حركة عالمية لمقاومة العنصرية

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 7-6-2020 م

 

حين بدأت جائحة فيروس كورونا، وبعد أن تغيّر شكل العالم بإغلاق المدارس، والجامعات، ودور العبادة، والمطارات، والمؤسسات، كتبت في هذه الزاوية بتاريخ الأحد 5 إبريل 2020 مقالة بعنوان "كورونا بين الحرية والاستبداد"، نشرت كذلك مترجمة في (ميدل إيست آي) بعدها بعدة أيام، وجاء في تلك المقالة:

"من الواضح لمن يتابع سير الأحداث أن هناك رغبة عارمة لدى النخب الحاكمة والسياسيين في غالبية الدول – حتى في كثير من الدول "الديمقراطية" – لاستغلال الجائحة في مزيد من السيطرة، والرقابة، والاستبداد، والديكتاتورية، رغبة شريرة في قمع المواطنين، ولكنها هذه المرة تتحصن بشعار الحفاظ على صحة المواطنين، وترفع راية مقاومة الأمراض والأوبئة.

دعوات لمراقبة كل شيء، وكل أحد، ميكنة البشر، و"دجتلة" الإنسان حتى يتحول إلى روبوت، يمكن مراقبة كل تحركاته المادية والمالية وربما بعد قليل تتمكن تلك التكنولوجيا الأمنية الشريرة من مراقبة خواطره، ومع الوقت.. ربما يكون الهدف التحكم في أفكار ومشاعر الناس.

لذلك لا بد للأحرار حول العالم من إنشاء جبهة موحدة ضد هذه الجبهة المخابراتية التي تتوحش كل يوم، ولن تتوانى عن مزيد من التوحش بعد هذا المرض".. هذا ما كتبته في ذلك الحين..

*       *       *

بعد مقتل المواطن الأمريكي "جورج فلويد" اتضح أن العنصرية داء يستشري في كل مكان في العالم بلا استثناء، واتضح أن هذا الداء لا يمكن مقاومته فرديا، ولا يمكن مقاومته محليا، وأنه لا بد أن يتم تأسيس حركة عالمية لمقاومة العنصرية، ذلك أنه لا يمكن مقاومة العنصرية إلا بمقاومة الأجهزة الأمنية في غالبية الدول العظمى التي تؤسس للمنهج العملي للاضطهاد والتمييز ضد الفئات المختلفة.

لا يهمني ما هو مكتوب في دساتير الولايات المتحدة الأمريكية، والدول الأوروبية، وغالبية دول العالم.. ولا يؤثر فيّ شعارات الحرية المرفوعة في الدول العظمى، كما أنني لا أصدق كل الخطب الرنانة التي يدلي بها الزعماء والرؤساء ليل نهار عن العدالة الاجتماعية، وعن المساواة بين البشر، بل لا أبالغ إذا قلت إنني لا أعير جميع القيادات الدينية (من جميع الأديان) آذانا وهي تتحدث عن المساواة بين بني البشر.

ما يهمني هو ما يحدث على الأرض بالفعل.. وما يحدث أمر مشين !

هناك اتفاق مكتوب بحبر سري بين غالبية من يملكون السلطة، اتفاق سري يتم بمقتضاه النيل من أصحاب البشرة السمراء، واضطهاد الضعفاء، والتنكيل بمن لا يملك القدرة على الدفاع عن نفسه من الأقليات.

*       *       *

الضعفاء هم غالبية سكان الكرة الأرضية، ولو أنهم اتحدوا بأي شكل من الأشكال، لانقلبت الموازين، أعني لاعتدلت !

ولكن اتحاد مليارات البشر من المهمشين بأنفسهم أمر مستحيل، لذلك لا بد من اتحاد النخب التي تمثلهم، وهو أمر قد يبدو صعبا، ولكن لا صعب إذا وُجدت الإرادة، وخلصت النوايا.

كم أتمنى أن أرى مجموعة من كبار السياسيين الشرفاء، والشعراء والأدباء، والحقوقيين والفنانين، ورجال الأعمال والاقتصاد.. كلهم على قلب رجل واحد، في كيان كبير له أذرعه في العالم كله، لا هدف لهم سوى التصدّي لأجهزة الأمن التي تحاول استغلال جائحة كورونا من أجل مزيد من القهر، فيقف لهم هذا الكيان، ويأخذ زمام المبادرة، ويحوّل المحنة منحة، ويستثمر هذا الكيان حادثة "جورج فلويد" من أجل الحد من التمييز العنصري الممنهج.

إن ما يحدث في الولايات المتحدة اليوم من انتفاضة سلمية يعتبر فرصة لتدويل قضية التمييز العرقي، ولتكوين آلية جديدة لمقاومة تلك الجريمة التي يعاني منها الغالبية العظمى من البشر.

*       *       *

موضوع ثانٍ:

ما يتعرض له الزعيم الوطني التونسي الشيخ راشد الغنوشي من حملة رخيصة لتشويهه ليس أكثر من محاولات مأجورة لإسقاط التجربة الديمقراطية في تونس، والكل يعرف من الذي يقف خلف هذه المحاولات، والكل يعرف أن المستخدَمين في هذه الجريمة من أذناب الديكتاتورية وبقايا دولة الاستبداد أناس تاريخهم غير مشرف، ومستقبلهم في ظل الديمقراطية غير مضمون، لذلك لا يملكون سوى محاولة إعادة الماضي بكل ما فيه من خزي.

راشد الغنوشي – بلا مبالغة – كان صمام أمان للتجربة التونسية الرائدة، ولولاه لعادت الديكتاتورية إلى ذلك البلد الجميل، ذي الشعب الأصيل، ولولاه لكانت تونس اليوم ترزح تحت نيران استعمار محلي يرفع العلم الوطني، تماما كما حدث في مصر، وربما أسوأ.

من يحاولون النيل من الغنوشي لا يعبرون عن الشعب التونسي، ولا يستطيعون أن يصلوا إلى الحكم إلا بدبابة أمريكية الصنع، وقودها أماراتي، يقودها ضابط إسرائيلي، بمباركة من مفتٍ سعودي، وبتصفيق من إعلام القاهرة.

*       *       *

موضوع ثالث:

تقدم الحقوقي المصري محمد سلطان بدعوى قضائية أمام المحكمة الفيدرالية بأمريكا ضد رئيس وزراء مصر الأسبق حازم الببلاوي، وآخرين ممن اتهمهم بالتسبب في تعذيبه والتنكيل به داخل السجون المصرية.

في يوم قريب سيحاسب كل هؤلاء الذي ظنوا أن قتل المصريين جريمة لا عاقبة لها، وسيحاسبون في القاهرة، في محاكم لم يحصل ضحاياهم على مثلها.

سوف نقتص منهم بالقانون، وسوف نهزمهم بالتحضر، وسنتغلب عليهم دون أن نتحول لمجرمين.. مثلهم !

*       *       *

مسك الختام:

تحية للشعب الليبي العظيم، وتهنئة لثوّار ليبيا الذين دكوا حصون الثورة المضادة، فحرروا طرابلس، وطهروا ترهونة، وها هي سرت وما بعدها تقترب من الحرية.

الاختبار الأكبر هو بسط السيطرة على كامل التراب الليبي، وهذا أمر ممكن.. ولكنه لن يتم بالتفوق العسكري وحده، بل باتفاق الشعب الليبي على طيّ صفحة الاستبداد، والبدء بتأسيس دولة القانون، وعدم الرهان على مجرمي الحرب، وأن يعترف الجميع بأن زمن "القذافي" انتهى، وأن محاولة استنساخ جرذ آخر يشبهه لن تنجح.

أما المؤتمر الصحفي الذي عقده أمس في القاهرة رئيس جمهورية الأمر الواقع مع السفاح حفتر، والسيد عقيلة صالح.. فهو أمر عجيب عجيب !

لا شك أن أكبر الخاسرين في هذا المشهد هو السيد عقيلة صالح، فخطابه غير الموفق وضعه في خانة واحدة مع مجرم الحرب حفتر، بينما كان بإمكانه أن يكون مفتاحا للحل، وما زالت لديه فرصة ضئيلة، شريطة أن يتدارك الفخ الذي سقط فيه.

وظني أن هدف مَنْ عَقَدَ هذا المؤتمر هو الحفاظ على حفتر وميليشياته ضمن المعادلة، لكي يسهل استخدامه فيما بعد لتقويض أي تجربة ديمقراطية.

المبادرة التي انطلقت من القاهرة لا قيمة لها.. فهي تصرف أحادي، من الطرف المهزوم.. ولن يغني عن هؤلاء الذين أطلقوها حديثهم بلهجة المنتصر.. بينما قواتهم تهرب تحت قصف قوات الوفاق.

لقد كشف النظام المصري الحالي للمرة الألف عن وجهه القبيح، وعن توجهه الأصيل ضد الشعوب، وضد الحرية، ضد أي تجربة يمكن أن ينتج عنها نظام ديمقراطي منتخب.. وهذه هي الخسارة الكبرى في هذا المشهد !

رسالتنا كمصريين إلى إخوتنا في ليبيا.. قلوبنا معكم.. وهؤلاء لا يمثلون إلا أنفسهم ومصالحهم.. ومصر بريئة منهم..

 

 

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21