"ستوب" !

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 10-5-2020 م

 

كنت مذيعا شابا في بداية حياتي المهنية، وكانت الحلقة ذات طبيعة وثائقية، موضوعها مرض الإيدز في الوطن العربي، التقيت بفريق التصوير في الصباح الباكر، وانطلقنا إلى ضاحية المهندسين بالقاهرة، لإجراء لقاء مع ضيف من إحدى الدول العربية.. استقبلنا في منزله، وبدأ فريق التصوير بتجهيز الموقع لإجراء اللقاء..

بدأت – كعادتي – أتحدث مع الضيف في أمور عامة، ألاطفه في مواضيع شتى لكسر الثلج قبل التصوير، وأخذت عنه انطباعا جيدا، يبدو مثقفا، متزنا، حتى من ناحية الشكل والأناقة.. شكله جذاب أمام الكاميرا، كان حتى تلك اللحظة بالنسبة لي شخصا مجهولا تماما، لم أسمع به في حياتي.

السؤال الأول في اللقاء "هل تعتقد أن هناك مؤامرة لنشر مرض الإيدز في الوطن العربي؟ وإذا كانت هناك مؤامرة.. فمن وراءها؟ وما الهدف منها؟"

حين سمع الضيف السؤال.. أجاب بهدوء شديد، وبرصانة عالية، وبلاغة فائقة، قائلا ما خلاصته (أنه لا يوجد أي دليل علمي أو شبه علمي على هذا الكلام، وأنه لا توجد قوة في الدنيا لها مصلحة في نشر الإيدز في أي مكان في العالم، سواء في الوطن العربي أو في غير الوطن العربي، وأن هاجس نظرية المؤامرة هو الذي يصوّر لبعض الناس هذا الأمر).

كنت سعيدا بكلامه.. أحب هذا النوع من الضيوف الذي يعطيك زبدة القول بجمل محددة رصينة، دون مبالغات أو تشنج..

ولكن فجأة وبدون مقدمات سمعت كلمة (ستوب) تدوّي عاليا في موقع التصوير !

وجدت معدّ الحلقة بعد أن أوقف التصوير يقترب من الضيف ويقول له (بعد إذنك يا أستاذ.. احنا عايزين العكس.. عايزين المؤامرة) !

حين دارت الكاميرا مرة أخرى.. رأيت الشخص نفسه وقد تحوّل أسدا هصورا، فانتفخت أوداجه، وارتفع صوته، ورأيته ينظر لي وهو يكاد يتميز غيظا، ودموعه تكاد تسقط من الحزن والغضب.. وقال (طبعا هناك مؤامرة.. ومن لا يراها فهو أعمى يا سيدي.. هناك أطفال أبرياء في ليبيا تم حقنهم بالإيدز عمدا.. هناك حالات في الجزائر.. وغيرها.. يا سيدي إن نشر الإيدز في الوطن العربي له خطة محكمة، بخطوات محددة، ورصد لها ميزانية ضخمة، ويتولى تنفيذ ذلك أجهزة تخابر معروفة، ويجب على الدول العربية أن تواجه ذلك، وإلى متى السكوت على هذه المهزلة؟؟.. والخ الخ) !

بعد انتهاء التصوير.. استلم الضيف "الكريم" مظروفا فيه أتعابه.. وانصرفت أنا بدرس من دروس العمر لا ينسى.. (لم يكن بإمكاني في ذلك الوقت الاعتراض على ما حدث، كما أنني كنت أرغب في رؤية هذا العالم كما هو، بكل مصائبه وفضائحه).

*       *       *

هذا الذي حدث مع الضيف كان حدثا عاديا، فقد لاحظت أن أحدا من طاقم التصوير (وكلهم أقدم مني في العمل) لم يستغرب، بينما ظلت هذه الحادثة ملتصقة في ذاكرتي منذ أوائل عام 2005 حتى اليوم، ولن أنساها ما حييت.

لا أبالغ إذا قلت إنني ظللت شهورا أحكيها للمقربين مني، وكل من رويت له القصة كان يفغر فاه دهشة من هذه الذمة المعروضة للإيجار !

في رأيي الشخصي.. هذا الرجل كان يتحدث برأيه الحقيقي في البداية، وهو الرأي الذي يقوله غالبية العقلاء، فلا مؤامرة في أمر مثل ذلك إلا بدليل.

ولكن ما أكثر الذين يعرضون أنفسهم لكي "يمعقلوا" ما هو غير معقول، وليثبتوا ما لا يمكن إثباته مقابل مظروف مالي !

*       *       *

إن العمل في مجال الإعلام يتيح للمرء أي يرى كثيرا من الكائنات كما هي، فهو يراها قبل دخول غرفة الماكياج، وبعد أن تخرج منها، يراها قبل كلمة (ستوب)، وبعد أن يهتف بها شخص ما ملوّحا بمظروف مالي.

من هذا المنطلق أصبح المرء قادرا على ملاحظة الفارق بين هؤلاء الذين تمكنوا من الظهور كضيوف، أو العمل في مجال الإعلام كمذيعين في عهود متعددة، في قنوات تلفزيونية مختلفة، وكتبوا في صحف كثيرة، واستضافتهم مؤسسات، وجامعات، ووزارات ثقافة، بل ربما تراهم حصلوا على أوسمة ونياشين.. كل ذلك لأنهم يقبلون أن يقف شخص ما في مواجهتهم قائلا (ستوب).. ثم يملي عليهم وجهة النظر الصحيحة.. أو المطلوبة.. أو بمعنى أدق.. وجهة النظر التي يحصل بها على مظروف مالي.

*       *       *

قد يكون الضيف الذي أتحدث عنه مضطرا لذلك، فمن الواضح أنه لاجئ في القاهرة، صحيح أن مستوى منزله يوحي بحياة جيدة، ولكن لا أحد يدري، فما أكثر الذين تنقلب حياتهم رأسا على عقب بسبب تقلبات السياسة في وطننا العربي المنكوب بحكامه.

قد يكون في زمن آخر – أعني في شبابه – رجلا مناضلا ذا تاريخ، ثم انكسر في لحظة من اللحظات، فأصبح معروضا للبيع والإيجار.

قد يكون وقد يكون.. ولكن ما زلت أؤمن أن قدرة الإنسان على تقبل كلمة (ستوب) من أي شخص كان، ثم الاستماع إلى تعليمات من أي جهة كانت، لا معنى لها سوى أن هذا الإنسان يعاني من تليّف في خلايا الضمير !

هذا الضيف في عالم الإعلام متوسط الأهمية، يستدعى كلاعب احتياط، ليس له أي دور بطولة في أي برنامج، أو مجلة، أو جريدة، ليس نجما من النجوم الذين نراهم باستمرار، ولكني بعد هذه الحادثة لم أنسه أبدا، وظل اسمه عالقا في ذهني – وسيظل –، رأيته كثيرا يتحدث في الشأن السياسي في (بلده)، ودائما كنت أتساءل.. ترى هل هتف أحد في موقع التصوير بكلمة (ستوب) وطلب منه أن يقول العكس؟

 

 

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21