في نهاية العام

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 29-12-2019 م

 

يقول السيد عبدالفتاح "سيسي" رئيس جمهورية الأمر الواقع (إن هناك مهمة جديدة للقوات المسلحة هي الحفاظ على المسار الدستوري، والحفاظ على مدنية الدولة).

والحقيقة أنه محق من الناحية النظرية، فالتعديلات الدستورية التي تم إجراؤها في عام 2018م على دستور الانقلاب الصادر عام 2014م تضمنت تعديلا للمادة رقم (200)، فأصبحت بنصها الحالي تقول (القوات المسلحة ملك للشعب، مهمتها حماية البلاد، والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها، وصون الدستور والديمقراطية، والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها، ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد، والدولة وحدها هى التى تنشئ هذه القوات، ويحظر على أى فرد أو هيئة أو جهة أو جماعة إنشاء تشكيلات أو فرق أو تنظيمات عسكرية أو شبه عسكرية).

لكن الغريب أن هذا النص مجرد كلام (شأنه شأن كل مواد الدستور)، ولو تساءلنا على مدار التاريخ.. هل نجح جيش من الجيوش في الحفاظ على دولة؟

إن الجواب الحقيقي هو أن الجيوش تحافظ على الدول من الغزو الخارجي، لا أكثر، أما الحفاظ على أي شيء آخر – مثل مدنية الدولة – فهو أمر ليس من اختصاص الجيوش، ولا هو في استطاعتها أصلا، ولا يوجد مهدد لمدنية الدولة في أي مكان أكثر من تدخل الجيوش في الحكم.

*       *       *

فكرة حماية الجيش لمدنية الدولة فكرة مضحكة، ولكن هناك فكرة أخرى هي فكرة أن الجيش يحمي الدولة وهي فكرة ساقطة.. هل حافظ جيش الاتحاد السوفييتي على الدولة؟

لقد كان الجيش السوفييتي السبب الأول أو الأكبر في انهيار الاتحاد السوفييتي، وبرغم قوة ذلك الجيش فإنه هزم في أفغانستان، وهزم على صعيد إدارة الدولة، فكانت النهاية المروعة، وانهارت الإمبراطورية بشكل دراماتيكي لم يكن يتخيله أكثر المتفائلين بسقوط هذا الاتحاد.

الدولة تستمر بالناس، بالشعب، بعقد اجتماعي يوضح حقوق الناس أفراد وجماعات، وواجباتهم.

بإعطاء المستحقين ما يستحقون، باحترام المواطنين والمساواة بينهم، بإقامة العدل، وتطبيق القانون على الجميع، بالتنمية التي لا تقصي أحدا.

لقد انتصرت أمريكا على الاتحاد السوفييتي بذلك، وانتصر الحلفاء على هتلر بذلك !

وكل من يتخيل أن "الدبابة" تستطيع أن تؤلف بين قلوب الناس واهم.. الدبابة فزاعة، وتستطيع أن تؤدي أدوارا قتالية محددة، وأكثر من ذلك كذب.. والكل يعلم ذلك.

إن الدولة القوية لا تحتاج إلى جيش ليحميها، فالجيش فيها ليس أكثر من مؤسسة من المؤسسات، ولها دور محدد معروف.. والدولة القوية تقوى بمؤسساتها كلها، وبالتوافق المجتمعي الذي يحصنها ويجدد دماء مؤسساتها.

الدولة القوية لا تحتاج هذه الحماية المزعومة، لأن المؤسسات قادرة على حماية الدولة دون إشهار السلاح.

لذلك يعتبر أي زعم أو محاولة أو إسناد لتلك الحماية إلى مؤسسة الجيش بالتحديد.. يعتبر ذلك دليلا واضحا على شيخوخة تلك الدولة، وعلى أنها في مرحلة انهيار، أو في فصل النهاية.

الدولة القوية هي مصلحة الجميع، ولكنها ليست في مصلحة أي رئيس فاسد يطمح للبقاء للأبد في مركزه، وليست في صالح مؤسسة عسكرية لا هم لها سوى الاستيلاء على كل ما يمكن من ثروات البلاد، حتى لو نافست آحاد الناس في أقواتهم.

الدولة القوية.. هي معكوس الوضع الحالي.. ومن اختطفوا مصر بالانقلابات العسكرية لم يكن لهم من هَمٍّ سوى أن يضعفوا تلك الدولة، لكي يطول حكمهم أكثر، ولكي يحتكروا كل الثروات دون مقاومة من أي مؤسسة.

قوة الدولة.. وقوة الشعب.. هي أكثر ما ينغص عيشة الديكتاتوريات !

*       *       *

صرح وزير المياه والري الإثيوبي أن مصر تخلت كليا عن شرط تدفق 40 مليار متر مكعب من المياه سنويا من سد النهضة، وأن ذلك قد جرى خلال المحادثات الأخيرة في الخرطوم.

بعد ذلك ردت وزارة الري المصرية على تصريحات الوزير الإثيوبي ببيان أكدت فيه تمسكها بالمقترح المقدم من جانبها بخصوص قواعد ملء وتشغيل سد النهضة، (الحقيقة أن بيان الوزارة غامض، ويفهم منه الشيء وعكسه).

وزارة الري المصرية ليست طرفا في الموضوع، فالكل يعلم أن الملف في جهة أخرى، ولا أحد يستطيع أن يراقب عمل هذه الجهة، فضلا عن أن يحاسبها، ناهيك أن يعقب عليها أو أن يعاقبها !

لا أحد يعرف ما يحدث، وبيانات وزارة الري لا جديد فيها، ولا أحد يعلم على وجه اليقين هل البيان يذكر معلومات حقيقية أم لا، والأهم من ذلك أن لا أحد يعرف ما هي السياسة العامة للدولة – إن كان هناك دولة أو سياسات – في إدارة هذا الموضوع.

*       *       *

اليوم الأحد الموافق للتاسع والعشرين من ديسمبر 2019م هو الذكرى السابعة عشرة لوفاة المفكر العربي الفلسطيني العظيم الدكتور أحمد صدقي الدجاني.. أبي الطيب رحمه الله.. ما زالت كلماته تضيء الطريق لكل المتمسكين بالحق العربي في فلسطين، وما زال أبناؤه وتلاميذه على العهد..عزائي لكل محبيه.. رحم الله أبا الطيب..

*       *       *

أتمنى لكل الإنسانية عاما ميلاديا جديدا سعيدا، أتمنى لكل شعوب الأرض مزيدا من العدل والحرية، ولكل الظالمين خسرانا مبينا..

أتمنى لكل معتقل أو سجين مظلوم فرجا قريبا.. وأتمنى القصاص العادل من ساجنيهم..

أتمنى التوفيق لكل ثورات العرب.. لأنها في الحقيقة ثورة عربية واحدة لها تجلياتها المتعددة في الزمان والمكان..

رحم الله كل شهيد من أجل الحرية.. وأعاننا جميعا على إكمال الطريق..

كل عام وأنتم بخير..

 

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21