أين الحقيقة؟

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 19-4-2020 م

 

لا أحد يعلم ما الذي يحدث في مصر !

منذ عدة أيام أذاعت إحدى القنوات التلفزيونية المصرية بثا مباشرا لعملية اشتباك "سينيمائية" بين الشرطة المصرية وبين ما سمته القناة (مجموعة إرهابية) في أحد أحياء القاهرة، واستمر هذا الفيلم – حسب شهود العيان – عدة ساعات، وانتهى بمقتل المجموعة التي وصفت بالإرهاب (كالعادة)، ومقتل عنصرين من الشرطة.

كثير من أهل المنطقة كتبوا عبر مواقع التواصل الاجتماعي ما يفيد أن الأمر لا علاقة له بالإرهاب، وأن ما حدث كان حادثا جنائيا، فالمجموعة كانت عصابة استولت على أموال من شركة صرافة، وبعد هروبها طاردتها الشرطة، وتطورت الأحداث حتى حوصرت المجموعة في إحدى البنايات، وحدث ما حدث (الروايات كثيرة، ولكن غالبيتها تدور حول حادث سطو).

دائما تنتهي اشتباكات الشرطة مع المجموعات "الإرهابية" بمقتل المجموعة كلها، ودائما لا شهود !

يذكرني ذلك بمقتل خسمة مصريين اتهموا بأنهم تشكيل عصابي يسرق الأجانب، وأنهم قاموا باختطاف وقتل الباحث الإيطالي المغدور "جوليو ريجيني"، قتلتهم الشرطة جهارا نهارا، (ولم يبق منهم واحد ليشهد)، ثم تبيّن بعد ذلك أنهم أبرياء، ونشرت أدلة براءتهم في العالم كله، ولم يجر حتى اليوم أي تحقيق في الأمر، فأهل الحكم في مصر لا يعبأون بالحقيقة، ولا أحد يستطيع محاسبتهم.

*       *       *

يظن البعض أن الحديث عن الأحداث الإرهابية من هذا النوع ترف، وأن المواطن "العادي" لا علاقة له بإخفاء الحقائق في مثل هذه المواضيع ذات الطبيعة السياسية، ولكن الحقيقة أن طباع أنظمة الحكم تظهر في جميع شؤون الحياة، بما فيها الشؤون الحيوية التي تمس المواطن في أمنه، ولقمة عيشه، وشربة مائه، وصحته، وتعليمه، وغيرها.

نرى اليوم تعامل نظام الحكم في مصر مع جائحة كورونا، لا أحد يعلم ما يحدث، ولا أحد يعلم إذا كانت الحكومة نفسها تعلم.. لا أحد يعلم هل تملك أجهزة الدولة الإرادة في أن تعلم، أو ربما لا تملك الكفاءة.. لا أحد يعلم.

المؤشرات تؤكد أن ما يجري في مصر أكبر بكثير مما يتم الإعلان عنه، وأن ما تعلنه الحكومة ليس أكثر من بيانات "مختلقة" الهدف منها إظهار البلاد في حالة جيدة، بحيث لا تتوقف عجلة الإنتاج، وبحيث لا تتحمل الدولة أي التزامات ناتجة عن توقف تلك العجلة "المزعومة".

لا بد من ملاحظة أن أهل الحكم في تلك اللحظة يجمع بينهم قاسم مشترك هو "الجهل"، فرأس السلطة وغالبية المحيطين به يعانون من جهل تعليمي فادح فاضح، وهم يكرهون العلماء – كعادة المستبدين – ولا يجرؤ أحد على تقديم نصيحة صادقة، لأن جهلهم يظهر لهم هذه النصائح تطاولا، إن مجرد ظهور العلماء في الصورة يذكرهم بمدى جهلهم وسطحيتهم.

في الإكوادور.. في مدينة "غواياكيل" على وجه التحديد أصبحت جثث المرضى الذين قتلهم فيروس كورونا تلقى في الشوارع ولا تجد من يدفنها !

في مصر.. كثير من الذين توفاهم الله بالمرض لا يجدون من يغسلهم، وحدث في بعض الأماكن أن تجمهر الأهالي رافضين دفن بعض من قتلهم الفيروس في مدافن البلد، وبالتالي يمكن أن تتطور الأحداث بشكل خطير، بشكل لا يمكن تخيله.

لقد أصبحت أي حادثة وفاة في مصر اليوم تستدعي أسئلة من كل المتخصصين في تغسيل جثث الموتى (كيف مات؟ هل هو مصاب بكورونا؟)، وفي حالة وجود أي شك بالإصابة يعتذر المغسل فورا.

إن مصر في ظل النظام الحالي مهيأة لكارثة كبيرة، وأول ما يؤدي لهذه الكارثة هو سياسة التعتيم الذي تفرضه الأجهزة الأمنية على كل شيء، على أي شيء، مهما كان مهم أو غير مهم.

*       *       *

من الأسئلة التي تطرح أيضا في شأن الجائحة قرار إغلاق المساجد والزوايا في مصر، وهو قرار سليم، ولا يناقض الشرع، بل هو عين ما تفرضه الشريعة الإسلامية التي تفرض الحفاظ على النفس الإنسانية أكثر من أي شيء.

ولكن المحير أن يتساهل النظام في كل التجمعات والنشاطات الإنسانية الأخرى، ويصرّ إصرارا كاملا على غلق المساجد !

هذه ليست دعوة لفتح المساجد، فالقرار صحيح، وهو ما تفرضه الشريعة كما قلت، وكلامي هنا ليس أكثر من دعوة أو نصيحة أو "التماس" بغلق كل أشكال التجمعات الإنسانية، لا فرق في ذلك بين كنيسة أو موقع تصوير مسلسل أو فيلم، وبين مواصلات عامة.. الخ

إن قرار منع التجول ليلا، والسماح به صباحا قرار لا يفهمه أحد، ولا يوجد له منطق علمي يمكن أن يشفي غليل المتسائلين عن الحكمة خلفه.

وكما قلت.. يظل في مصر كل شيء غامضا، ولا أحد يعرف على وجه الدقة أين الحقيقة.. فالحقيقة في مصر دائما أمر محظور على الغالبية العظمى من الناس.. ومحاولة معرفة الحقيقة في مصر دائما تجلب لصاحبها المتاعب، بل إنها قد تكون طريقا مختصرة للهلاك.

نسأل الله أن يلطف بالشعوب المستضعفة.. وأن يكشف هذه الغمة عن الإنسانية كلها.. وأن يقينا شر الحكام المستبدين الذي يخفون الكوارث عن الناس ثم تنفجر فجأة في وجوه البسطاء.. حينها يستقلون طائراتهم الخاصة.. ويتركون البلاد والعباد لمصير لا يعلمه إلا الله..

 

 

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21