في انتظار الكارثة

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 22-3-2020 م

 

أحاول أن أتخيل كارثة وباء "كورونا" قد حلّت على مصر في الوقت الذي كانت فيه روح ثورة يناير تنشر عطرها في سماء البلاد..

لو حدث ذلك لنزل مئات الآلاف من شباب الثورة إلى شوارع مصر في حملات توعية مجانية، لرأيت شباب الإسلاميين والليبراليين والحزبيين والمستقلين غير المنتمين في طول مصر وعرضها يقدمون كل الخدمات للناس مجانا.

لرأيت الأدوية، وكمامات الوجه الطبية، والمساعدات العينية، والمطهرات.. كل ذلك سيصل إلى غالبية فقراء البلاد دون عناء، ودون منّة من أحد.

سيدخر شباب الثورة من قوت يومهم لكي يحموا هذا الشعب !

هؤلاء الشباب سينشرون الحقائق عن المرض، وسيحاربون كل الإشاعات التي تنتشر أيا كان مصدرها، سيستثمرون وجودهم القوي على الأرض، ووجودهم الكاسح على السوشيال ميديا، من أجل الحفاظ على استقرار هذا البلد.

سيتعاونون مع الحكومة – أيا كانت – من أجل الشعب، وإذا ما قصرت الحكومة فهم يعرفون جيدا كيف يمكن الضغط على المسؤولين لكي يقوم هؤلاء المسؤولون بواجباتهم أمام هذه الجائحة.

اليوم نرى أهل الحكم قد توحشوا، واستفردوا بالناس، ولا أحد يستطيع أن يعترض بعد الإرهاب المنظم الذي مارسه النظام منذ عام 2013.

*       *       *

أتخيل ذلك.. ثم أنظر في التقارير والفيديوهات التي تأتي من مصر تباعا، فأضع يدي على قلبي، ثم أدعو الله قائما وقاعدا أن يحفظ بلدنا من هذه العصابة التي لم تقم بأي شيء يكاد يذكر لكي تحصن الناس من خطر هذا الوباء الذي هز دولا عظمى.

يظن البعض أن انهيار الأنظمة الصحية في بعض الدول متقدمة أمام هذا الفيروس سيعتبر عذرا مقدما للنظام المصري، والحقيقة أن نظام الحكم في مصر مقصر تقصيرا كبيرا، فهو لم يلتزم بالدستور الذي أجبره على إنفاق حد أدنى من الدخل القومي على القطاع الصحي، وترك المنظومة الصحية تزداد انهيارا يوما بعد يوم، في الوقت الذي أنفقت فيه المليارات على القصور وسفاسف الأمور، وكذلك لم يلتزم هذا النظام بأي قدر من الشفافية في نشر المعلومات الحقيقية المتعلقة بالفيروس، بل كانت هناك أوامر بنشر معلومات مضللة، وتكذيب كل ما يأتي من معلومات من الخارج.. وكل ذلك سيؤدي في النهاية إلى أمر جلل.

صحيح أن هذه الأنظمة لم تتمكن من احتواء الوباء، ولكنها اتخذت عشرات الإجراءات من أجل أن ينجح ذلك الاحتواء خلال فترة محدودة، في الوقت الذي لا نرى فيه أي إجراء حقيقي على الأرض في مصر، سواء في الكشف عن المرض، أو في العزل والحجر الصحي !

غاية ما تفعله الحكومة المصرية أنها بدأت من الآن بالتمهيد للفشل، وبإلقاء الفشل على الشعب، فها هي وزيرة الصحة – وكلنا نعلم كيف وصلت السيدة زوجة السيد اللواء لمنصبها – تقول دون خجل (لو فشلنا في مواجهة كورونا فالسبب سلوكيات الناس) !

*       *       *

أتعجب من الإعلام المخابراتي الذي بذل مجهودات ضخمة للتهوين من خطر هذا المرض حتى اقتنع كثير من الناس بذلك فعلا، وأصبحت هناك مشكلة جديدة تتعلق بتغيير قناعات هؤلاء، قبل أن نقنعهم بضرورة أخذ الاحتياطات اللازمة لمقاومة الفيروس.

أتحسّر على تلك الأسابيع الثمينة التي ضاعت سدى في إنكار وجود حالات داخل البلاد، وكأن وجود حالات مصابة سبة يعيّر بها النظام.. "يحسبون كل صيحة عليهم" !

أنظر بحسرة لفيديوهات مدفوعة من الأجهزة الأمنية لبعض نكرات الإنترنت من أجل طمأنة الناس بدلا من تحفيزهم لمواجهة الخطر بالطرق الصحيحة.

أتابع باندهاش ما تكتبه الصحف الكبرى في العالم عن استهتار الحكومة في مصر أمام الكارثة التي تقترب.

أنظر بفزع إلى ما قاله السفير الفرنسي في القاهرة منذ أيام عن الكارثة التي يتوقعها، وتحذيره للفرنسيين المقيمين في مصر.. (حتى إذا اعتمدنا الترجمة التي ترضي النظام.. النتيجة واحدة).

كل ذلك يجري وأمامنا نظام لا يبالي بما يحدث للشعب.. فلا مسؤول يظهر ليخبر الناس بالحقيقة، ورأس النظام مختفٍ – ولا مجال لترديد أي شائعات لا دليل عليها –، نظام وصل به الغباء درجة عدم معرفة أن السفينة ستغرق بالجميع، ولا عاصم حينئذ من الطوفان إن جاء، وأبواب مستشفيات أوروبا وأمريكا مغلقة أمام هؤلاء الذين يملكون الطائرات الخاصة ويدفعون أعلى شريحة في التأمين الصحي العالمي.. لن يجدوا سريرا فارغا إذا أصابهم هذا المرض.. مهما فعلوا.. العالم الأول مشغول بمصيبته عن أثرياء العالم الثالث !

*       *       *

في وسط كل ذلك وجدت التفسير المرضي لما يحدث !

لماذا لا يعبأ أحد بهذا الشعب؟ لماذا لا نرى أحدا من المسؤولين يهتم بالناس؟ أين هؤلاء الذين يتخذون القرار؟

لقد وجدت التفسير في الفيديو الذي أذاعه اليوتيوبر الشهير عبدالله الشريف في حلقته التي أذيعت يوم الخمس الماضي الموافق 18 مارس 2020، والذي يوضح قيام ضابط جيش مصري بزيه الرسمي بقتل مواطن مصري من أهل سيناء، وتقطيع أصابع من الجثة، ثم حرق الجثة مع مجموعة من الحاضرين (المحتفلين).

تذكرت حينها الحقيقة المؤلمة.. وهي أن هذا النظام ليس أكثر من ميليشيات مسلحة، تخطف الوطن بمن وما عليه، وهذا أمر حدث منذ خمسينيات القرن الماضي، وليس جديدا.

لا أحد يهتم بالمصريين من أهل الحكم.. إنهم أسوأ من قوة احتلال !

البعض يظن أن تلك الممارسات السّاديّة جديدة، أو أنها بدأت بعد انقلاب الثالث من يوليو 2013م، والحقيقة أن هذه الممارسات الوحشية ضد أهالي سيناء خاصة، والشعب المصري عامة، قديمة قدم الانقلابات العسكرية في بر المحروسة.

أهل سيناء يعانون ما يعانون منذ عصر مبارك، والقتل الممنهج ضدهم مستمر منذ عهد المخلوع.

والتصفية بلا انتظار تحقيقات، والقتل خارج نطاق القانون كان ديدن وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية خلال فترة التسعينات من القرن الماضي في صعيد مصر، بل في مصر كلها.

لم تكن تلك الأجهزة الأمنية تشغل بالها بأي شكليات قانونية، وكم قتلوا من أبناء هذا الشعب دون محاكمة.

وإذا عدت إلى زمن أقدم.. ستجد صحراء المقطم تشهد على جثث عشرات المصريين الذين ماتوا تحت التعذيب ثم دفنوا في جنح الليل في تلك الصحراء في ستينات القرن الماضي، وفُقِدَ أصحابها إلى الأبد.

حين شاهدت الفيديو الذي أذاعه عبدالله الشريف.. فهمت لماذا نحن في انتظار الكارثة !

هؤلاء الحكام يرون الشعب عدوا.. ويتمنون الخلاص منه.. وجميع حساباتهم قائمة على قتل الشعب بشكل متواصل، وقهره بشكل متعمد، لمنعه من الثورة والتحرر من الظلم.

وإذا كان الوضع كذلك فإنني أنصح جميع المصريين بأن يتخذوا جميع احتياطاتهم بأنفسهم، دون انتظار دولة أو نظام، وأن يتكاتفوا فيما بينهم للصمود أمام هذه المحنة.. افترضوا أسوأ الافتراضات.. افترضوا أن الدولة لن تقوم بدورها، لأن هذا هو الأرجح.

إذا قامت الدولة بدورها فأهلا وسهلا.. ولكن الحقيقة المُرّة أن الدولة كانت في السنين الماضيات منشغلة ببناء السجون للشعب، وبناء القصور للمسؤولين.

أقسم بالله العظيم غير حانث أنني أتمنى أن أكون مخطئا، وأدعو الله أن يوفق أي شخص محترم في هذا النظام لكي يحمي مصر من آثار هذا الوباء.. ولكن جميع المؤشرات تقول إن ذلك لن يحدث.

لا يفوتني هنا أن أفرق بين (الدولة)، وبين (العاملين في القطاع الطبي الحكومي أو الخاص)، لذلك لا بد أن أحيي كل العاملين في المجال الطبي في مصر، هؤلاء الذين يعملون بلا إمكانيات تكاد تذكر، ودون أجر معتبر، (يصل بدل العدوى للأطقم الطبية 19جنيها مصري فقط، وهو ما يعادل دولارا وربع تقريبا).

العاملون في القطاع الطبي ليس في أيديهم أي شيء، وستكون العدوى بينهم كبيرة، وهم بلا إمكانيات تذكر سواء لحماية أنفسهم من المرض، أو لإنقاذ المصابين، وهم مؤهلون للقيام بأدوار عظيمة، ولكن القرار ليس في أيديهم، وسياسات الدولة يرسمها مجموعة من اللصوص الجهلة.

*       *       *

كلمة لا بد منها:

كم تألمت ومعي كل الشرفاء من ردة فعل الأجهزة الأمنية على وقفة السيدات الفاضلات (د. ليلى سويف، الكاتبة أهداف سويف، د. رباب المهدي، العزيزة منى سيف)، تلك الوقفة التي تطالب بطلب إنساني منطقي هو تفريغ السجون وتقليل التكدس فيها من أجل وقف انتشار المرض، ولا يمكن تجريمها بأي حال من الأحوال، فأقل عدد للتجمهر هو خمسة أشخاص، أي أن هذه الوقفة لا يمكن تجريمها حتى من الناحية القانونية الشكلية !

لا معنى لما تفعله الأجهزة الأمنية الآن وبيننا وبين الطوفان لحظات، لا بد من تقليل التكدس في السجون، وفي معسكرات الجيش، وفي معسكرات الأمن المركزي، مع اتخاذ أعلى إجراءات الحماية، وتوفير كل وسائل النظافة الشخصية، ومن يطالب بتلك الإجراءات لا يمكن أن يكون إلا وطنيا مخلصا، همه المصلحة العامة، ومن يقف ضد هذه المطالبات أو ضد من يطالب بها لا يمكن أن يكون إلا أحمقا شريرا.. يؤذي نفسه والآخرين.

*       *       *

كلمة أخيرة:

برغم المصائب والأحزان الكثيرة.. لا يفوتني أن أنعي للأمة المصرية رمزا وطنيا مخلصا هو الأستاذ الدكتور أحمد بدوي رحمه الله، أستاذ العلوم السياسية بجامعة برلين.. فقدت مصر صوتا عاقلا، وضميرا مخلصا.. لم يعرف التبرير للانقلابات العسكرية، ولم يقبل أن يعيش شيطانا يرى الظلم ولا ينطق.. عزائي لأسرته وأحبابه في مصر والعالم كله..

 

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21