لهذا (المؤمن الحمار).. الاسترالي المجرم الذي قتل أكثر من خمسين بريئا.. لو حدث ذلك.. لا تستغرب إذا رأيته قد اعتنق الإسلام.. وندم على فعلته..

كلي أمل أن لا يعتنق حينها نسخة متطرفة من الإسلام !

عزائي لكل ضحايا هذه المجزرة.. والله أسأل أن يخلصنا من هذا الأنموذج من المؤمنين المتعصبين.. الذين يحملون أسفارا..

*        *        *

لا يكتمل الحديث في هذا الموضوع إلا بذكر النموذج الآخر، وبضدها تتميز الأشياء، لذلك أذكر القارئ الكريم بالنائب الهولندي "يورام فان كلافيرين" وقصته المثيرة.

هذا النائب الذي كان عضوا في البرلمان الهولندي عن حزب الحرية اليميني المتطرف، وكان اليد اليمنى لرئيس الحزب المتطرف "خيرت فيلدرز".

قرر هذا النائب تأليف كتاب عن الإسلام، لقد حاول أن يبحث عن الحقيقة بحياد، بدأ بحثه كارها للإسلام.. فقاده البحث العلمي إلى اعتناق الإسلام.. وأصبح عنوان الكتاب (الارتداد: من المسيحية إلى الإسلام وسط الترهيب العلماني) !

لقد كان يبحث عن الحقيقة منذ زمن.. ولم يكن مؤمنا (حمارا) !

ستلاحظ أن الفارق الأهم بين السفاح الاسترالي، وبين النائب الهولندي.. أن الأول جاهل، والثاني متعلم.

*        *        *

ظاهرة (المؤمن الحمار) تتجاوز المعتقدات الدينية إلى الأفكار السياسية، والأيديولوجيات الفلسفية، والتحيزات الوطنية.. فتجد كثيرا من الناس يسيرون بمنطق الحمار الذي يمشي مشواره اليومي من نقطة ألف.. إلى نقطة باء !

في وطننا العربي المنكوب بحكامه يتم (تصنيع الحمير)، إنه (خط إنتاج) بدأ منذ عشرات السنين..

نرى اليوم مئات المعارك بين المؤمن الحقيقي والمؤمن الحمار.. فهذا يحاول إقناع هذا بأن الحياة أوسع من مشواره الفكري الساذج بين نقطتين، هذا المشوار المزيف الذي حشرته أجهزة الأمن والإعلام في رأسه.. والآخر يعتبر مشواره هو الكون كله، وهو الحق المطلق، وما سواه ضلال مبين.

ولكن أكثر ما يبكي ويضحك هو المعارك التي تندلع بين طرفين كلاهما (مؤمن حمار).. هذا يرجم الآخر بفكرة حمارية وطنية، فيرد عليه الآخر بفكرة حمارية دينية.. وتهلك شعوب وأمم تحت حوافر تلك الحمير !

*        *        *

أعلن النظام المصري منذ يومين عن القبض على القيادي الإخواني "محمود عزت" بعد أكثر من سبع سنوات من المطاردة.

أعلن النظام ذلك بلغة القوي.. المنتصر الذي لا يهزم، ولست أدري ما الذي يدعو إلى الفخر في مسألة القبض على شيخ يقترب من الثمانين، خصوصا أن عملية "القبض" المزعومة كانت في منطقة "التجمع الخامس"، أي أنه لم يكن متخفيا في الجبال، ولا متنكرا في زي شحاذ من بلاد الصين.. !

أرى كثيرا من (المؤمنين) بالنظام يصورون الأمر على أنه نصر للأمة المصرية على الإرهاب، ولا أدري هل أبكي؟ أم أضحك؟

ظني أن القبض عليه سيشعل معركة داخل بعض "فصائل" المعارضة المصرية، وسنجد في هذه المعارك دفاعا مستميتا عن أفكار شديدة التهافت، أفكار تتعلق بتمجيد بقاء كل شيء على ما هو عليه.. كم أتمنى أن نحاول التعلم من الأحداث، وأن نفهم الحركة السريعة التي يتميز بها عصرنا..

هل لهذا الأمر علاقة بعنوان المقال؟

أترك إجابة ذلك للقارئ الكريم..