الوطن العربي.. الحاكم والمحكوم

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 12-1-2020 م

 

يتجاوز عدد سكان الوطن العربي طبقا لآخر الإحصائيات 360 مليونا من البشر، أغلبهم من الشباب، وطبقا للإحصائيات ذاتها فإن عدد الشعوب التي تقع ضمن إطار (الثورات العربية) أو (الحراك المطالب بالتغيير) تتجاوز 300 مليون مواطن عربي، أي أن أكثر من ثمانين في المائة من شعوب الوطن العربي تقع – بشكل ما – ضمن إطار الربيع المطالب بعقد اجتماعي جديد بين الحاكم والمحكوم !

لذلك تجد غالبية الحكام العرب يعدّون العدة للبقاء في الحكم، وذلك بمزيد من التنازلات للقوى العظمى من أجل الحصول على شرعية (الوكيل الحصري) في البلاد، أي أن غالبية الحكام العرب في حالة إفلاس شبه كامل، ولم يعد لديهم ما يقدمونه للشعوب، ولم يعد لهم من سبيل للبقاء في السلطة سوى بأن يكونوا عملاء للخارج.

الخارج هنا سيكون على رأسه "إسرائيل".. فهي كفيل المستبدين العرب لدى أمريكا، هي أكبر مستفيد من بقاء المستبدين، وهي أكبر المتضررين من الديمقراطية (بعد المستبدين العرب أنفسهم).

ليس صعبا ملاحظة أنه كلما زاد الاستبداد كلما زاد التطبيع، وأنه كلما طال بقاء المستبدين العرب في مواقعهم كلما زاد ارتماؤهم في أحضان إسرائيل، لقد استهلكوا عشرات السنين من عمر الأمة في البقاء في السلطة وقمع الشعوب بحجة (مقاومة إسرائيل)، واليوم.. وبكل بجاحة أصبحت إسرائيل هي الضمانة لبقائهم في السلطة، ويطالبون شعوبهم بالتطبيع.

*       *       *

إن المسافة بين الحاكم والمحكوم في الوطن العربي اليوم لا تكاد تجدها في أي منطقة في العالم، خصوصا بهذا الاتساع الجغرافي، وبهذه الكثافة السكانية.

قد تكون المسافة بين حاكم كوريا الشمالية وشعبه أكثر اتساعا، ولكن في النهاية نحن نتحدث عن بقعة صغيرة جغرافيا وسكانيا.. أما في حالة العرب.. فنحن نتحدث عن أمة، ذات موارد تستطيع أن تقلب موازين الكرة الأرضية، موارد بشرية أولا، ثم ثروات طبيعية، ومواقع وممرات استراتيجة.. إنها أمة تستطيع أن تتصدر الدنيا في عدد محدود من السنوات، لو توفر لها من يخطط بعلم، وينفذ بإخلاص.

*       *       *

من أمثلة الانفصال بين الحاكم والمحكوم.. ما اتضح مؤخرا في شأن سد النهضة، فقد اتضح أن كل ما حذرنا منه حقيقي، وأن السيناريوهات التي تتعرض لها مصر بسبب تفريط الخونة في ماء النيل حقيقية، بما في ذلك سيناريوهات المجاعة، والبقاء تحت الإذلال الأبدي للقوى الدولية.

فقد صدر بيان مجلس الوزراء المصري مساء يوم الجمعة الموافق للعاشر من يناير 2020م ليظهر حقيقة الأوضاع الكاذبة، تلك الأوضاع التي حذرنا منها منذ سنوات، تلك الأوضاع التي تسبب فيها "سيسي" رئيس جمهورية الأمر الواقع من خلال توقيعه اتفاق الخيانة في مارس 2015م !

اليوم.. وبعد كل هذه السنوات.. يقول مجلس الوزراء المزعوم: (وتوضح مصر أن هذه الاجتماعات الوزارية الأربعة لم تفض إلى تحقيق تقدم ملموس بسبب تعنت أثيوبيا وتبنيها لمواقف مغالى فيها تكشف عن نيتها في فرض الأمر الواقع وبسط سيطرتها على النيل الأزرق وملء وتشغيل سد النهضة دون أدنى مراعاة للمصالح المائية لدول المصب وبالأخص مصر بوصفها دولة المصب الأخيرة، بما يخالف التزامات اثيوبيا القانونية وفق المعاهدات والأعراف الدولية، وفي مقدمتها اتفاق إعلان المبادئ المبرم في 23 مارس 2015، وكذلك اتفاقية ١٩٠٢ التى أبرمتها اثيوبيا بارادتها الحرة كدولة مستقلة، واتفاقية ١٩٩٣ التى تعهدت فيها بعدم احداث ضرر لمصالح مصر المائية، الا ان اثيوبيا تسعى للتحكم فى النيل الأزرق كما تفعل فى انهار دولية مشتركة اخرى تتشاطر فيها مع دول شقيقة) ! (لا يفوت القارئ الكريم أن كاتب المقال ليس مسؤولا عن الأخطاء الإملائية واللغوية التي يمتلئ بها البيان).

والحقيقة أن اتفاق مارس 2015م الذي وقعه رئيس خائن.. قد محى اتفاقية 1902م وما تلاها من اتفاقيات تحفظ حقوق مصر، تلك الاتفاقيات التي يحاول البيان أن يتمسك بها اليوم بعد فوات الأوان !

*       *       *

هذه القضية – قضية سد النهضة – مثال صارخ على المسافة التي تفصل الحاكم عن المحكوم في أوطاننا العربية كما قلت !

بإمكانك أن ترى ذلك في غالبية الدول العربية، شعوب مهددة في أساسيات حياتها، وحكومات تفرط حتى في شربة الماء، وشمة الهواء، دون أن يهتز لها جفن، فهي حكومات تتصرف أسوأ مما تصرف جميع المحتلين الذين مروا على هذه الشعوب.

كان المحتل دائما يتصرف بحذر، فهو دخيل على الأرض، ومن السهل إذا تمادى أن تقوم حركات مقاومة لها ظهير شعبي ضخم.

أما هؤلاء الضباع.. فإنهم يفعلون أسوأ مما يفعل المستعمر، ويرفعون في وجوهنا العلم الوطني، ويتهموننا نحن أبناء الوطن بالخيانة والعمالة للخارج !!!

*       *       *

لا حل في الوطن العربي إلا بإزاحة هذه العصابات من الحكم !

وكل من يتخيل أن هناك أملا في هؤلاء، فهو واهم، هؤلاء ليسوا منا، ولا علاقة لهم بنا نحن الشعوب، وبقاؤهم ليس أكثر من خصم من مستقبل أجيال قادمة لا ينبغي أن تظهر للوجود لتفاجأ بأنها مطالبة بقضاء أعمارها في تسديد ديون هؤلاء الضباع، وليت أعمار جيل أو جيلين يكفي.. فنحن اليوم في الجيل الثالث بعد بدء الحكم العسكري في الوطن العربي، ولم تنته الدائرة بعد.

أما إذا سأل سائل (كيف يحدث التغيير؟ وكيف تتخلص الشعوب العربية من هؤلاء الحكام؟)

فالإجابة واضحة، وقد كررناها مئات المرات، وطبقناها على الأرض عمليا.. صحيح أنها تعثرت، وصحيح أن تعثرها تسبب في مآسي كثيرة، ولكن ذلك لن يغير من حقيقة أن الفكرة صائبة، وأن خطأ التطبيق لن يمحو الإنجازات التي بدأت، ولو استمرت لنجحت.

إن الفكرة التي أتحدث عنها.. هي إزاحة تلك الأنظمة بقوة الشعوب، وبسلمية قادرة على هزيمة البندقية.

إن التغيير المبني على الوعي، بهدف حشد الشعوب لتكون شريكا في حكم رشيد، هو السبيل الوحيد للتغيير السياسي في الوطن العربي.

متى سيحدث ذلك؟

لقد بدأت عملية التغيير منذ انطلقت ثورة تونس في ديسمبر 2010، ومنذ ذلك الحين لم تتوقف الثورة العربية.. ولن تتوقف إلا باكتمال النصر، وحينها سيحدث التقارب بين الحاكم والمحكوم.

 

 

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21