عن الأطباء في مصر

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 31-5-2020 م

 

هذه مقالة عن الأطباء في مصر.. ليست مديحا.. وليست هجاء.. بل هي وصف لبعض أحوالهم لا أكثر !

في كل مكان في العالم (اليوم) يكرم الناس الأطباء، والممرضين، وجميع العاملين في المجال الطبي، ولا غرابة في ذلك مع التضحيات العظيمة التي تقوم بها هذه الأطقم الطبية في مواجهة جائحة كورونا.. إلا في مصر.. ترى هؤلاء يُرجمون بالحجارة، والراعي الرسمي لعملية الإساءة والرجم للأطباء هو الدولة !

لا تستغرب.. فنحن في زمن انقلاب.. لا أقصد بذلك الانقلاب العسكري الأخير في يوليو 2013، بل أقصد انقلابات العساكر التي بدأت منذ منتصف القرن الماضي، وما زالت مستمرة حتى اليوم.. هذه الانقلابات لم تترك حجرا في موضعه، لقد قلبت كل شيء، وأول وأهم ما قلبته هو القيم التي تكوّن الإنسان.

لذلك لا تستغرب أن يحتفي العالم كله بالعلم، بينما تعادي العصابة التي استولت على الحكم في مصر العلم والعلماء، وتتهمهم في وطنيتهم، وتخونهم، وترميهم بكل نقيصة.

*       *       *

الطبيب في مصر ليس ملاكا مجنحا، فهو ابن بيئته، وبيئته تعاني – كما قلنا – من انقلاب القيم، لذلك لا نستغرب أن نرى كثيرا من القيم المتعلقة بالمهنة قد انقلبت عند الأطباء كذلك !

في هذه البيئة المقلوبة يصبح من الصعب – وأحيانا من المستحيل – أن يلتزم أي إنسان بأي قيم مهنية، وذلك أمر يسري على جميع المهن (ومن هنا يحاول البعض الإساءة للأطباء)..

يعاني الطبيب المصري لكي يصبح طبيبا، يعاني من النظام التعليمي المقلوب، يعاني كذلك لكي يكمل مساره في مجاله، فالطبيب الأجدر بالبقاء في الجامعة هو الطبيب الأكثر تفوقا من الناحية العلمية، ولكن الواقع في بلدنا يقول إن غالبية المعينين في كليات الطب كمعيدين – لكي يصبحوا بعد ذلك أعضاء في هيئة التدريس – هم من أبناء الأساتذة في الكليات، ويتواطأ في ذلك الجميع.

كما أن الطبيب يعاني حتى بعد تعيينه كمعيد لكي يحصل على الشهادات اللازمة، الماجستير والدكتوراة.. معاناة لا مجال للدخول في تفاصيلها الآن..

كثير من المتفوقين في كليات الطب لا يجدون مكانا في الجامعات المصرية بسبب زملائهم الفاشلين (أو محدودي الإمكانات) من أبناء الأساتذة، أو من أصحاب الواسطة، هؤلاء المتفوقون ستجدهم في كليات الطب في العالم كله، ترحب بهم الجامعات في أمريكا وأوروبا.

بعض المتفوقين في مصر لم يحصلوا على مكانهم المستحق لأسباب عنصرية (لأسباب دينية أو سياسية)، هؤلاء منهم الدكتور مجدي يعقوب على سبيل المثال..

*       *       *

سأذكر قصة مضحكة.. ولكنها قد توضح ما أريد إيضاحه تماما.. كنا نجلس في المقهى، وجاءنا أحد الأصدقاء، كان وكيلا للنائب العام، (وهو في موقعه بسبب والده طبعا)، فقال لنا "حصلت اليوم على ترقية كذا.. وأصبح من حقي أن أسجن أي واحد فيكم كذا يوما" !

كان في الجلسة طبيب "بواسير".. فقال له "أنا بدون أي ترقية بإمكاني أن أعريك وأن أرى مؤخرتك لأكشف عليك" !

كان في الجلسة طبيب نساء.. اكتفى هذا الطبيب بالنظر لصديقنا وكيل النيابة.. فضحكنا جميعا، وظللنا نتندر بهذا الموقف سنوات طوال !

مشكلة الطبيب في مصر المقلوبة أنه صاحب مقام.. أو "ذو حيثية" (لأسباب علمية مهنية مستحقة) في مجتمع يحكمه ويتصدره بعض السفلة ممن لا حيثية لهم في أي بلد محترم !

هذا "البالطو الأبيض" يعطي صاحبه أهمية لا يرضى عنها الجاهل الأرعن الذي يحمل سلاحه مهددا به الرائحين والغادين، ذلك الجاهل الذي يكون عادة من المتخلفين دراسيا، ومن أصحاب المجاميع المتدنية.. لا يعجب حامل السلاح أن يكون هناك نقابة للأطباء.. أن يكون هناك أطباء كبار يأتيهم الناس من كل فج عميق..

هذه العصابة التي تتحكم في مصر تتعامل مع أي شخص "ذو حيثية" بحساسية شديدة، في أي مجال كان، لذلك ترى هذه العصابة تخلق أصحاب الحيثية خلقا، ويكون ذلك باستحضار سلم القيم المقلوب، فتمنح الصدارة للضباط طبعا، وبعد ذلك الممثلين والراقصات ولاعبي الكرة وأصحاب الدرجات الدنيا في كل شيء في المجتمع.. تصبح لهؤلاء الصدارة، لأنه يسهل التحكم في غالبيتهم.

وإذا ظهر أي شخص "ذو حيثية" في المجتمع فلا بد من احتواءه، لا فرق في ذلك بين "عمرو خالد"، و"عمرو دياب" !

*       *       *

اليوم.. هناك آلاف الأطباء في مصر اليوم يقفون حاجزا بين المواطنين والوباء، قلوبهم تنفطر بسبب قلة الإمكانات، يموتون دفاعا عن الشعب، ويواجهون خطر الموت دون الحد الأدنى من وسائل الحماية، ودون أدنى اعتراف من الدولة بدورهم، بل بتحريض ضدهم من مؤسسات الدولة (بشكل أو بآخر) !

هؤلاء الأطباء لم يستشرهم أحد في القرارات المتعلقة بكيفية مواجهة الجائحة (أتحدث عن البروتوكول الطبي)، ولم يتخذوا القرارات السياسية المتعلقة بفتح أو غلق الحياة العامة، ولكنهم مطالبون اليوم بتحمل تبعات كل تلك القرارات دون اعتراض.

بل إنهم مطالبون بالعمل في أسوأ الظروف، دون أي وسائل للحماية من الفيروس، وهم يشاهدون دولتهم تتكرم بمنح الدول عطايا وهبات من المنح الطبية التي هم في أمس الحاجة إليها.

*       *       *

لا نملك سوى أن نهدي تحية كبيرة لكل العاملين في القطاع الطبي في مصر، وندعو لهم بالتوفيق.. ونتمنى أن يدرك الشعب المصري أنهم ليسوا مسؤولين أبدا عن الكارثة، بل تم استبعادهم من دائرة اتخاذ القرار، وسيتم إلقاء اللوم عليهم.. وعلى الشعب أيضا، وهو ما يدعو إلى ضرورة الاتحاد بين الطواقم الطبية والناس لمواجهة هذه الاتهامات الكاذبة التي تحاول السلطة أن تبرئ نفسها بها، بعد أن دخلت مصر مرحلة الخطر.

شواهد كثيرة تدلّ على أن الوضع في مصر يتجه إلى الأسوأ، ولذلك لا أملك إلا أن أذكر المصريين بما قلته في مقالتي التي نشرت هنا في موقع عربي21 في الثاني والعشرين من مارس 2020م تحت عنوان (في انتظار الكارثة).. قلت:

(وإذا كان الوضع كذلك فإنني أنصح جميع المصريين بأن يتخذوا جميع احتياطاتهم بأنفسهم، دون انتظار دولة أو نظام، وأن يتكاتفوا فيما بينهم للصمود أمام هذه المحنة.. افترضوا أسوأ الافتراضات.. افترضوا أن الدولة لن تقوم بدورها، لأن هذا هو الأرجح.

إذا قامت الدولة بدورها فأهلا وسهلا.. ولكن الحقيقة المُرّة أن الدولة كانت في السنين الماضيات منشغلة ببناء السجون للشعب، وبناء القصور للمسؤولين).

نسأل الله أن يخيب ظنوننا، وأن يحفظ مصر وشعبها.. إنه على كل شيء قدير

*       *       *

ملحوظة خارج الموضوع:

أتمنى أن يلزم المقاول محمد علي الصمت، وأن يلتزم بقراره السابق الموفق بالانسحاب من السياسة، فما زال كثير من المصريين يعانون في السجون بسبب اندفاعه في دعوة الناس للنزول إلى الشارع.. قليلا من الحكمة.. الحياة السياسية لا تحتمل مزيدا من الاندفاع، والإصرار على المضي في طريق ثبت فشله يزرع الشكوك في النفوس..

 

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21