انفجار بيروت.. الدولة العربية مجرمًا !

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 9-8-2020 م

 

نعزي أنفسنا، ونعزي لبنان الحبيب، بل نعزي الإنسانية كلها.. كان المشهد أكبر من الاستيعاب، والألم أعظم من قدرتنا على التحمل.. وكانت البشاعة أبشع من كل مساحيق التجميل السياسي التي أطلقت في الهواء لامتصاص الغضب والحسرة.. لقد خُذِلَ الناس.. وأصبح شعورهم بالوحدة طاغيا، ووقوفهم الأعزل أمام المجهول المدجج بالسلاح يرهق أعصابهم !

لا اعتذار من مسؤول يشفي جراح أحد.. ولا مجال للتسامح مع من هم في موقع المسؤولية.. فكل هؤلاء ساقوا البلاد إلى تلك اللحظة.. هم في السلطة منذ عشرات السنين، يتوارثون المؤسسات والقرار، وهذا الدمار الذي تعيشه البلاد ليس إلا نتيجة خططهم الخمسية والعشرية، وليس إلا ثمن بقائهم في السلطة عشرات السنين دون حساب.. أو دون عقاب !

*       *       *

في فرنسا العصور الوسطى.. كانت الدولة أداة الثراء السريع، وكانت المناصب مطروحة في الطريق، متاحة للبيع والشراء والإيجار.

منذ القرن الخامس عشر تقريبا والمناصب تُباع !

هل تريد أن تصبح قاضيا؟ بإمكانك شراء المنصب !

بلغ عدد تلك المناصب القضائية سبعين ألف منصب عمومي، وامتد الأمر إلى سائر مؤسسات الدولة.

هل تريد أن تصبح نبيلا من النبلاء؟ بإمكانك أن تشتري اللقب !

تجاوز عدد هؤلاء النبلاء ثلاثة آلاف "نبيل"، وكانوا يكرمون من القصر الملكي، وكانت كلمة من واحد منهم كفيلة بإلقاء أي مواطن في السجن إلى الأبد، عرباتهم المسرعة في شوارع باريس البائسة كانت تفرم أطفال الفقراء بلا أي عواقب أو حساب، بل إن الملك نفسه (لويس السادس عشر) أثناء احتفالات زواجه من الأميرة النمساوية (ماري أنطوانيت) تسبب في هلاك أكثر من مائة وثلاثين شخصا تحت الأقدام.. ورغم ذلك استمرت الاحتفالات بالعرس الميمون وكأن شيئا لم يحدث.. ولذلك بنى ما يشبه عاصمة جديدة، بعيدة عن باريس و"قرفها"، وذهب إلى قصره العامر "فرساي".. وظن أنه أصبح بعيدا عن غضب الجماهير.

المناصب العامة كانت قابلة للتوريث، بل إنها كانت قابلة للبيع أيضا !

مع بيع المناصب بدأ ما يسمى ببيع (الاستثناءات)، وهو استثناء من دفع الضرائب، أي أن صاحب اللقب أو المنصب يشتريه، ويُحصّل عن طريقه ثروة لا حدود لها من خلال تحصيله للضرائب باسم الدولة، أو تملكه لضياع ومزارع، وفي الوقت نفسه لا يدفع الضرائب المقررة في القانون.

كان حق الاستثناء يمنح للأفراد، وللجماعات.. وكانت الكنيسة أهم جماعة منحت هذا الحق، فخصص لها عشر ميزانية الدولة، وعشر أراضي الدولة، وفي الوقت نفسه تعفى من الضرائب.

النبلاء امتلكوا أكثر من ربع الأراضي الزراعية، وراكموا ثروات طائلة، وظلموا الناس ظلما بيّنا.. اشتروا حقوق الاستثناء تلك، وتهربوا بشتى الطرق من دفع الضرائب.

كثير من "غير النبلاء" اشتروا لأنفسهم استثناءات أيضا، فهيئة النبلاء كانت تبيع تلك الاستثناءات لمن يقدر على الدفع، ومن يحصل على هذا الاستثناء يستطيع أن يجمع ثروات ضخمة.

استمر الحال في التدهور ثلاثة قرون أو يزيد، حتى وصلت فرنسا إلى نهاية القرن الثامن عشر، فقامت الثورة الفرنسية.. بعد أن أصبح عبء الضرائب على الفقراء لا غير، وأصبح أقل الناس قدرة على الدفع، وأكثر الناس احتياجا للدعم.. هم فقط المكلفون بتغذية ميزانية الدولة، هذه الميزانية التي كانت تنفق في بذخ على الملك وحاشيته.. ولا ينال الفقراء منها شيء يذكر !

لقد أصبحت الدولة وسيلة الثراء.. أصبحت الدولة مجرمًا.. لصًا.. قاطع طريق.. قاتلاً !

*       *       *

هل يذكرك الكلام السابق بشيء؟

إنه وصف تفصيلي لحال أوطاننا العربية !

غالبية الدول العربية ليست إلا كيانات إجرامية، تحوّلت من دول إلى عصابات، والناس ضحاياها، وينبغي أن نفهم العريضة التي وقعها بعض المواطنين اللبنانيين مستنجدين بالسيد "ماكرون" المستعمر القديم الجديد.. ينبغي أن نفهم هذه العريضة في هذا السياق.. إنهم مجموعة من الرهائن المحتجزين من قبل عصابة إجرامية، وقد استنجدوا بأول مارٍّ على قارعة الطريق !

أوطاننا الآن حكر على طبقة حاكمة ضيقة، ودوائر الانتفاع المحيطة بالحاكم تزداد ضيقا كل يوم، والفقراء المنبوذون من الدولة يزداد عددهم، ويزداد فقرهم، ويتعمق ظلمهم.

المواطن العربي اليوم "رهينة" عند حاكمه !

لقد تعرض الشعب اللبناني لسطو على مدخراته.. من الذي سطى عليه؟ 

إنها الدولة.. وليس أي أحد آخر !

هذا ما حدث في العراق، وسوريا، ومصر، والجزائر، والسودان، واليمن.. وغيرها.

جميع مناصب الدولة لا يصل إليها إلا فئة محدودة من المواطنين، وهم من أراذل الناس، بل إن بعض المناصب في مؤسسات القوة (الجيش والشرطة وما شابهها) لا يمكن أن يصل إليها إلا أبناء عائلات معينة، ولا يدخلها أي شخص إلا من فئة محددة، وهي لا تمثل الشعب، ولا تعبأ بالشعب، فتحولت هذه المؤسسات إلى وسيلة ثراء، وأصبح واجب هذه المؤسسات إخضاع المواطنين، وإجبارهم على تمويل خزينة الدولة، لكي يستمر البذخ والسفه في قصورهم.. أوطاننا بالنسبة لحكامنا ليست إلا محفظة استثمارية تدر الأرباح..

*       *       *

هذه مشكلتنا نحن العرب.. نخب حاكمة أصبحت تشكيلا عصابيا لا هدف له سوى ممارسة الإجرام، ووسيلتهم في إجرامهم هي الدولة ومؤسساتها، أي أن الناس (الشعب) يتعرض للقتل والسرقة وقطع الطريق والجاني هو (الدولة) !

ما حدث في لبنان يثبت أن الربيع العربي كان استجابة طبيعية لفساد وظلم وقهر لا مثيل له، ويثبت أن الأمة تحتاج إلى تغيير، وأن هذه الأنظمة بتركيبتها الحالية واستغلالها لمؤسسات الدولة عبر عشرات السنين لا أمل في إصلاحها، وأن استمرارها كارثة، وأن إسقاط هذه الأنظمة هو الحل الوحيد.

*       *       *

من الأمور المضحكات المبكيات أن ترى رؤساء هذه التشكيلات العصابية (أعني بعض الرؤساء العرب) يحدثونك عن خطر إسقاط الدولة، وعن ضرورة الحفاظ على الدولة، ويهددون الشعب والأمة والشعوب الأخرى من مخاطر التغيير !

بينما لا نرى ذلك بتاتا في أي دولة أخرى !

إسقاط الدولة والنظام أمر لا يخطر على بال غالبية المواطنين في دول العالم.. ولكنه أمر حاضر في ذهن المواطن العربي باستمرار.. لأن المواطنين – بعد عشرات السنين من الإجرام المنظم – أصبحوا يفهمون أن هذه الدولة ليست منهم، وليسوا منها، وأنها مجرد آلة لسحقهم، ونهبهم.

*       *       *

تعليق مختصر في موضوع أليم:

في عام 1992م هدم متطرفون من طائفة الهندوس المسجد البابري في الهند، وهو مسجد عمره من عمر المسجد الأزهر.. زعموا أنه أقيم على أنقاض معبد الإله "رام"، وهي أسطورة لا تصمد أمام أي تدقيق تاريخي علمي.

في ذلك الوقت كتب الشاعر الشاب قصيدة "حديث الصبح"، وقد آلمه السكوت الإسلامي المطبق أكثر مما آلمه هدم المسجد، ومنذ ذلك الحين تتطور الأحداث، وها هو معبد الإله "رام" يقام على أنقاض المسجد "البابري" بحضور أكبر رأس في الدولة.. تطرف ديني رسمي مشهر.. ولا أحد في تلك الأمة يبالي !

أترككم مع قصيدة ذلك الشاب..

 

حَديثُ الصُّبْح

عن هدم المسجد البابري في الهند.. ومهزلة السكوت الإسلامي !

 

أشْرَقَ الصُّبْحُ  صارخـًا: "هَـدَمُـــــــــــــــــــوهُ"

وسَرَى الصَّوتُ في الفيافي يَـتـُـــــــــــوهُ

أشْـرَقَ الصبْـحُ عَابـِســـًا وحزينــــــــــــــــــــًا

يَـسْـألُ  الليـْـلَ  حَجـْــبَ  مـَـا  فـَعَـلـُــــوهُ

أشْـرَقَ الصبْـحُ  طالبــا عَـوْنَ قــَوْمـِـــــــــــــي

وبَكى الصبْـحُ  حينمَا خـَذَلـُــــــــــــــوهُ !

أيهــــا الصبْــحُ لا تـَمـُـــدَّ الأيـَـــــــــــــــــادي

فهنـَاكَ الأقـْصَـى..  ومـَــا عَـاوَنـُــــــوهُ !

وصُـرَاخُ الأطْفـَـــــــالِ في "سَرَيـيـفـُـــــــــو"

يَـتـَعـَالـى.. والقـَـوْمُ  مـَا  سَـمِـعـُــــــوهُ !

و أنيــنُ الأكـْــرَادِ مـِـنْ طـَعَـنــَـــــــــــــــــاتٍ

مُسْـتـَغِـيـثٌ.. والقـَوْمُ  مـَا  نـَجَـــــــدُوهُ !

أُمَّـتي قَـدْ رَمَتْ بَنِيهـَا.. ومَا أبـْـــــــــــــــأسَ

طِفْــــلاً  إذا رمـَــــــاهُ أبُـــــــــــــــوهُ !

*       *       *

أُمـَّـــةٌ تَمْنَـحُ النِّـفـَاقَ لِـسـَـانـــــــــــــــــــــــًا

وإذا قـَالَ مُنـْصِــــفٌ  أخـْرَسـُــــــــــوهُ

أُمَّــةٌ تُوطِـئُ  الجَهُــولَ ذُرَاهــَــــــــــــــــــا

وإذا قـَـــــامَ عـَالـِـــمٌ  شـَـنـَقـُـــــــــــوهُ

أُمـَّــةٌ تـَمْـنـَـحُ العُـلــُـوجَ مَـقـَامـــــــــــــــــًا

والشريـفُ المسكيــنُ قـَـدْ قـَهـَـــــــرُوهُ

أُمـَّــةٌ تـُعْـلـِــي للجُحـُــودِ بـِـنـَـــــــــــــــــاءً

كـَيـْـفَ تـَأسـَى لمَـسْجـِـدٍ هَـدَمـُـــوهُ ؟!

*       *       *

أيُّهــــا الصُّبْــحُ لا تـَمُــدَّ الأيــَـــــــــــــادي

كـَمْ صبَـاحٍ مِـنْ قـَبـْـلُ قد لـَيَّـلـُـــــــوهُ

كـَمْ وليـــدٍ مِـنْ  قـَبـْـلُ  قـَــــــــــــــدْ وَأدُوهُ

كـَمْ مـَلاكٍ مِـنْ قـَبْلُ قـَـدْ رَجَـمـُــــــوهُ

كـَمْ  نـَبـِــيٍّ  مِـنْ  قـَبـْـلُ  قـَـدْ  قـتـَلـُـــــــوهُ

كـَمْ مَسـيحٍ مِـنْ قـَبْـلُ قـدْ صلبُــــــوهُ !

*       *       *

حـَــدَّقَ الصُّبـْحُ في بَـقـَـايَـــا بـِنـَـــــــــــاءٍ

ودَعـَــا للأجـْــدَادِ مَــنْ شـَيـَّـــــــــدُوهُ

وبحُـزْنٍ شـَـدَّ الغـُـــرُوبَ فـَأمْـسـَــــــــــى

مثلـَمـَـا الـنـُّــورُ بالـدُّجـَــى قـَيـَّــــدُوهُ

وسَـرَى في الوُجـُودِ صَـوْتٌ حزيـــــــــنٌ

كـَمْ تـُرَى مِـنْ أهْـلِ النـُّهَى سَمِعُــوهُ؟!

"أيُّهـَا الصُّبْحُ.. غـَادِر الأرْضَ وارْحَــــلْ

مَا يُفيـدُ الإصْبـَاحُ منْ جَهـِلـُـــــوهُ "؟!

 

شعر : عبدالرحمن يوسف

10/12/1992

 

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21