مؤامرة كورونا

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 12-4-2020 م

 

 

أسئلة كثيرة يطرحها فيروس كورونا، من أهمها هل هو حدث طبيعي؟ أم أنه مرض مصطنع؟ أم هو مزيج من الاثنين.. بمعنى أنه خطأ حدث في معمل من معامل الحرب البيولوجية وخرج إلى الشارع كما يحدث في أفلام هوليوود؟

إجابة العلماء الثقات في هذا الأمر لا توحي بأنه فيروس تم اختراعه أو تعديله أو تطويره في معمل ما، بل هو فيروس تطور في الطبيعة، في عالم الإنسان أو الحيوان، أو قفز بينهما، لا أحد يستطيع الجزم، ولكن الأمر المؤكد.. أنه فيروس تطور في الطبيعة، ولم يصنعه أحد.

*       *       *

ولكن رغم إجابة العلماء المتخصصين في الفيروسات والأوبئة عن هذا السؤال نرى كثيرا من المحللين السياسيين ما زالوا يتشككون في الأمر.

يفترضون أن هناك من يسوق الناس باتجاه معين، وأن هناك قائدا غير مرئي أو غرفة عمليات مركزية سرية تدير الأزمة، وتستفيد منها، إنها نظرية المؤامرة التي يطاردنا أنصارها في كل حدث كبير أو صغير، محاولين إثباتها بشتى الطرق.

أنا شخصيا لا أنكر المؤامرة كمحرك من محركات أحداث التاريخ، ولكن في الوقت نفسه لا يمكن أن ننكر أن هناك تدافعا طبيعيا يحدث في الحياة، وأن هناك من يستطيع أن يستغل هذه الأحداث في الشر، وهناك من يستثمرها في الخير، وهذا لا يعني أن أي طرف من الطرفين (الخيّر أو الشرير) كان خالقا للأحداث من البداية.

في هذه الأزمة بالذات من الواضح أن من يدير الرأي العام ليس الإعلام العالمي، وليس السياسيين الانتهازيين، بل العلماء المتخصصون !

الكلمة العليا اليوم ليست لترامب.. بل للطبيب الأمريكي "أنتوني فوشي"، مدير المعهد الوطني الأمريكي للحساسية والأمراض المعدية وأمثاله من المتخصيين.

إن خطر الإصابة بالفيروس يطال الجميع، ولم يستثن أحدا من أي طبقة من طبقات المجتمع، فقيرا كان أو غنيا، صاحب نفوذ أو من آحاد الناس، ملكا كان أو صعلوكا.. وبالتالي من الصعب على العقل المتزن أن يسلم بأن هناك مؤامرة ما تحرك الأحداث، خصوصا مع الحقائق العلمية التي أكدها العلماء المتخصصون، والتي تؤكد أن الفيروس ليس نتيجة عمل معملي.

*       *       *

ينظر البعض للحدث الكبير برؤية "حداثية" غارقة في اللحظة الراهنة، دون أي محاولة لتتبع الحدث تاريخيا، فترى المحللين الذين يرون في الأمر مؤامرة يتجاهلون تاريخ الأمراض والأوبئة في تاريخ البشرية، وكأن الإنسان مخلوق لم يهبط إلى الأرض إلا منذ ثلاثين أو أربعين عاما مضت !

والحقيقة عكس ذلك.. فتاريخ البشرية يمتلئ من أوله لآخره بالأمراض والأوبئة، إنها سمة من سمات التجمعات الإنسانية منذ فجر التاريخ.

من أكبر الأخطاء التي يقع فيها المحللون السياسيون أن ينظروا للظاهرة – أيا كانت – بمنطق اليوم، دون أي مجهود لمراجعة تاريخ الظاهرة.

يشكّ البعض اليوم في جائحة كورونا لأنها سوف تقضي على آلاف الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم لصالح الشركات الكبرى، والحقيقة أن جميع الأوبئة على مدار آلاف السنين فعلت ذلك، لا أقول أنها كانت تقضي على تجارات صغيرة، بل كانت تقضي على قرى وبلدات بكل ما ومن فيها.

كان من ضمن الموارد شبه الثابتة للدول ثروات العائلات الثرية التي تهلك بالكامل في الأوبئة، وتبقى أموالهم وعقاراتهم بلا وارث، إذ كان من الأحداث المتكررة أن تفنى عائلات كبرى، عدد أفرادها بالعشرات خلال الوباء، فلا يتبقى من العائلة شخص واحد، وبالتالي تأخذ الدولة كل تلك الثروة وتضمها إلى خزينة الدولة !

في العصور القديمة – والحديثة أيضا – كانت الحروب والأوبئة تغير التركيبة السكانية، فتحول الدولة ذات الكثافة السكانية المرتفعة إلى دولة تعاني من انخفاض عدد السكان، وتغير التركيبة الاقتصادية، فيتغير تركيز الثروة في أيدي القبائل، أو توزيعها جغرافيا، وتتغير الاحتكارات التجارية والزراعية.. كان الوباء يدخل البلد فيهدمها، ويعاد بناؤها من جديد.

لا يمكن لعاقل أن يقول إن من مات في الوباء أو تضرر منه، كان ضحية مؤامرة قام بها من استفادوا منه، أيا كان شكل الاستفادة.

*       *       *

لا أبالغ أيضا إذا قلت إن الوباء في الماضي كان قادرا على إسقاط الأنظمة والإمبراطوريات وإقامة أخرى !

طبعا لا يمكن أن نعتبر سقوط دولة أو قيام أخرى كان لسبب واحد فقط (وباء كان أو أي سبب آخر)، فالدول تسقط في العادة لمجموعة من الأسباب تتكاثر وتتكاثف حتى تؤدي إلى السقوط.

ولكن لا يمكن أن ننكر أن سقوط الدولة الأموية مثلا كان من ضمن أسبابه كثرة الأوبئة، وأن من ضمن أسباب ترسخ الدولة العباسية أنها لم تعان من الأوبئة مثلما عانت سابقتها، خصوصا في مراحل التأسيس الأولى.

حين فتح المسلمون بلاد فارس، كان من ضمن أهم أسباب انتصارهم أن تلك الفترة التي هجم فيها جيش المسلمين كانت بلاد فارس تعاني من وباء فاتك، أثر على كل شيء، بما في ذلك القدرات العسكرية لجيش الفرس، مما سهل هزيمته أمام جيش المسلمين بقيادة سعد بن أبي وقاص في معركة القادسية، وغير ذلك من الأحداث التي لا حصر لها في التاريخ البشري كله.

*       *       *

خلاصة القول.. يتناسى البعض أن اللحظة التاريخية التي تعيشها البشرية اليوم ليست إلا لحظة عابرة، قصيرة، استثنائية، وليس معنى أن البشرية استطاعت أن تحجم من كوارث الأوبئة لمدة نصف قرن أن ننسى تاريخ البشرية الطويل الممتد لآلاف السنوات من الأوبئة.

من الأفضل لنا أن نتعامل مع الظاهرة كما هي، دون محاولة فلسفتها بشكل تآمري أو ميتافيزيقي، يؤدي في النهاية إلى اللافعل، أو بمعنى أدق.. يؤدي في النهاية إلى أن يُفعَلَ بنا.

أما إذا تساءل أحد (ماذا نفعل؟)، فإني أحيله إلى مقالتي السابقة بعنوان (كورونا بين الحرية والاستبداد)، وخلاصتها أن أحرار العالم ينبغي أن يتكاتفوا ضد موجة استبداد كبرى ستستغلها الأنظمة لمزيد من السيطرة على الشعوب.. بحجة الحفاظ على الصحة !

نسأل الله أن يكشف هذه الغمة عن البشرية كلها.. وأن يلهم الأحرار العمل لاستثمار هذا الحدث لصالح الشعوب، بدلا من ترك أنظمة الاستبداد تستغله لمزيد من السيطرة، ومزيد من الثروات الحرام في كروش الشركات العابرة للقارات.

 

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21