استبداد بلا فوائد

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 23-2-2020 م

 

وهل للاستبداد فوائد؟

الإجابة: نعم.. هناك بعض فوائد للاستبداد !

فوائد فرعية، قليلة، لذلك هي فوائد مهدرة في نظر الشرع، وفي نظر العقلاء، فأي شيء يزيد ضرره عن نفعه يعتبر ضارا، ولا شك أن أضرار الاستبداد أضعاف فوائده.

الأمر أشبه بقوله تعالى في القرآن الكريم "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا" !

قوله تعالى "وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا" يدلّ على أن للخمر والقمار منافع ما، ولكن ذلك لا يؤثر على حكمهما النهائي في الشرع، وأن الخمر حرام، وأنها أم الموبقات، وكذلك القمار، وعلة ذلك أن ضررهما "أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا".

ومنافع الخمر كما جاء في كتب التفسير (كانت أثمانها قبل تحريمها، وما يصلون إليه بشربها من اللذة)، أي الاستمتاع المؤقت بالسكر، وبعض المنافع الاقتصادية التي قد تدخل جيب من يتاجر فيها.

والقمار لذته في الربح، ومن المعروف أن لاعب القمار يخسر أكثر مما يربح بكثير.

الآية الكريمة توضح أنه لا يوجد (شرٌ مطلقٌ)، وكل أنواع الشرور فيها شيء من الخير، والعكس صحيح، فكل خير فيه شيء من الشر، ولكن ذلك لا يغير حقيقة أن الخير خير، ولا أن الشر شر.

وعلى هذه القاعدة يتضح أن أمرا بغيضا، وشرا مستطيرا كالاستبداد يمكن أن يكون له فوائد.

*       *       *

تذكرت ذلك وأنا أتابع وباء "كورونا"، وكيف تحاول الصين أن تسيطر على هذا الشر المستطير بتوظيف جميع وسائل  وتقنيات أجهزة الأمن.

كلنا يعلم أن النظام الصيني نظام مستبد، يملك أجهزة أمنية لا ترحم معارضا، وهو نظام مدجج بالتكنولوجيا، وأنظمة التجسس، ووسائل التنصت.

إنه نظام يملك المؤسسات التي تستطيع أن تراقب أكثر من مليار إنسان خشية أن يعترض أحد على سياساته.

نظام قارد على بناء السجون، وإنشاء معسكرات الاعتقال، وقادر على هندسة المجازر، واضطهاد الأعراق.. نظام يستطيع أن يمارس كل أشكال القهر بمنتهى الكفاءة.

في اللحظة التي أصبحت فيها الصين تواجه وباء كورونا، استفاد الشعب المستبد به بكل تلك الإمكانات التي تملكها الأجهزة الأمنية الصينية !

كل وسائل التجسس والتنصت أصبحت أداة لمعرفة أي حالة مصابة بالداء، الطائرات بلا طيار أصبحت أجهزة لقياس درجة حرارة البشر الماشين في الشوارع، بل الجالسين في بيوتهم، الكاميرات في الطرقات أصبحت تؤدي المهمة نفسها، بل إنها التقطت بعض المصابين بالمرض وهم يحاولون نشره ببعض الطرق كما رأينا عبر مواقع التواصل.

وفوق كل ذلك تحاول مختبرات الصين ومراكز أبحاثها وجامعاتها أن تتوصل لمصل، أو دواء، أو مضاد.. أي شيء يمكن أن يوقف انتشار المرض، وأن ينقذ المصابين.

ذلك أنه من الطبيعي أن يحدث قدر من التطور في مناحي الحياة الأخرى، فمن يتفوق في الأمن لا بد أن يتفوق في بعض العلوم التي يستفيد منها جهاز الأمن.

منظومة الاستبداد تلك.. استفاد بها عامة الناس حين حلت كارثة كورونا !

*       *       *

أما في أوطاننا المنكوبة بحُكّامها فلا يكاد يستفيد من أجهزة الأمن إلا المستبد وجماعته من أهل الحكم الفاسد، فهي أجهزة لا تعنى إلا بالأمن السياسي وما يتفرع عنه، ولا يقع ضمن اهتمامها أمن عامة الناس، بل العكس هو الصحيح، فتجد أجهزة الأمن هي من يدير الجريمة، وهي من يحمي المجرمين، وهي من يقرر أي مجرم يكبر، وأي مجرم يبقى في الدرجات السفلى من الإجرام.

الأمن الجنائي يتضاءل كل يوم لصالح الأمن السياسي، يتضاءل للدرجة التي أصبحت فيها أجهزة الأمن غير قادرة على حل ألغاز الجرائم، والتحقيق الجنائي أصبح معناه الحقيقي توسيع دائرة الاشتباه، وتعذيب المتهمين، وتلفيق القضية لمواطن سيء الحظ، لا يوجد خبراء جنائيون على مستوى عال، ومع تطور تكنولوجيا الجريمة من الممكن أن نتوقع مزيدا من الانهيار في أمن الناس، لأن أجهزة الأمن لا وقت لديها لتأمين حياة المواطنين، فهي ترى في كل مواطن مشروع متظاهر معارض للنظام، فتبذل جهدا كبيرا في مراقبته، وفي التخطيط للإمساك به لمعاقبته، أما تأمين حياته فهي مشكلة المواطن.. لا النظام.. ولا أجهزة أمن النظام.

هذه الأجهزة لا يعنيها أن تحاول تطوير أي مؤسسات تخدم أجهزة الأمن كالجامعات أو مراكز الأبحاث، لا يقع ضمن حساباتها أي كارثة جماعية لا علاقة لها بالسياسة تحدث للمجتمع، أجهزة ومؤسسات لا تملك خطة لمواجهة زلزال، أو فيضان، أو وباء، أو أي نقص في المواد الغذائية لأي سبب من الأسباب.

التجهيزات التي يواجه بها النظام أي كارثة.. هي التصريحات النارية، وإذا اعترض أحد فالأمن المركزي موجود، وإذا عجز الأمن المركزي فلا بأس بالاستعانة بالقوات المسلحة.. النظام جاهز لمواجهة أي اعتراض جماعي من الشعب، أما مواجهة الكارثة نفسها.. فلا أحد يبالي !

*       *       *

أحاول أن أتخيل ماذا سيحدث لو لا قدر الله انتشر وباء ما في بلد مثل مصر؟

وكلما فكرت في ذلك أرى كارثة محققة، فهؤلاء الأغبياء قليلو الكفاءة عديمو الضمير هم أفضل بيئة لانتشار أي وباء، ولتفاقم أي كارثة.. والمصريون اليوم على عهدة أنفسهم، في بلد لا يحمل هم المواطن فيه أحد، وجميع المؤسسات فيه مجرد واجهات ومبان يتباهى بها الحكام، ولكنها بلا وظيفة حقيقية، وبلا قدرات تواجه التحديات، وفي النهاية.. غالبية العاملين فيها يعملون بلا رغبة في تطوير، وبلا أمل في تقدير.

يستفيد المواطن في الأنظمة المستبدة من قوة الأجهزة الأمنية، وينعكس ذلك عادة على مقاومة الجريمة الجنائية، ينعكس ذلك على انضباط أمور كثيرة، كالملكية الفكرية، أو حقوق النشر، أو المرور.. أو أي مهمة تتطلب جهاز أمن قوي، له موارد ضخمة، ولكن في مصر وغالبية الدول العربية تظل أجهزة الأمن خصما للأمة، وعدوا للشعب، ولا يستفيد بها الناس بأي فوائد تذكر، حتى وإن كانت فوائد فرعية مهدرة كفوائد الخمر والميسر !

نسأل الله السلامة..

 

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21