خزعبلات الأمن القومي المصري

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 28-6-2020 م

 

استهلك المصريون مصطلح (الأمن القومي) حتى أصبح بلا مدلول، فتكلم فيه كل المغفلين من مذيعين وخبراء استراتيجيين ولواءات شرطة وجيش، ومهرجين وأغوات، وراقصي تنورة وقارئي كف السلطة.. وهؤلاء جميعا فُرضوا على الشاشات بقوة السلاح كما نعلم، وبرغم خطورة المصطلح وحساسيته ابتذل، وأصبح يطلق مصطلح (الأمن القومي) على كل ما يخطر على بال المرء، ومن شدة ابتذال المصطلح، توارى معناه (الأصلي) بالتدريج، فأصبح الناس يخلطون بين المهم والأهم، واستمر مسلسل التسفّل حتى أصبح الناس يعدّون سفاسف الأمور ضمن مهددات الأمن القومي، ووصلنا لمرحلة الخلط بين المهم والتافه من الأمور.

تذكرت ذلك وأنا أقرأ خبرا نشرته الصحافة المصرية، خلاصته أن أحد نوّاب البرلمان الذي عينته مخابرات النظام ليمثل المصريين دون انتخاب، حذّر هذا النائب – وهو عضو لجنة الدفاع والأمن القومي – في طلب إحاطة إلى رئيس الوزراء "من مخاطر الطائرات الورقية على الأمن القومي، حيث قد يتم تزويدها بكاميرات مراقبة لتصوير المنشآت المهمة والحيوية" !

جاء في طلب الإحاطة المزعوم (أن لعبة الطائرات الورقية كانت تشكل في الماضي أحد أهم الألعاب وأحد مظاهر الاحتفالات، ولكن اليوم مع التطور التكنولوجي الهائل، أصبحت قبل أن تشكل خطورة على حياة الأطفال، خطورة على الأمن القومي، باستخدام وسائل التصوير الحديثة وصغيرة الحجم.

ويرى عضو دفاع البرلمان، أن اللعبة بات التنافس فيها على غير العادة، فكل شخص يعلو فوق بنايته ممسك بطائرته الورقية ويبدأ في تحليقها بالهواء و بارتفاعات كبيرة، ليأتي شخص آخر، يقوم باصطياد تلك الطائرة، وهنا تكون الكارثة، نظرا لانشغال كل شخص بعدم إسقاط طائرته، دون الاهتمام بارتفاعات ومكانه المرتفع فوق سكنه.

ولفت عضو دفاع البرلمان، إلى أن هناك حوادث عدة وقعت جراء "الطائرات الورقية"، موضحًا أن من بين الحوادث سقوط من أعلى العقارات وأخرى من خلال الصعق الكهربائى، مشددًا على أن ذلك يستدعي تدخل أولياء الأمور بتقديم النصح والإرشاد لأبنائهم) (الكاتب غير مسؤول عن الأخطاء اللغوية في متن الخبر)..

*       *       *

يحدث ذلك في عام 2020 ميلادية، في شهر يونيو، قبل لحظات من بدء إثيوبيا ملء بحيرة سد النهضة، بعد أن نجحت خطة حبس مياه النيل عن مصر لأول مرة منذ آلاف السنين (على مدار التاريخ طمح كثير من القادة والغزاة لذلك.. ولكنهم فشلوا).

يتساءل كثيرون.. هل يوجد حل لمسألة السد؟

الحل العسكري أوهام.. والحل الدبلوماسي لم يُجْدِ.. فما الحل مع هذا الوضع الذي لا يجدي فيه اللين ولا القوة !؟

الحقيقة أن هناك حلا لمسألة السد.. ولكن هيهات أن تتمكن هذه العصابة التي استولت على مصر بقوة السلاح من تنفيذه.. فهو حل يعتمد النفس الطويل، ويحتاج إلى عدة سنوات لجني ثماره، ويحتاج إلى تفعيل قوى مصر المجتمعية والثقافية والدينية، وليس مجرد التحرك الدولي الرسمي..

مصر قد تبدو الحلقة الأضعف في سلسلة النهر، فهي دولة المصب، وقد تبدو إثيوبيا بعد بناء السد في وضع أقوى بكثير.. ولكن الحقيقة ليست كذلك بالضبط.. أو لنقل إن هذا الأمر يمكن تغييره والتحايل عليه..

*       *       *

إثيوبيا نقطة ضعفها أنها دولة محاصَرَة، لا منافذ لها على البحر، وهي مضطرة للتعاون مع جيرانها لكي تستورد أو تصدر أي شيء..

مشروع سد النهضة نفسه يعتمد على الجيران، فتوليد الكهرباء من ذلك السد سيفقد الجزء الأكبر من جدواه إذا لم يصدر الفائض للخارج.. ولكي يصدّر للخارج لا يوجد سوى أن يستورد الجيران تلك الطاقة.. أو أن يسمحوا بمرورها على الأقل.. وبالتالي إذا حوصرت إثيوبيا ستتغير المعادلة.

ولكن.. هل يمكن أن يتم ذلك؟ ما الذي يمكن أن يدفع جيران إثيوبيا إلى حصارها؟

الحقيقة أن هناك دوافع عديدة، دولة كالصومال – على سبيل المثال – لديها مشاكل كثيرة مع إثيوبيا، من ضمنها مشاكل تتعلق بشأن المياه.. فقد استغلت إثيوبيا سنوات ضعف أو انهيار مؤسسات الدولة في الصومال وقامت بإنشاء مجموعة من السدود على نهر "شبيلي"، وهو ما أدى إلى جفاف لم يسبق له مثيل في المناطق الشاسعة التي كان يرويها هذا النهر.

*       *       *

سيقول قائل إن هذا الحل مشاكله كثيرة، فهذه الدول التي تحاصر إثيوبيا بينها وبين مصر – بفضل حكم العسكر الممتد عشرات السنين – ضغائن كثيرة، كما أن بينها وبين بعضها البعض مشاكل لا حصر لها..

على سبيل المثال.. هناك مشاكل بين الصومال وكينيا، مشاكل حدودية، ونزاع بحري، والصومال تتهم كينيا بتدخلات في الشأن الداخلي الصومالي وبدعم فصائل معارضة.. وغير ذلك من المشاكل التي تحتاج إلى نفس طويل لكي تتمكن هذه الأطراف من تنسيق العمل بحيث تجد إثيوبيا نفسها مجبرة على التعاون مع الدول التي تحيط بها، ومع دول المصب.

وهذا كلام حقيقي ودقيق، لذلك لا بد لهذا الحل من صبر، ولن يؤتي ثماره قبل عدة أعوام من العمل الدؤوب، ولا بد أولا من إعادة صياغة لطبيعة علاقات مصر الخارجية، ومعرفة أن دول إفريقيا هي أهم الدول بالنسبة لمصر، وفي مقدمتها دول منابع النيل، وأن التفريط في القوة الناعمة المصرية في إفريقيا كان جريمة لا تغتفر لمبارك، ولمن قبله، ولمن بعده من العساكر.

إثيوبيا بلد حاصرته الجغرافيا بشكل طبيعي، وهي دولة تعتدي على موارد الآخرين، ولو أن في مصر نظاما يهتم بمصير الشعب، لكان قد أحكم الحصار منذ عشرات السنين بقوة ناعمة، ولكان سد النهضة هذا قد أقيم وفق ما يخدم مصلحة الجميع، ولكان ملكية مشتركة بين دول المنبع ودول المصب، ملكية مشتركة في التمويل والإدارة والأرباح !

هذا هو (مختصر الحل الممكن) في شأن السدّ الإثيوبي، وهو حل واقعي، يحتاج وقتا، ويحتاج دولة، ويحتاج رجالا مخلصين وطنيين، ولا يمكن أن يفهمه أو يطبقه أو يصبر عليه أمثال هؤلاء الذين تعاقبوا على السلطة في مصر.. ويمكن أن يكتب في كيفية تنفيذ هذا الحل آلاف الصفحات.. وربما يكون هذا الحل هو الحل (الوحيد).. لاستعادة النيل مرة أخرى !

*       *       *

بقيت عدة نقاط في حديثنا.. الأولى تتعلق بما يردده البعض عن (أحقاد إثيوبية) تجاه مصر، والحقيقة أن هناك أحقادا متراكمة من كثير من إخوتنا الأفارقة، ولا بد أن نسأل أنفسنا (لماذا يكرهوننا؟)، والإجابات التي لديّ خلاصتها أن كبار المسؤولين في الدولة المصرية لم يحسنوا التعامل مع المسؤولين الأفارقة أبدا، وكانت مصر (الرسمية) تتعالى سرًّا وعلانية على إفريقيا، واستمر هذا الأمر لعشرات السنين، عهد مبارك كله، بل قبل عهد مبارك، وسحبت مصر قوتها الناعمة من إفريقيا (الأزهر، والبعثات التعليمية، وشركة النصر.. وغيرها)..

كذلك فإن معاملة مصر (غير الرسمية) لإفريقيا لم تكن بأفضل كثيرا من مثيلتها الرسمية للأسف الشديد، بل كانت نبرة السخرية والتهكم على لون بشرة إخوتنا في إفريقيا دوما حاضرة من سالف الأيام (وحتى الأمس القريب من بعض أشباه الفنانين).

هذه التصرفات التي ظنها قطاع واسع من الشعب تندرج تحت بند "خفة الظل" جاء الوقت كي نتعامل معها بجدية ومسؤولية، وندرك أن هذه النبرة الجارحة ساهمت في بناء سدود أخرى من الكراهية أكبر من سد النهضة ضد مصر والمصريين لن يفلح في إزالتها إلا ندم صادق على هذه النبرة والتوقف عن ترديد مثلها، وبالتالي.. إجابة سؤال (لماذا يكرهوننا؟) مؤلمة، ولا بد أن نجيب عن السؤال..

يكفي أن نعرف أن دولة كإثيوبيا عاشت في المجاعة لعدة سنوات في الثمانينيات من القرن الماضي، وفي هذه الفترة كانت مصر تعيش في خيرات (السد العالي)، ولم تشعر بالجفاف الذي ضرب إفريقيا وقتل مئات الآلاف..

انهالت التبرعات على إثيوبيا من العالم كله، وللأسف الشديد.. لم تتبرع الدولة المصرية بكيس طحين واحد !!!

هذه المواقف.. لا تُنْسَى أبدا !

النقطة الثانية.. تتعلق بالاتفاق الذي عقد مساء يوم الجمعة (26 يونيو 2020) برعاية الاتحاد الإفريقي، والذي بمقتضاه (تم التوافق على تشكيل لجنة خبراء وقانونيين من مصر والسودان وإثيوبيا وأطراف دولية والاتحاد الأفريقي لبلورة اتفاق نهائي ملزم بشأن سد النهضة، والتزمت إثيوبيا بالامتناع عن القيام بأي إجراءات أحادية، بما في ذلك ملء السد، قبل التوصل إلى الاتفاق).. للأسف الشديد.. بدأ البعض بتسويق هذا الكلام الفارغ على أنه انتصار للدبلوماسية المصرية (العريقة).. والحقيقة أن إثيوبيا قد كسبت وقتا جديدا، وستستمر في بناء السد، وستتجاوز جميع العقبات.. (أتمنى أن يتعامل المفاوض المصري مع الأمر بهذا الشك، فلا مجال لحسن الظن).. بل لا بد أن نفهم أن محاولة إقحام الاتحاد الإفريقي في الموضوع يحتوي على مميزات لإثيوبيا أكثر مما يحتوي على مخاطر.

النقطة الثالثة.. تصرّ الحكومة المصرية على تصوير المشكلة على أنها (سنوات ملء بحيرة السدّ)، بحيث يصبح إطالة أمد الملء انتصارا لمصر، وهي بذلك تدلّس الحقيقة على الشعب، فالحقيقة أن مشكلة هذا السدّ في (كيفية إدارته وتشغيله)، المشكلة الكبرى في هذا السدّ في كيفية التعامل مع سنوات الجفاف، وهي مشكلة مزمنة، وبإمكان أسلوب إدارة وتشغيل السد أن يتسبب في مجاعات وكوارث في مصر، وفي تلك الحالة لن يكون هناك بديل سوى الخضوع لمطامع إثيوبيا غير المنطقية.. أعني (شراء مياه النيل) !

هذه هي المخاطر الحقيقية التي تهدد الأمن القومي المصري.. ولكن ماذا نقول في بلد تعاقب عليه حكام خونة، سلطوا علينا غلمانا لا يرون الخطر الوجودي الذي يهدد ماء النيل.. بل يحذروننا من الطائرات الورقية !

*       *       *

ختام: في اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب.. نتذكر جميع ضحايانا في سجون نظام "سيسي"، وفي السجون العربية.. نساندهم ونساند أهاليهم وأحبابهم.. أتذكر سيدة كالهلال.. تكمل عامها الثالث في زنزانة انفرادية لا ترى الشمس.. وزوجها النبيل الجميل.. تحية للسيدة علا القرضاوي وزوجها حسام خلف.. ولكل المعتقلين والمعذبين في سجون الاستبداد.

 

 

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21