مؤتمر "كوالالمبور" هل ينجح؟

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 22-12-2019 م

 

دعتني صحيفة إلكترونية لكتابة مقالة عن قمة "كوالالمبور" الإسلامية قبل عدة أيام، وترددت في قبول الدعوة، فالأجواء (الإيجابية) التي أحاطت انعقادها ربما يعكرها كاتب لا يرى في القمة ما يدعو لكل هذا التفاؤل.. وحين اعتذرت الصحيفة عن نشر المقالة (بسبب النظرة التشاؤمية فيها) وجدت أنه من حق القارئ الكريم أن يطلع على وجهة نظر أخرى في الموضوع.. لذلك أضع هذه المقالة بين يدي القارئ الكريم.. لا لشيء سوى لإثبات أن النوايا الطيبة لا تكفي لتغيير الواقع، بل لا بد من العمل وفق سنن الكون التي خلقها الله.

تلك السنن تقول إن قمة إسلامية – حتى لو كانت مصغرة – تحتاج إلى سنوات من العمل لتنجح، وأنا أعني هنا سنوات من العمل (قبل انعقادها)، وأقصى ما يمكن أن يحصل عليه المرء حين يتعجل عملا يحتاج سنوات في عدة أيام أو أسابيع، هو أن يحصل على "اللقطة"، وهو أمر تعذر تحصيله أيضا بسبب تدخلات المملكة السعودية (المتوقعة).

أترك القارئ مع هذه المقالة التي كتبت قبل القمة، وتعذر نشرها..

*       *       *

(فجأة.. وبلا مقدمات.. أعلن السيد "مهاتير محمد" عن قمة إسلامية مصغرة أمام الصحفيين، وبعد ذلك اتضحت التفاصيل رويدا رويدا، وأصبحنا اليوم في انتظار قمة "إسلامية" ستعقد في العاصمة الماليزية "كوالالمبور" بين يومي 18 و 21 ديسمبر من هذا العام 2019م.

سيشارك في القمة كل من تركيا، وقطر، وباكستان، وإندونيسيا، وإيران.

السيد "مهاتير" زعيم سياسي كبير، ولكنه في الوقت نفسه ممن يتقنون لعبة "البروباجاندا" إتقانا فائقا، وهو يعرف كيف يوظفها في معاركه السياسية الداخلية والخارجية، وهو لا شك يحتاج في مثل هذا الوقت إلى شاشات عرض ضخمة تقدمه للداخل كرئيس وزراء إسلامي عالمي مقاوم، إنها محاولة متقنة منه لكي يتنصل من ضرورة تسليم السلطة لنائبة السيد "أنور إبراهيم" كما تم الاتفاق قبل الانتخابات التي جرت منذ عام ونصف.

ولكن بغض النظر عن توظيف أي طرف للقمة في الدعاية السياسية، لا بد أن نلاحظ ثلاثة ملاحظات.

*       *       *

الملاحظة الأولى: أن التحدي الأول والأكبر لهذا التجمع.. هو تحدي مواجهة الأنظمة التي تحكم غالبية الدول الإسلامية، والتي تحارب الإسلام آناء الليل وأطراف النهار، إرضاء لسادة العالم الأمريكان والصهاينة.

هذه الأنظمة وعلى رأسها مملكة السعودية ترى في القمة إلغاء لدورها المزعوم في قيادة العالم الإسلامي، ولا شك أنها ستحارب هذا التجمع.

كذلك ستفعل الأنظمة التي تأكل من فتات دولارات السعودية، وهي دول عديدة.

إن أي نجاح لهذه القمة، وأي قرارات أو إجراءات حقيقية ينتج عنها أي تغيير يذكر، سيواجه أول ما سيواجه من لوبي الصهاينة العرب المسلمين بقيادة دول مثل مملكة السعودية، ومصر، والإمارات العربية المتحدة، وغيرها، وسوف تكون أولى نتائج النجاح هو بدأ صراع إسلامي إسلامي، بسبب أنظمة يقودها غلمان لا يفهمون معنى القيادة، ولا خبرة سياسية تضبط تصرفاتهم.

*       *       *

التحدي الثاني.. تحدي مواجهة الأنظمة غير الإسلامية

وهي دول لا يسعدها أبدا أن تتجمع كتلة بشرية بتلك الموارد الضخمة، وتلك الكتلة البشرية الكبيرة، ترى نفسها (إسلامية) !

إن أي تجمع لهذه الدول – أيا كان هذا التجمع – يثير حفيظة الأنظمة الغربية، ولكن تجمعها تحت لافتة ترفع راية الإسلام يدفعها لتحسّس الزر النووي، أو على الأقل تحسّس أزرار الصواريخ غير النووية.

وهذا التحدي لا يمكن فصله عن التحدي الأول، لأن الطريقة الفضلى لهذه الدول هي أن تشغل الأنظمة الإسلامية في معارك إسلامية إسلامية، وبالتالي ستلجأ الأنظمة الغربية أول ما تلجأ إلى أنظمة الشر (الإسلامية) لخلق صراع إسلامي إسلامي – كما أسلفنا – إذا استدعى الأمر، وتظل الدول الغربية تشاهد الصراع من بعيد، تدعو الأطراف لضبط النفس، وفي الوقت نفسه تبيع الأسلحة لجميع الأطراف، وكفى الله الأمريكان شر القتال.

*       *       *

الملاحظة الثالثة: تركيبة الدول التي ستجتمع خلال أيام في ماليزيا لا تعطي مجالا كبيرا للتفاؤل، فهذه الدول – وحدها – برغم وزنها الثقيل، لا تملك أن تواجه مواجهة فعالة إلا بانضمام الدول الإسلامية الكبرى، وهذه الدول حاليا مستعمرة بأنظمة عسكرية أو وراثية لا تعرف معنى الدين أو الوطن، بل إنها لا تعرف مصالحها الاستراتيجية أساسا.

لذلك من الصعب إطلاق العنان لخيل التفاؤل في مثل هذه الظروف الإقليمية والدولية !

كما أن وجود المكوّن الإيراني "الشيعي" ضمن دول القمة يعقد المشاكل أكثر مما يحلها، فإيران دولة لها مشروعها الخاص، وهو مشروع بلا شك لا يتوافق ولا يتفق مع أي مشروع إسلامي سني، ولا مجال للشك في ذلك بعد عام 2011م، وبعد ما فعله الإيرانيون وأنصارهم من الميليشيات الشيعية العراقية واللبنانية في الشعب السوري.

*       *       *

ولكن سيبقى السؤال الأهم.. هل تستطيع هذه الدول أن تفعل شيئا؟

الحقيقة أنها تستطيع (إذا أرادت) !

قد يظن البعض أن قوى الشر تتحكم في كل شيء، ولكن ذلك غير صحيح، ولعل إفشال قيام الدولة الكردية المستقلة في شمال العراق والذي تم رغم تأييد غالبية الدول الكبرى لقيامها يثبت ذلك.

لقد اتفقت تركيا، وإيران، والعراق، على منع قيام الدولة الكردية، واتُّخِذَ قرار سياسي وطني حقيقي بمنع ذلك مهما كان الثمن، وكانت النتيجة فشل قيام تلك الدولة، برغم التأييد الإسرائيلي الأمريكي السعودي الإماراتي.

لذلك نقول.. إن المهمة صعبة، والتفاؤل بالنجاح مشروع، وستثبت الأيام هل تتمكن تلك الدول من بدأ صفحة جديدة من التعاون والتكامل، ينتج عنها شيء حقيقي، يفيد الجميع؟ أم تنضم القمة لمحاولات أخرى لم يكتب لها النجاح؟

أغلب الظن أن هذه القمة ستكون – على الأقل – رصيدا شخصيا للزعماء الذين حضروها، سيكتب التاريخ أنهم حاولوا أن يفعلوا شيئا، أما إذا نجحوا.. فسوف تكون تلك صفحة مشرقة فارقة في كتاب التاريخ).

(انتهت المقالة التي كُتبت قبل القمة.. ولم تنشر)

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21