سجون مصر في زمن الكورونا

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 15-3-2020 م

 

يتعالى الفزع العالمي من فيروس كورونا، ذلك الشبح الذي حل على كوكب الأرض دون سابق إنذار، استهترت به دول كثيرة، وتطور الأمر حتى أصبح كارثة عالمية، وباء كوكبيا كما صنفته منظمة الصحة العالمية، وما زال القادم غامضا، فلا أحد على وجه الدقة يعلم كيف يمكن التعامل مع المرض، ولم تنجح أي جهة في التوصل إلى علاج أو تطعيم ضد هذا الفيروس.

ما زالت مصر تصدر المرضى بأعداد كبيرة إلى الآخرين، ولكن – في الوقت نفسه – لا تعترف بوجود حالات مصابة إلا بشق الأنفس.

بدون استعراض الأرقام (لأن الأرقام تتغير كل لحظة بشكل غير منطقي)، وبدون أن نوظف الأمر سياسيا، لا بد من شخص عاقل ينصح أهل الحكم في مصر بضرورة التعامل مع الأمر بحكمة أكبر، لأن مشاكل تفشي هذا الفيروس في مصر ستكون وخيمة، وقد تؤدي إذا زادت عن حد معين إلى حالة من الهلع والفوضى لا تحمد عواقبها.

نحن نتحدث عن دولة لا تملك مستشفيات تتسع إلا لعدد محدود جدا من البشر (حتى إذا تحدثنا عن مشافي الأغنياء)، ونتحدث كذلك عن منظومة إدارية فاشلة، وعن أجهزة أمنية لا تملك أي حس أمني حقيقي (بالمعنى الواسع للحس الأمني).

*       *       *

يقترح البعض أن تعلن الدولة حالة الطوارئ، والحقيقة أن مصر في حالة طوارئ منذ سنوات طوال، ولكنها طوارئ نعلمها جميعا، إنها طوارئ يقصد بها تأمين الحاكم من المحكوم.

يقترح البعض إغلاق المدارس والجامعات، والحقيقة أن هذا الإجراء ربما يساعد في تقليل الإصابات، وربما يزيد من تفاقم الأزمة.

أقول (ربما) لأن الوضع ما زال غامضا، فالإحصاءات تقول إن الفائدة من تعطيل المدارس ليست كبيرة، لأن إصابات الأطفال بالفيروس هي الأقل، لم ينجح أحد في تفسير هذه الظاهرة حتى الآن، ولكن الأرقام تقول أن الأطفال إما تفادوا الإصابة تماما، أو أن إصاباتهم ليست حادة.

فهم على ما يبدو يصابون بنموذج أخف من المرض، فلا تظهر عليهم الأعراض، وبالتالي يتجنب آباؤهم التوجه بهم إلى المستشفيات، وبالتالي لا يتم تسجيل حالاتهم أصلا.

ولكن تعطيل المدارس سيؤدي إلى زيادة أعباء جميع الأطباء والطبيبات والممرضين والممرضات، غالبية أطقم التمريض سيصبح عليها واجبات منزلية عائلية بالإضافة لواجباتهم في مستشفياتهم (وهي واجبات تضاعفت، وما زالت تتضاعف).

لذلك لا بد أن يحسب بدقة هل من صالح الدولة تعطيل المدارس أم لا !

*       *       *

إن المشكلة الحقيقية في مصر هي السجون !

هذه الأماكن التي تعيش خارج أي منظومة رعاية صحية، كما أن المحبوسين فيها لا تسمح ظروف غالبيتهم العظمى بأي شكل من أشكال العادات الصحية التي تقي الإنسان من المرض (أي مرض).

نحن جميعا نعلم أن حالة السجون المصرية على مدار سنوات طوال أقل ما يقال عنها أنها متدهورة، وهذا ينطبق على جميع الأنظمة التي حكمت مصر، وعلى السجون بمنتهى أشكالها، السجون السياسية، والجنائية، سجون النساء، وسجون الأحداث والقصّر، وأماكن الاحتجاز في الأقسام، والسجون العسكرية.. الخ

جميع أنواع وأشكال السجون في مصر – بلا استثناء يكاد يذكر – عبارة عن أماكن سيئة التهوية والإضاءة، التغذية النموذجية فيها غير موجودة، والرعاية الصحية فيها متعذرة، والعلاج فيها من أصعب ما يمكن.

لذلك.. لا بد أن يكون هناك حل لتقليل التكدس في السجون، ولمنح المساجين فرصة حماية أنفسهم (وبالتالي حماية المجتمع) من المرض.

لا بد من الإفراج عن آلاف المسجونين بلا داع !

هذا ما فعلته إيران، ولكن كان ذلك بعد فوات الأوان (أو قبله).. فلا أحد يعلم لو لم تفرج السلطات الإيرانية عن عشرات الآلاف من المساجين ماذا كان يمكن أن يحدث أسوأ مما حدث.

لا بد أن يفهم المصريون – وأهل الحكم وصنّاع القرار – أننا حين نقول ذلك فنحن لا نقوله خوفا على المساجين (فقط)، بل نقول ذلك خوفا على المجتمع كله.. بلا أي استثناء، وبلا أي تفرقة بين غني وفقير، أو بين مسلم ومسيحي، أو بين رجل وامرأة، أو حتى بين حاكم ومحكوم.

وجود بؤرة للمرض داخل أي مدينة معناه أن ينتشر المرض في هذه المدينة، وانتشار هذا المرض سريع، سريع جدا.

وانتشار المرض في أي مدينة معناه أن ينتقل إلى المدن الأخرى، فنحن في عصر يتنقل الناس فيه بين المدن والدول بمنتهى اليسر والسهولة.

*       *       *

لقد تم بناء العديد من السجون الضخمة في مصر خلال السنوات الماضية، وهذه السجون تمتد جغرافيا على رقعة الوطن كله، فلا تكاد توجد محافظة مصرية بلا سجن مركزي ضخم، وجميع هذه السجون مكدسة بآلاف المساجين، وجميع هذه السجون كما قلنا تفتقر للحد الأدنى من الأوضاع الصحية المطلوبة في وقت مثل الذي يمر به العالم الآن.

ماذا يضير الدولة المصرية لو خففت من التكدس داخل هذه السجون؟

ماذا سيحدث لو أفرج عن آلاف المساجين الذي يقضون فترات سجن احتياطي؟

ماذا سيحدث لو أفرج عن آلاف المساجين الذين أوشكت محكومياتهم على الانتهاء؟

نحن نتحدث عن مصلحة الشعب كله.. لا نتحدث عن أي شيء آخر.

هل يمكن أن يرتقي صانع القرار وأن يتخذ هذه القرارات بهدوء، ودون ضجيج، ودون أن يعترف بأي جرم أو جريمة؟

أفرجوا عن آلاف المساجين، وامنحوا من سيبقى في السجون مساحة للتنفس، وامنحوهم كذلك القدرة على حماية أنفسهم من الأمراض والعناية بصحتهم.. وإذا لم تفعلوا ذلك فأنتم تنتقمون من الناس كلهم، ومن المجتمع كله.. أنتم تنتقمون من أنفسكم.. فهذا المرض لن يفرق بين السجين والسجان !

حفظ الله مصر من كل شر..

 

 

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21