ثوريون مصريون والشأن الليبي

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 14-6-2020 م

 

بعد هزيمة حفتر المذلّة، وبعد فشل حصاره لطرابلس، وبعد أن هروب ميليشياته تحت قصف قوات حكومة الوفاق الشرعية، تعالت أصوات المحللين السياسيين في مصر من شتى الاتجاهات، فرأينا كل أنصار الثورة المضادة يتحدثون بشكل موحد، وهو أمر لا يحتاج تفسيرا، فهؤلاء تأتيهم "التعليمات" وينفذونها، ولكن الغريب أن كثيرا من الشخصيات والمنابر المحسوبة على ثورة يناير تحدثت بنَفَسٍ يحمل أفكار الثورة المضادة وتحيزاتها..

هذه بعض الملاحظات على كثير مما كتب في الأيام الماضية في الشأن الليبي من أصوات (فردية أو مؤسسية) من المفترض أنها تنتمي إلى ثورة يناير..

*       *       *

الملاحظة الأولى: التركيز على اللحظة الراهنة ونسيان الماضي قديمه وحديثه

من أهم ما يقع فيه المحلل السياسي عموما أن يتناسى تاريخ الظاهرة محل الحديث، أو أن يبتر الحدث الذي يحلله عما سبقه من أحداث، وهذا الخطا – أو الخطيئة – وقع فيها كثيرون يُحسبون على يناير، فتراهم يتجاهلون حقائق قديمة جدا مثل (القذافي حكم أربعة عقود، وكان من أهم وأسوأ ما قام به أنه قضى على الجيش الليبي لكي يأمن شر أي انقلاب عسكري، وأسس لفكرة المليشيات التي يسهل تكوينها، ويسهل تفكيكها، ويسهل شراؤها وبيعها وتأجيرها)، وبالتالي.. الوضع الحالي في ليبيا لا يمكن أن تلام عليه حكومة لم تحكم يوما واحدا باستقرار لكي تصلح كل هذه الكوارث.

أو حقيقية بدهية ليست قديمة مثل ( وجود اتفاق يسمى "الصخيرات"، وقّع عليه جميع الفرقاء بما فيهم السيد "حفتر"، حتى مصر وقعت، وكان ذلك في عام 2015م، ولا يوجد أي مبرر للانقلاب على هذا الاتفاق، اللهم إلا الرغبة في القضاء على أي تحول ديمقراطي في ليبيا).

أو حقيقة مثل (برلمان طبرق الذي يرأسه السيد "عقيلة صالح" ليس فيه سوى بضع وثلاثين نائبا من مائتين من النواب، وهناك مائة نائب ينتمون للبرلمان نفسه موجودون في طرابلس، ويدعمون حكومة الوفاق) أو حقيقة مثل (السيد حفتر قصف هذا البرلمان الذي يزعمون أنه يمنحه الشرعية)، ولك أن تتساءل عن مدى "حرية" هؤلاء النوّاب في التعبير عن آراءهم في ديمقراطية تحت قصف الصورايخ !

يتناسى هؤلاء الزملاء الأعزاء المؤتمرات الدولية التي عقدت خلال السنوات الماضية لرأب الصدع في ليبيا، في موسكو وبرلين وغيرها، وكيف كانت جميعا بلا استثناء اتفاقات يوقع عليها الجميع، ثم يحولها السيد "حفتر" إلى مجرد أوراق لا قيمة لها حين يقرر اللجوء للسلاح.. وكيف أنه دائما كان يُدعى إلى وقف إطلاق النار ويرفض، ويستمر في الاعتداء على المدنيين، على أمل أن يحسم المعركة عسكريا.. (يتحدثون الآن عن وقف إطلاق النار، ويلومون حكومة الوفاق على "تعنتها" !).

كل هذه الحقائق يتناساها الأصدقاء والزملاء، ويقفزون فوق كل ذلك – وغيره – لكي يصلوا إلى نتيجة مفادها.. أن "حفتر" مثله مثل "الوفاق".. كلاهما موجود على الأرض، وكلاهما يمثل جزء من الليبيين !

*       *       *

الملاحظة الثانية: تغيير أحجام الأحداث

فترى كثيرين – للأسف الشديد – يساوون بين مجرم الحرب المطلوب دوليا "حفتر" وبين خصومه في حكومة الوفاق التي يعترف بها العالم كله تقريبا.

حكومة الوفاق تعترف بها الأمم المتحدة، والاتحاد الإفريقي، والجامعة العربية.. إنها الممثل الشرعي الوحيد لليبيين، ووجود "حفتر" ليس أكثر من أمر واقع مفروض بقوة السلاح، وليس له أي شرعية.. إذا قيل إن هذا المجرم معه (الجيش الليبي).. فإني أحيلك إلى الملاحظة الأولى.. لا يوجد جيش في ليبيا.. القذافي قضى على هذا الجيش منذ ثمانينيات القرن الماضي، وبالتالي لا مجال لزعم أن أحد الطرفين يملك تلك المؤسسة، لأن المؤسسة انقرضت (إن صح التعبير).

لذلك.. من أعجب العجائب أن ترى "ثوريين" يبذلون جهدا جبارا لكي يقنعوك بمساواة جرائم الحرب المنظمة التي يرتكبها المجرم "حفتر"، ببعض المخالفات أو الانتهاكات التي حدثت من قوات الوفاق !

هذا الكلام ليس تبريرا لأي انتهاك، بل إني أرفع صوتي عاليا باتخاذ كل الإجراءات القانونية لمحاسبة أي انتهاك ضد حقوق الإنسان من الطرفين.. ولكن تجاهل أن الانتهاكات من طرف مليشيات "حفتر" انتهاكات منظمة بدقة، انتهاكات مقصودة مع سبق الإصرار والترصد، انتهاكات يفخر بها من يرتكبها، ويسجلها بالصوت والصورة، ويذيعها لإرهاب المواطنين، تجاهل أن هذا الـ"حفتر" مجرم سفاح، يبحث عن أمثال "الورفلّي" ليستأجرهم من أجل القيام بتلك الإعدامات والانتهاكات، تجاهل المقابر الجماعية التي تتكشف في كل منطقة يتركها هذا المجرم.. تجاهل كل ذلك مع الاجتهاد في تصيّد أحداث فردية قام بها بعض المنتمين لقوات الوفاق (وهي ليست جيشا منضبطا بعد كما قلنا)، كل ذلك لكي يتساوى الطرفان في الانتهاكات.. هذا عمل غير نزيه، بل هو خلط للأوراق، وتدليس يضيع فيه الحق ويتساوى بالباطل.

*       *       *

الملاحظة الثالثة: تحديد المصلحة الوطنية المصرية طبقا لرؤية النظام

من أسوأ الملاحظات أن ترى هؤلاء الزملاء ينساقون خلف أبواق النظام – الذي يفترض أنهم يقاومونه ويعادونه – في تحديد معنى الأمن القومي، ومعنى المصلحة الوطنية، وأولويات الأجندة الوطنية.. فتراهم ينساقون خلف أبواق النظام في معاداة التدخل التركي، برغم أنه تدخل في وضح النهار، عبر حكومات وبرلمانات شرعية، وترى غيرتهم المزعومة على مصر تدفعهم لاستنكار ما قامت به حكومة الوفاق من توقيع مذكرة ترسيم الحدود البحرية مع الجانب التركي !

هذه المعاهدة التي أعادت إلى مصر أكثر من أربعين ألف كيلو متر مربع في البحر المتوسط، ويقدر نصيب مصر من الغاز الطبيعي في هذه المنطقة بمئات المليارات من الدولارات، تنازل عنها نظام عميل لليونان وقبرص (خدمة لإسرائيل)، وهذه الاتفاقية (بين ليبيا وتركيا) قد تكون السبيل الوحيد لأي حكومة مصرية تأتي فيما بعد لكي تنقذ هذه الثروة الاقتصادية، ولكي تستعيد ذلك الجزء من الأراضي المصرية !

كيف يرفض مواطن مصري هذه الاتفاقية.. وباسم الثورة !؟

إنهم يستنكرون حق حكومة الوفاق في التحالف علنا مع تركيا، ضد حلف سري خبيث يجمع مصر والسعودية والإمارات والسودان وفرنسا وإيطاليا وروسيا (وإسرائيل) !

وهو أمر عجيب.. فنحن جميعا نعمل داخل إطار "الدولة القومية"، ولكن لا بد من ملاحظة أن الدول لا توجد ولا تولد ولا تتأسس في الفراغ.. لا يوجد فراغ في السياسة، ولا فراغ في خرائط السلطة !

لذلك.. في حالة كالحالة الليبية من الطبيعي بل من الضروري أن تتم الاستعانة بالآخرين، وأن تبنى تحالفات من أجل "البقاء" أولا، ثم من أجل "البناء" ثانيا.. هذا ما حدث منذ القدم، فعله المصلحون والقادة والأنبياء، لذلك لا مجال للوم الحكومة الليبية على تحالفها مع تركيا، بل اللوم كل اللوم على هؤلاء الذين برروا التحالف مع محور الشر في أحداث عديدة، وتراهم إذا ذكرت تركيا تلوا عليك آيات بينات من كتاب الاستقلال الوطني المزعوم.. أي أن التحالف مع دويلة الإمارات حق من حقوق السيادة.. أما التحالف مع تركيا فهو احتلال وتنازل عن الاستقلال !

يحدثونك عن الأمن القومي المصري طبقا لرؤية النظام الديكتاتوري، فلا تجد لديهم أي حساسية تجاه وجود فرنسا، وإيطاليا، ولا تجاه وجود قواعد عسكرية روسية لأول مرة على مياه البحر المتوسط، ولا غير ذلك.. حساسيتهم موجهة نحو حكومة الوفاق فقط.. أي نفس وجهة نظر الديكتاتورية العربية.. حساسية ضد أي تحوّل ديمقراطي في ليبيا (أو في أي دولة عربية).

*       *       *

الملاحظة الرابعة: لا عزاء للديمقراطية

من أسوأ ما يلاحظه المتابع أن هؤلاء الثوريين لا يعبأون بالديمقراطية في ليبيا، بل تراهم يتحدثون عن (مصالح مصر، الأمن القومي المصري.. وما شابه ذلك من كلمات رنانة) بمعزل عن حالة الديمقراطية في ليبيا، وكأن مصالح مصر يمكن أن تتحقق دون ديمقراطية في ليبيا، أو كأن مصر وأمنها القومي لا علاقة له بحالة الحريات في جارتنا الحبيبة، أو بمعنى أصح.. نحن نريد الديمقراطية في مصر فقط.. أما هؤلاء الليبيون البدو الرعاع.. فلا بأس أن يعيشوا تحت حكم مجنون آخر كالقذافي (تكاد تقرأها بين السطور).

يتجاهل هؤلاء الزملاء الأعزاء أننا أمام مشروعين واضحين تماما.. المشروع الأول (قذافي جديد)، بكل ما فيه من طغيان واستبداد وعمالة وحقارة !

والمشروع الثاني (أعني حكومة الوفاق) بذرة مشروع ديمقراطي، قائم على جمع الليبيين عبر آليات الديمقراطية، وهو قائم على توازنات تمنع أي مخبول من سرقة الدولة ومقدراتها وثرواتها في جيبه، كما فعل القذافي لأربعة عقود أو يزيد.

لا تكاد تلاحظ أي تعاطف من هؤلاء مع المشروع الديمقراطي الوليد، الذي يكافح قوى الثورة المضادة بالعرق والدماء.. بل تلاحظ منهم أنهم يتفننون لتصوير الفريقين كضبعين يلتهمان جثة الوطن، أو يقتتلان على جيفة السلطة..

*       *       *

الملاحظة الخامسة: فليذهب الليبيون إلى الجحيم

وهي الملاحظة الأسوأ.. فحين تقرأ لهؤلاء تجدهم لا يبالون بحياة القابعين تحت القصف في طرابلس منذ أكثر من عام، ولا يتعاطفون مع الذين قتلوا بقنابل "حفتر" في المستشفيات والمدارس، لا يبالون بالمنازل التي هدمت على رؤوس المدنيين، لا يبالون بمعنى حقوق الإنسان الليبي في الحرية، أو في ثروات بلاده، فتراهم يتحدثون عن ليبيا وكأنها (فراغ سياسي عسكري ثقافي اقتصادي).. يتحدثون عن التدخل المصري وكأنه حق (بعضهم يحرض على إغراق الجيش المصري في ذلك المستنقع)، وعن العبث الإماراتي وكأنه مقبول، وعن تصرفات الحكومة الشرعية وكأنها عمالة وخضوع !

ويتحدثون عن التدخل التركي بصوت زاعق، وباستنكار ماحق، وإذا سألتهم أين كانت أصواتكم حين تدخلت جيوش وجيوش قبل ذلك بسنوات؟ تجد صمتا رهيبا !

أقارن ذلك بما جاء على لسان دبلوماسي في الجامعة العربية اسمه "حسام زكي".. وبرغم إضماره وإضمار الأمين العام للجامعة كل الشر لحكومة الوفاق.. إلا أنه لم يتمكن من إنكار الشمس في كبد السماء، ولم يستطع سوى أن يعترف بشرعية حكومة الوفاق، وبأن اتفاق ترسيم الحدود بين تلك الحكومة وبين الحكومة التركية شرعي وقانوني !

يحدث ذلك في الوقت الذي يجادل فيه بعض الثوريين في قانونية هذا الاتفاق، بل بلغ ببعضهم القدرة على قلب الحقائق أنه قال (إذا كان من حق هذه الحكومة أن تعقد اتفاقات عسكرية مع تركيا، وأن تستدعي جيشها، وأن ترسم حدودها.. فلماذا إذن تعترضون على "بشار الأسد" حين استدعى الجيش الروسي؟)

يحاول أن يجعل السفاح "بشار الأسد" حاكما شرعيا كحكومة الوفاق.. والسبب معروف !

*       *       *

من كل ما سبق.. نلاحظ أن هؤلاء الزملاء الأعزاء أصبحوا في حالة (موالاة) للنظام العسكري الديكتاتوري المستبد في القاهرة، (موالاة) لجميع الأنظمة المستبدة في الوطن العربي.. وذلك لسبب شديد الوضوح.. هي معاداتهم لأي شيء أو شخص أو مؤسسة أو حكومة لها أي علاقة مع التيار الإسلامي أو مع حلفاءه !

هذا هو المشكل ببساطة.. وللأسف هذا الموقف لن تجده في الشأن الليبي فقط، بل ستراه على طول الخط، في أحداث سيناء، وفي الموقف من سوريا والنظام السوري، وفي الموقف من قطر وحصارها، وفي أي حدث في تونس أو السودان أو الجزائر أو اليمن.. في كل القضايا التي تشتبك فيها الثورة مع الثورة المضادة، ستجد هؤلاء أصبحت مهمتهم في الحياة أن يكونوا (معكوس الإسلاميين).. لا أكثر !

لسان حالهم يقول نحن أعداء الإخوان والإسلاميين.. حتى لو أدى الأمر إلى أن نقف مع العسكر، ومع مجرمي الحرب، ومع أعداء ثورتنا..

نحن أعداء الإخوان والإسلاميين.. حتى لو أدى الأمر إلى تمني انتصار الثورة المضادة في معركة قد تكون الفاصلة، وقد يكون انتصارهم فيها هو الإعلان الحقيقي لنهاية الربيع العربي..

نحن أعداء الإخوان والإسلاميين.. حتى لو أدى الأمر إلى ضياع أرضنا، وثرواتنا، لصالح إسرائيل..

نحن أعداء الإخوان والإسلاميين.. حتى لو أصبحنا أعداء أنفسنا.. ومبادئنا.. وثورتنا.. ووطننا..

في فمي ماء كثير.. وليتني أستطيع أن أقول كل ما عندي.. ولا أملك سوى أن أدعو الله أن يرينا الحق حقا.. وأن يرزقنا اتباعه !

ملحوظة لا موقع لها: غني عن القول إن توجيه اتهامات موالاة الإخوان والإسلاميين لكاتب المقالة متوقع.. وهو أمر لا يستحق الرد.. من أراد أن يبحث عن تاريخ الكاتب ومواقفه فليبحث، ومن أراد أن يريح نفسه وعقله بتلك التصنيفات البدائية التي تغني عن التفكير.. فهذا شأنه !

 

 

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21