تعليقات على الأحداث

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 16-2-2020 م

 

في قضية الشاب المعتقل ظلما "شادي أبو زيد"، تعرّت مؤسسات القضاء كالعادة من كل رداء عدل، فبعد سجن الشاب لعامين كاملين في قضية ملفقة، وبعد أن أنهى فترة السجن الاحتياطي كاملة، وبعد أن صدر أمر طبيعي منطقي بالإفراج عنه، نرى القضاء الشامخ يقرر أن يزج باسمه في قضية جديدة، هو والأخ الدكتور "خالد عزب"، وتهمتهما أنهما قد عقدا لقاءات تنظيمية لصالح جماعة تسعى لقلب نظام الحكم داخل السجن !

كيف عقدا اجتماعات تنظيمية داخل السجن؟ قالوا: أثناء فترة التريض بمحبسهما !، وأثناء الزيارات المقررة لهما في السجن، وأثناء الخروج لجلسات تجديد الحبس.. كل ذلك تم استغلاله في نقل أخبار إلى قيادات "الجماعة الإرهابية" داخل السجن، بالمخالفة لأحكام القانون.

أنكر المتهمان هذا الخبل، كما دفع المحامون بعدم معقولية تصور الواقعة، وبطلان تحريات الشرطة كونها لا تصلح بمجردها أن تكون دليلا كافيا بذاته أو قرينة مستقلة على ثبوت الاتهام، إذ لا تعدو أن تكون مجرد رأي لصاحبها يخضع لاحتمالات الصحة والبطلان والصدق والكذب.

تعليقي على هذا الجنون أن مجرد محاولة فهم هذا النظام بالعقل، أو بالقانون، لن توصل لنتيجة.

كاتب هذه السطور قد رأى أعجب من تلكم التهم، ولعل القارئ الكريم يعلم أن أختي السيدة علا القرضاوي، قد وُجهت لها تهم شبيهة، ولكن بشكل أكثر فجاجة، فهي في سجن انفرادي، ولا تحظى بساعة تريّض أساسا، ولم يسمح لأحد بزيارتها منذ أسْرِها منذ حوالي ألف يوم.. ولكنها رغم كل ذلك اتُّهمت بتمويل الإرهاب وهي في زنزانتها الانفرادية كما جاء في حيثيات قضية ملفقة جديدة، وأصبحت هذه التهم الفارغة أساس قضيتها الثانية بعد انتهاء فترة حبسها الاحتياطي في القضية الأولى، وها هي اليوم محتجزة على ذمة هذا الهراء منذ شهور.

نحن نتعامل مع مجموعة من المجرمين الموتورين، وهم لا يبالون بأي "شكليات" قانونية أو دستورية.. أصابعهم على الزناد بسبب رعبهم من انتقام قريب في الشعب، وإرادتهم في أيدي أعداء الأمة، وعقولهم أصغر من حبة فستق !

*       *       *

بعد ثلاثة أحكام بالبراءة من محاكم الجنايات والجنح، وبعد قرار محكمة جنايات القاهرة الدائرة الثانية (إرهاب) بإخلاء سبيله، يتم التحقيق مع أنس محمد البلتاجي في قضية جديدة، والتهمة الانضمام إلى جماعة إرهابية !

أنس الذي قبض عليه عام 2013، وهو في ذلك الوقت لم يتم العشرين، ما زال يحاكم على تهمة (الانضمام)، يبدو أن هذا الانضمام المزعوم عقوبته السجن مدى الحياة.

كل ذلك يتم باسم الدولة، وبسيف القانون، وبقرارات ممهورة بأسماء قضاة ووكلاء نيابة، ثم يتساءلون بعد ذلك عن أسباب انهيار الدول !

*       *       *

عائلة النائب البرلماني السابق زياد العليمي تتهم السلطات برفض إطلاعهم على حالته الصحية، جاء ذلك بعد إصابة النائب بارتشاح في القلب !

هل يمكن أن يتخيل أحد أن يقرأ مثل هذا الخبر في أي مكان في الدنيا؟

المشكلة أن النظام الذي يرتكب كل هذه الموبقات مصمم على عرض نفسه في بوتيكات اللقاءات الدولية على أنه نظام ديمقراطي، يحترم حقوق الإنسان، مدني، يحارب الإرهاب، يساهم في السلم العالمي.

السبب الوحيد لبقاء هذا النظام في موقعه هو تخاذل معارضيه وفرقتهم.. لا أكثر !

*       *       *

النائب البرلماني المغدور الدكتور مصطفى النجار في حالة اختفاء قسري منذ أكثر من خمسمائة يوم.

تقدمت أسرته ببلاغات من الأيام الأولى لاختفائه، وفي النهاية صدر حكم من القضاء الإداري ليلزم ما يسمى بـ"الدولة المصرية" بالإفصاح عن مكان المواطن مصطفى النجار.

مصطفى النجار ما زال على قيد الحياة حتى يثبت العكس، هكذا يرى أحبابه، وهكذا تتمسك أسرته ببصيص أمل، وعلى كل من يدّعي عكس ذلك أن يثبت ما يدّعيه، فالبينة على من ادعى، والبيّنة تعني الدليل.. وليس مجرد آراء واستنتاجات يقولها فلان أو علان لغرض في نفسه أيا كان الغرض.

أما المدافعين عن استبداد الدولة، وحقها في قتل مواطنيها، فسوف يكون مصيرهم أكثر سوادا مما اقترفته أفواههم، والأيام بيننا !

*       *       *

غريب أمر الثورة السودانية !

ترفع شعارات الربيع العربي، ولكنها تتحالف مع تحالف الشر الذي يمثل الثورة المضادة التي تعمل ضد أي شكل من أشكال الديمقراطية جهارا نهارا.

ترفع شعار (السلام) وتتعامى عن آلاف السودانيين الذين يشاركون في قتل الشعب اليمني والليبي بلا رحمة يوميا.

تطالب بالحرية.. ولكن ترى كثيرا ممن شاركوا فيها لا يخجلون من إعلان موقف مؤيد لموقف الفريق البرهان في هرولته نحو إسرائيل التي تحتل الأرض الفلسطينية وتنتهك حرية الشعب الفلسطيني.. وكأن الحرية لا علاقة لها بالاحتلال، وكأن العلاقات مع إسرائيل ليست عبودية لتحالفات دولية ترى في الحكومات الاستبدادية خلاصها الوحيد من قوة الشعوب العربية.

يبدو أن كره "الكيزان" هو المحرك الأكبر للتاريخ في نظر البعض !

أنا لا أتحدث عن خيارات المجلس العسكري، بل أتحدث عن تبريرات نراها على مواقع التواصل، وفي مقالات وتحليلات لأناس محسوبين على الثورة.. لا على العسكر !

يبدو أن هناك من لم يتعلم أنه لا بد من وجود برنامج للحكم، وتصور للنهضة، ومسار للثورة، ولا يصح أن نكون مجرد (معكوس الإسلاميين).

حفظ الله السودان.. وجميع أوطاننا..

 

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21