"ليونيل ميسّي" وألاعيب الصبيان

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 19-1-2020 م

 

"ليونيل ميسّي".. مهاجم نادي برشلونة.. من لا يعرفه !

تخيل معي عزيزي القارئ.. مباراة القمة في الدوري الإسباني بين الغريمين ريال مدريد، وبرشلونة.

ينزل لاعبو الفريقين إلى الملعب، ونرى اللاعب المعروف "ميسّي" في الملعب مرتديا زي حارس مرمى نادي ريال مدريد..

نعم.. تخيّل معي أن "ميسّي" مهاجم نادي برشلونة، ارتدى زي ريال مدريد، وكان في موقع حارس المرمى.. ثم تخيل بعد ذلك أن المباراة انتهت بفوز نادي برشلونة 50 مقابل صفر لريال مدريد لأول مرة في تاريخ الفريقين !

جميع لاعبي برشلونة أحرزوا أهدافا، وكانت الأهداف مضحكة، وحارس المرمى "ليونيل ميسي" لم يقاوم أي كرة أتت نحو الشباك.. حتى الكرات التي جاءته من مدافعي فريقه دخلت المرمى.. الأهداف بدأت من الدقيقة الأولى في المباراة، واستمرت إلى الدقيقة الأخيرة منها، بعد كل ذلك.. هل يمكن أن نعتبر السيد "ميسي" حارس مرمى؟ هل يمكن أن نعتبره لاعبا في نادي ريال مدريد؟ إنه مجرد "عميل" لنادي برشلونة.. برغم ارتدائه رداء النادي الملكي !

*       *       *

إذن فالعبرة ليست بالرداء.. بل بالوظيفة.. وهذا أمر يمكن تطبيقه عبر آلاف الأمثلة التي نشاهدها في حياتنا اليومية..

لا "أيقونة" لثورة يناير إلا شهداؤها.. لا أشخاص فوق النقد، أو أسمى من الشك، أو أقوى من الهزيمة.

لقد مررنا جميعا بأيام وأحداث في غاية الصعوبة، البعض يقول (لقد كنت هناك.. ورأيت ما جرى) والحقيقة.. أننا كنا جميعا هناك.. فمنّا من صمد.. ومنا من استسلم.. ومنّا – للأسف – من يحاول كتابة التاريخ بأثر رجعي، بحيث يصبح تاريخ النصر مكتوبا بحبر الهزيمة، في عصر الهزيمة، وبيد مرتعشة، مرتعشة من الاكتئاب، أو من المخدرات، أو من الرغبة في الاعتذار عن أعظم ما فعله المصريون منذ قرون.. منّا من يحاول تزوير تاريخ الأمة بحجة أنه كان هناك.. وكأنه كان هناك وحده !

لقد كنا جميعا هناك.. ومن ثبت في موقعه الفكري النضالي فهو من أهل الصبر، وهو من المناضلين المحترمين.. ومن بدّل رداء الحرية والكرامة إلى رداء الراقصين على كل الحبال الذين يصفقون للقتلة، ويطبلون للديكتاتوريات.. فهو معهم.. ولن يغنيه أنه كان يوما من الأيام في طليعة صفوف الأحرار والثوار.. تماما مثلما لن يغني عن السيد "ليونيل ميسّي" ارتداؤه رداء ريال مدريد.. سيظل "برشلونيا" من قمة رأسه إلى أخمص قدميه.. كما أن نتيجة المباراة التي انتهت (50/صفر) تفضح حقيقة الانتماءات.

*       *       *

على الجانب الآخر لا فارق بين من يرتدي رداء الثورة وبين من يرتدي علم مصر !

فهناك من يحاول إقناعنا أنه يحب مصر، ويفدي مصر بروحه، وتراه يهتف "تحيا مصر" آناء الليل وأطراف النهار، ولكن الأفعال تفضح أن كثيرا من هؤلاء ما هم إلا أعداء مصر، ولشعب مصر، ولتاريخ مصر، ولآثار مصر، ولثروات مصر.. إنهم أعداء لكل ما تمثله كلمة "مصر" من معاني سامية.

مصر اليوم بفضل هؤلاء الذين يرتدون رداء الوطنية.. مهددة في نيلها، ومهددة في ترابها الوطني، ومهددة في أمنها، ومهددة في جيرانها، ومهددة في جبهتها الداخلية، ومهددة من الشمال والجنوب والشرق والغرب.

هؤلاء يتهمون كل من يختلف معهم بأنه عميل، وممول، وأن له أجندة خفية.. ناهيك طبعا عن التهم الخالدة.. أعني تهمتي الإرهاب.. والتهم الأخلاقية !

والحقيقة أن غالبية الذين يعارضون النظام اليوم – بغض النظر عن أي مأخذ عليهم من ناحية الكفاءة السياسية – يقولون كلمة الحق، والنظام هو المطالب بإثبات أنه يعمل لصالح مصر، فنحن نرى الأهداف تدخل مرمانا يوميا.. وبكل سهولة، وحارس المرمى متواطئ مع المهاجمين من جميع الفرق، بل إن الفريق الذي يمثل "مصر" متواطئ كله مع فرق الخصوم، ولا تكاد تجد لاعبا أو مدربا أو إداريا يعمل لصالح هذا الفريق.. تماما مثل "ليونيل ميسّي" الذي تخيلناه في المباراة المفترضة.. بل إن فريقنا – المزعوم – يمنع الجمهور من التشجيع، ويقدم الرشى للحكام لكي يعملوا لصالح الفريق المنافس.. إنه فريق متكامل يعمل عكس ما هو مطلوب منه.. ويعمل ذلك بجد وإخلاص مدهشين.

*       *       *

خلاصة القول.. لا أحد يملك مفاتيح الصواب، ولا أحد فوق النقد والمراجعة، ودفاعنا عن ثورة يناير وعن أوطاننا سيستمر، إنه دفاع عن الأمة، وعن ذواتنا، إنه دفاع عن تاريخ مصر، وعن تاريخنا الشخصي الذي صنعناه نحن كملايين الأفراد، وأي محاولة لإعادة كتابة تاريخ ثورة يناير بشكل مسيء سنواجهها جميعا.. لأنه تاريخنا جميعا، تاريخ الأمة المصرية.. لقد كنا جميعا هناك !

 

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21