أهم الأحداث

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 1-3-2020 م

 

أهم أحداث الأسبوع الماضي على المستوى المحلي المصري في رأي غالبية المتحدثين هو وفاة الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، وتشييع جنازته العسكرية، وما ترتب على ذلك من تعليقات وتعليقات مضادة.

ولكن الحدث الأهم في رأي كاتب السطور هو أن ثمانية مصريين أبرياء قد تم إعدامهم بمنتهى البساطة، دون أي رد فعل، ودون أن يكترث أحد.

ضاع الحدث الجلل بسبب معارك كروية تافهة، وبسبب قصر نفس كثير ممن ينتمون إلى معسكر الثورة.

كيف عرفنا بإعدامهم؟

من خلال اتصال تلفوني من وزارة الداخلية لأهاليهم.. (تعالوا.. استلموا جثة ابنكم من مرشحة كوم الدكة) !، ومن خلال أهالي الضحايا عرفنا بالمصيبة.

*       *       *

تعود بداية المأساة إلى القضية رقم 165/2017 جنايات عسكرية كلي الإسكندرية، تلك القضية ذات البعد الاجتماعي الخطير، فهي تهم الشعب المصري كله، لأنها تحمل اتهامات بعمليات قتل استهدفت مواطنين أبرياء، ورغم ذلك تمت هذه المحاكمة خلف ستار حديدي، ولم يتمكن الجمهور ولا الإعلام من متابعة وقائع المحاكمة.

تعرض هؤلاء المساكين الذين قتلوا غدرا لكافة أنواع الانتهاكات التي يقوم بها النظام المصري، فتعرضوا للإخفاء القسري، والتعذيب النفسي، والتعذيب الجسدي، وكانت النتيجة أنهم اعترفوا بارتكابهم جرائم استهداف الكنيسة البطرسية، وكمين شرطة النقب، وكنيسة ماري جرجس، والكنيسة المرقسية، وهي جرائم لا علاقة لهم بها من قريب أو بعيد، وبعض المتهمين مبلغ عن اختفائه قسريا قبل أحداث الجرائم تلك بشهور، وفي النهاية تم نظر القضية أمام القضاء العسكري رغم أن المتهمين مدنيون.

الغريب في الأمر (إن كان ثمة ما يدعو للاستغراب في مصر) أن المتهمين قد أثبتوا تعرضهم للإخفاء القسري، وأثبتوا تعرضهم للتعذيب أمام نيابة أمن الدولة "الموقرة"، ولكن النيابة "المحترمة" لم تشعر بأي حرج لعدم فتح تحقيق في هذه الادعاءات، أي أنها لم تعبأ بمجرد فتح تحقيق "شكلي".. "روتيني" في ادعاءات يدعيها متهمون معرضون لعقوبة الإعدام، متهمون حكم عليهم بالإعدام بعد ذلك، وتم تنفيذ الحكم فيهم بالفعل !

تخيل أن السادة في نيابة أمن الدولة مرّ عليهم أشخاص يزعمون أنهم معتقلون قبل وقائع الجريمة التي يحاكمون بسببها، وهؤلاء الأشخاص تم الحكم عليهم بالإعدام، وتم تنفيذ حكم الإعدام فيهم، وبعد ذلك يطالبنا بعض المخبولين باحترام هذه المؤسسة، وبعدم التعليق على أحكامها !

لقد بصمت النيابة على محضر تحريات الأمن الوطني، ووافقت على كل الإجراءات بداية من الإخفاء القسري، والتعذيب، وصولا إلى سلم المشنقة !

*       *       *

بعد أن أحيلت القضية للقضاء العسكري حدث ما هو متوقع، فأصبحت قضية "سرية" لا يعرف عنها أحد شيئا، وسارت المحكمة "الموقرة" على خطا نيابة أمن الدولة "الموقرة"، فوافقت على الاعترافات التي انتزعت تحت وطأة التعذيب الوحشي، ولم تلق بالا لادعاءات بعض المتهمين بأنهم في حوزة الداخلية قبل الوقائع محل الاتهام.

بل إن المحكمة "المحترمة" ضيقت على كل المحامين الذي حاولوا عبثا أن يقوموا بواجبهم في الدفاع عن موكليهم، وفي الوقت نفسه انحازت انحيازا سافرا لممثل الأمن الوطني، فأقرّ ضابط أمن الدولة "الموقر" في إجابته عن سؤال أحد المحامين واعترف بإيداع المتهم في مقرّ الأمن الوطني، أي أنه اعترف أمام القاضي "الموقر" بجريمة الإخفاء القسري للمتهم، فما كان من القاضي "المحترم" إلا أن قال (اومال حايحبسه فين يعني) !

نحن أمام حالة فريدة من حكم عصابات وميليشيات مسلحة باسم القانون !

إنهم عصابة، ولا يبذلون أي جهد لإخفاء حقيقة كونهم عصابة !

*       *       *

قد يرى البعض أن موت المخلوع مبارك هو الحدث الأهم، وقد يرى البعض أن جنازته حدث تاريخي ذو دلالة، قد يرى البعض الجنازة مقصودة بهذا الإخراج لإثبات هزيمة ثورة يناير، ولكني أرى أن الرجل تافه.. تافه في حياته، وفي رحيله.. تافه في تتويجه وفي جنازته.. وظفر شاب من هؤلاء الشباب الذين قتلوا ظلما مع سبق الإصرار والترصد عندي بألف مخلوع مثل مبارك، وحدث إعدامهم الذي مرّ دون ردّ فعل من المعارضة المصرية سيكون له تداعيات على قائمة الانتظار الطويلة لأحكام الإعدام، وسينعكس على حالة كل مظلوم في السجون، وستتأثر به الحالة الحقوقية في مصر والمنطقة العربية.

أما تعليقي على المخلوع مبارك، فهو أمر ربما أكتب فيه لاحقا، وقد كتب فيه وعنه كثيرون، وجائتني عشرات الرسائل من العالم كله لكي أعلق على رحيل هذا الشخص الذي هجوته سنوات طوال، ولكني كلما حاولت أن أكتب في هذا الموضوع رأيت أمامي ثمانية أشباح لثمانية مظلومين يصرخون بأعلى صوتهم في الفراغ (ألا يبالي بقتلنا أحد؟) !

رحم الله قتلى القضية 165/2017

رحم الله وليد أبو المجد عبدالله..

رحم الله محمد مبارك عبدالسلام..

رحم الله سلامة أحمد سلامة..

رحم الله علي شحات حسين..

رحم الله علي محمود محمد حسن..

رحم الله عبدالرحمن كمال الدين علي..

رحم الله علي أحمد محمد..

رحم الله رامي محمد عبدالحميد..

رحمهم الله جميعا، وصبّر ذويهم وأحبابهم، وصبّر مصر كلها على هذا العهد الأسود حتى ينجلي فجر قريب، وما ذلك على الله بعزيز.

 

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21