فنجان قهوة مع أغنية لم تكتمل

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 12-7-2020 م

 

في البداية.. أحب أن أوضّح للقارئ الكريم أن هذه الحكاية قد كتبتها في سبتمبر 2013م، وهي قصة حقيقية، وهي فصل من "كتاب القهوة"، وهو كتاب بدأت كتابته منذ سنوات طوال، وأتمنى أن أنتهي منه قريبا إن شاء الله..
غني عن القول أن المقالة ليست دفاعا عن أحد، ولا هجوما على أحد..

*       *       *

في نهاية شهر أغسطس من عام 2013م، عام الانقلاب العسكري، في شهر المجزرة، رنّ هاتفي الشخصي، نظرت.. فإذ برقم دولي من دولة خليجية.. (رقم شديد التميز)، تأملت في الرقم قليلا قبل أن أرد، لا بد أن المتصل رئيس الدولة (من شدة تميّز الرقم) !

ألو.. هل يمكن أن أتحدث مع الشاعر؟

صوت أنثوي شديد العذوبة.. أول ما خطر في بالي (هذا الصوت أعرفه) !

أنا الشاعر.. من المتحدث؟ أنا فلانة (قالت الاسم بدون ألقاب) فلانة؟ فلانة فلانة؟ نعم.. أنا فلانة !

رحّبت بها بصدق، فأنا أكن لها احتراما، وذكرتها مرة في إحدى مقالاتي.. وقد ردّت على مقالتي بمقالة رقيقة.. هناك سابق "معرفة" بسبب تبادل المقالات (دون لقاء مباشر أو شبه مباشر).

تحدثت السيدة بقلب مفتوح، أثنت على شخصي، وعلى شعري.. ثم دخَلَتْ في الموضوع وقالت: (أنا مثلك حضرة الشاعر.. لست مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، أنا ضد القتل، وضد المجزرة، ولست مع القتيل في توجهاته السياسية، ولا أرى حلا لأوطاننا مع هؤلاء أو هؤلاء.. وما أريده هو أغنية تعبر عن ذلك.. ولا أرى شاعرا في الدنيا يمكن أن يكتب هذه الأغنية سواك).. ثم كرّرت مديحها الرقيق لشعري !

يبدو أنها تتابعني منذ زمن..

فوجِئْتُ بلساني يجيب: بكل سرور.. سأكتب الأغنية !

هذه المرة الأولى – ولعلها الأخيرة – في حياتي التي أوافق فيها على كتابة قصيدة (بالطلب)، ولكني لم أشأ أن أخذلها، وأنا أعلم جيدا أنها تبحر ضد التيار، وأنها تركب البحر وهو في قمة اضطرابه.

اتفقنا خلال المكالمة على أن هذه الأغنية لا بد أن ترسل أملا للجماهير.. وأن هذه اللحظة لحظة الصبر، لا اليأس..

خَتَمَتِ المكالمة بأنها ستصل القاهرة الأسبوع القادم.. قلت لها (حين تصلين ستجدين الأغنية في انتظارك)، فقالت:

وستجد فنجان القهوة في انتظارك.. ما سُكّرك؟ قهوتي سادة.. كالحياة !

ضحكت السيدة.. وانتهت المكالمة..

بعد أسبوع.. رن جرس الهاتف.. رقم مصري محلي (شديد التميز).. لولا أن الرئيس المصري الذي عينه العساكر كالتيس المستعار في ذلك الوقت كان أتفه من أن يحصل على رقم مميز لقلت إنه رقم رئيس الجمهورية !

جائني صوتها متحمسا :

مساء الخير.. هل القصيدة جاهزة أستاذ؟ حمدا لله على السلامة.. القصيدة جاهزة يا سيدتي متى نلتقي؟ غدا إذا أحببتِ غدا؟ لماذا لا نلتقي اليوم؟ الحقيقة برنامجي مزدحم اليوم.. أستأذنك أن نلتقي غدا.. صباحا لو أحببت نلتقي غدا.. ولكن أرجوك أسمعني شيئا منها.. لا أستطيع الانتظار إلى الغد !

أسمعتها جزء من الأغنية.. وهي تردد كلمات الاستحسان بحماس.. ولكن يبدو أن أذن الرقيب لم تُعجب بالقصيدة !

هاتفتها في الصباح فلم ترد.. هاتفها مرة أخرى صباح اليوم التالي.. ولم ترد.. أرسلت رسالة للاطمئنان عليها.. ولم أعاود الاتصال..

بعدها بعدة أيام.. رأيتها تغني أمام "سيسي" قائد الانقلاب ووزير الدفاع في ذلك الحين.. في أوبريت شهير جمعوا فيه العشرات من مطربي مصر والوطن العربي.. وكانت تلك السيدة على رأس هؤلاء بالطبع !

*       *       *

لا أعرف الظروف ولا الضغوط التي تعرضت لها السيدة، وإن كنت أتخيل أنها ضغوط لا قِبَلَ لأحد بها.

رأيي في السيدة أنها حين هاتفتني كانت تتحدث من قلبها، وبفطرتها، وأنها كانت تريد الأغنية فعلا، وقيل لي – والعهدة على الراوي – إنها فاتحت ملحنا كبيرا في شأن تلحين الأغنية.

وقيل لي أيضا أن المكالمة رُصِدَتْ، وأن من حولها نصحوها بنسيان الأمر، وأنها رضخت بعد أن فهمت أن المنطقة كلها على أعتاب "عهد جديد".. مختلف تماما عن الفترة القصيرة السابقة.

هذه السيدة ظهر معدنها الأصيل مع الربيع العربي، وأعلنت موقفا متقدما مؤيدا لثورة بلدها وشعبها العظيم، وتحملت بذاءات كثيرة، ولكنها لم تتمكن من الصمود وحدها في هذا المجتمع الفني الآسن.

هناك فنانون كنا نعتبرهم مناضلين وأبطالا، وظهر معدنهم الرخيص مع الربيع العربي، ما زلت أذكر تلك الفنانة التي كنت أراها على رأس جميع الفعاليات المؤيدة للحق الفلسطيني، وضد حصار العراق، ومع قضايا عربية كثيرة، ولكن حين ألقت الطائرات براميلها المتفجرة على شعبها المسكين.. لوَّحَتْ للطائرات بعلامة النصر !

*       *       *

فنجان القهوة لم يُحتسَ.. والأغنية لم تكتمل.. ولكن القصيدة كُتِبَت، وهي منشورة في ديواني "على راسها بطحة"، وهو ديوان عامية طُبِعَ في أواخر عام 2013م، ولكن لم يتيسر نزوله إلى الأسواق.. كانت الأحداث في مصر في هذا العام تجري كحصان جامح، لذلك حين اتخذ الناشر المحترم قرار النشر لم يكن يتخيل أنه بعد عدة أسابيع سيصبح من المستحيل طرح هذا الديوان في الأسواق، أو عرضه في معرض الكتاب.. فقد أصبح اسم الشاعر من المحظورات.. وأصبحت كتبي ممنوعة في القطر المصري كله.. أي أن الديوان تم طبعه، ولكن الناشر لم يتجرأ على طرحه في الأسواق.. وأظنه قد أتلف الطبعة أو معظمها (عندي بعض النسخ من هذه الطبعة اليتيمة) !

كانت رسالة الأغنية رسالة الأمل.. لذلك تقول القصيدة :

 

أَمَلْ

ودمعة ع اللي قاتل اخوه..

ومليون دمعة من عودي ومن عيني لكل قتيلْ..

شهيد يروي حكاية جيلْ..

زهق م الكذب والتضليلْ..

ودمه غرق المواويلْ.. !

ولكن برضه عنده أمل

*        *        *

يا أمة جمعت أحلامها في الميدان وحرقتها..

يا أمة جهزت عروستها للفرحة

وبعد الزّفّة شَنَقِتْها..

يا أمة بين أيديها كنوز

وعايشة بالسلف والدينْ..

مانيش عايزة أموت في خناقة بين باطلينْ..

ولا أغرق عشان ع الدفة ربانينْ..

أنا وجعي بعدد دمع اللي مظلومين..

وانا مجرى الدموع محفور على خدود اللي شقيانينْ..

نزلت وروحي على كفي..

وغيري في فرشه متدفي..

لا بيتي لقمته تكفي..

ولا في حد في صفي..

وثابت رغم أوجاعي بصبر جملْ..

ولسه برضه عندي أملْ.. !

ودمعة ع اللي قاتل اخوه..

ومليون دمعة من نايي ومن عيني لكل قتيلْ..

شهيد يروي حكاية جيلْ..

زهق م الكذب والتضليلْ..

ودمه غرق المواويلْ.. !

ولكن برضه عنده أملْ

*        *        *

 

ويشهد دمعي ودموعي ان انا غلبانْ

انا لا سني ولا شيعي انا إنسانْ

ولو قلت الجميع غلطوا

ألاقي الكل عادوني..

ولو قلت اننا اخوة

ألاقي الكل هجروني..

بنتعبد لنفس الربْ..

ومنسوبين لنفس الأم.. نفس الأبْ..

وبنصلي على ترابها اللي متحني بدم الشعبْ..

يا مسترخص بحور الدمْ..

ظلمت الأخ وابن العمْ..

على مهلك

عشان الشمل يوم يتلمْ..

ماليش دعوة ان يوم جِدّي كره جِدّكْ !

ما دمت باصلي وباودّكْ

وبرضه حاننصر المظلومْ..

ونكسر شوكة الظالمْ..

حانرضى بحكمة بالمقسومْ..

ولكن برضه حانقاومْ..

ومهما العدل بابه قفلْ..

حايفضل قلبي كله أملْ.. !

ودمعة ع اللي قاتل اخوه..

ومليون دمعة من عودي ومن عيني لكل قتيلْ..

شهيد يروي حكاية جيلْ..

زهق م الكذب والتضليلْ..

ودمه غرق المواويلْ.. !

ولكن لسه عنده أملْ !

 

 

القاهرة   5/9/2013

 

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21