ورحل هارون هاشم رشيد

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 2-8-2020 م

 

رحل عن عالمنا الأسبوع الماضي في السابع والعشرين من يوليو 2020م الشاعر الفلسطيني الكبير هارون هاشم رشيد.. توفي ابن غزة الأبية في كندا، في منفى امتد عشرات السنين، وقد كرّس حياته كلها للقضية الفلسطينية.. عاش أكثر من ثلاثة وتسعين عاما، كتب الشعر لأكثر من ستة عقود، انتشرت أشعاره في الوطن العربي كله، عبر دواوينه الشعرية، ومن خلال أصوات كبار مطربي الوطن العربي.. فيروز، ومحمد فوزي، وفايدة كامل، وكارم محمود، ومحمد عبده، وطلال المداح.. وغيرهم..

صدر له أكثر من عشرين مجموعة شعرية، وعمل دبلوماسيا في مواقع مختلفة من خلال منظمة التحرير الفلسطينية، ومن خلال السلطة الفلسطينية، ولكنه ظل في جميع أحواله ومواقعه الشاعر الفلسطيني المهموم.. شاعر الثورة.. شاعر العودة.. شاعر القرار 194.. وغيرها من الألقاب التي حملها عبر تاريخه الطويل..

*       *       *

عرفته في القاهرة.. قال لي بحب أبوي:

(في شبابي التقيت بالشاعر عمر أبو ريشة.. وقال لي "أنت تذكرني بنفسي في شبابي يا هارون".. وأنا أقول لك اليوم.. أنت تذكرني بنفسي في شبابي يا عبدالرحمن..)

هكذا قال لي.. ومن مثل هارون هاشم رشيد في شبابه أو شيخوخته.. إنه جيل لا مثيل له !

قرأت له منذ مراحل التفتح الأولى.. منذ ما يقرب من أربعين عاما.. حين كانت القضية الفلسطينية مسلّمة من مسلماتنا التي لا تقبل الجدل، وكان كل من يُعبّرُ عنها وعن آلامها نعتبره بطلا، نعتبره صوتنا، يصرخ بأوجاعنا، بأشواقنا للمسجد الأقصى، بحبنا للصامدين في الأرض المحتلة !

لم يكن هارون هاشم رشيد يعلم.. ولم نكن نعلم أن الزمان سيدور، وأن مجرد التعاطف مع القضية الفلسطينية سيعتبر تطرفا، وإرهابا، وإنكارا "للآخر"، وأحلاما "قومجية"، وتجارة بالدين، وأمنيات "إخوانية"، مخدرات يستغلها من يروجون لعودة الخلافة !

لقد بدأ هذا الرجل كتابة الشعر وهو شاب صغير لم يكمل العشرين، وظل يكتب لأكثر من نصف قرن بالروح نفسها.. بروح ذلك الشاب الذي لم تفتّ في عضده النكبات والنكسات..

لقد كان مثلا للسائرين على هذا الطريق.. لقد كان قدوة لي أنا.. رأيت فيه معنى (صمود الكاتب.. وخلود الشاعر.. وصبر المناضل.. وثبات المؤمن) !

لقد رأيته قدوة لي.. وكم يحتاج السائرون على هذا الطريق إلى نماذج للصمود !

*       *       *

اقرأ معي أيها القارئ الكريم هذه القصيدة التي كتبها هارون هاشم رشيد ابن غزة الأبية، وغنتها المطربة فايدة كامل:

 

لَنْ يَنَام الثّأْرُ في صَدْري وإِنْ طَالَ مَدَاهْ ..

لا ولَنْ يَهْدَأَ في روحي وفي قلبي لَظَاهْ

صَوْتُ أُمِّي لَمْ يَزَلْ في مَسْمَعِ الدًّنْيا صَدَاهْ ..

وأبي ما زَالَ في سَمْعِي وفي رُوحي نِدَاهْ

أَنْ تَقَدَّمْ.. ثَابِتَ الخَطْوِ إلى الحَقِّ تَقَدَّمْ..

وتَقَحَّمْ..

حَالِكَ الأهْوالْ..

سَوْفَ تَطْويكَ الليالي السُّودُ إِنْ لَمْ تَتَعَلَّمْ..

كَيْفَ تُطْفِي غلةَ الثّأرِ بنيرانٍ وَدَمْ..
 

أتأمل في هذه الكلمات.. وأتخيل لو أن شاعرا شابا كتبها اليوم.. لن يكون مصيره الإقصاء من جميع المنابر الثقافية الرسمية في غالبية دول الوطن العربي.. بل ربما يكون مصيره السجن بـ"تشكيلة" من تهم الإرهاب !

*       *       *

في هذه الأيام التي يحكمنا فيها أذناب الصهاينة.. تعبر أشعار هارون هاشم رشيد عن معاناة العربي في وطنه وكأنها معاناة الفلسطيني مع محتله الصهيوني.. لذلك أترككم مع هذه القصيدة التي تحتار هل يتحدث الشاعر فيها عن مساجين في سجون الاحتلال.. أم معتقلين في سجون الأنظمة العربية !ّ؟

 

صَباحُ الخَيرِ لِلسُجَناء
(إليهم.. إلی کل الأسری والسجناء في ليل السجن الصهيوني)
 

(1)
صَباحُ الخَير...
تَحمِلها إلی الاَحباب
أَسرابُ الحَساسِينِ...
تَدورُ بِها مولهةً عَلی کُلِّ الزَنازِينِ...
تَحُطُ علی شَبابِيك مُغَلَّقة
وَتُنشِدُ لِلمَساجِين...
وَتَحمِلُ شِلحَ زَنبقَةٍ لَهم
أَو غُصنَ زَيتُونِ...
مِنَ الوَطنِ الَذی لا مِثلُه
أَحلَی
مِنَ الوَطَنِ الفَلسطيني...


(2)
تَقولُ لَهُم: صَباحُ الخَير
لِلغُرِّ المَيامِينِ...
صَباحُ الخَيرِ مِن "عکّا"
وَمِن "يافا"
وَمِن رَبَواتِ حَطِّينِ...
وَ مِن "غزة"
مِن مَسجِدِها المَعمُورِ
مِن نَفحِ البَساتِينِ...
 

(3)
صَباحُ الخَيرِ مِن أَهليکُمو البُسَطاءِ
مِن لَيلِ المَساکِينِ...
وَمِن أَوجاعِ مَظلُومٍ
وَمِن أَنَّاتِ مَحزُونٍ...
صَباحُ الخَيرِ
مِن تَوقِ النَّوی المَشبُوبِ
مِن نَبضِ الشَرايينِ...


(4)
صَباحُ الخَيرِ
يا أَحبابَنا الاَحرار
يا أَمَلَ المَلايينِ...
وَ يا لَمعَ السَّنا،ِ وَالضَّوءِ...
عَلی مِيعادِنا نَبقی
عَلی العَهدِ الفَلسطيني...
 

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21