تطبيقات على شر البليّة

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 17 أكتوبر 2021 م

قالوا قديما (شرُّ البليّة ما يضحك)، وفي هذه الأيام يمكنك عزيزي القارئ أن تشاهد عشرات المشاهد في نشرات الأخبار كتطبيقات عملية على هذا المثل السائر، ما نراه في نشرات الأخبار مجرد انعكاس لأحوالنا، أحوالنا التي هي خيبة أنظمة الحكم في الوطن العربي، تلك الأنظمة التي لا يتمتع معظمها بشراك بعير من الشرعية، ولا بمثقال ذرة من الاستقلال الوطني، ويقابلها في الوقت نفسه نخب عاجزة، وعجزها يقتل آمال جيل عظيم من الشباب.

*        *        *

أول ما يضحك المواطن العربي هذا الأسبوع هو محاولات الرئيس الشعبوي الانقلابي المدعو "قيس سعيّد" سحب جواز السفر الدبلوماسي للرئيس التونسي الأسبق الدكتور "المنصف المرزوقي" !

ما أتفه هؤلاء الحكام الذين تصل بهم المقادير إلى سدة الحكم وهم لا علاقة لهم بالسياسة، ولم يكن لهم من طموح في العمل العام أساسا.. هذا الرجل وضعته المقادير في قصر قرطاج، وما زال يثبت يوما بعد يوم كيف أنه مجرد مخلب شرٍّ يتحرك بأمر من قوى خارجية، هدفها إسقاط المسار الديمقراطي الذي بدأ بفضل الثورة التونسية المجيدة.

أبّهة الحكم أفقدته توازنه، إنه شخص لا قيمة له، قيمته الوحيدة يستمدها من منصبه، فهو ليس بعالم، ولا مفكر، ولا زعيم.. شخص بلا تاريخ.. ويظن الجميع مثله، فلا يدري أن الدكتور "المنصف المرزوقي" أكبر من كل هذه الترهات، وأن العالم كله يعرف قدره سواء حمل جواز سفر دبلوماسي أو غير دبلوماسي.

إن هذا الرجل ينبغي أن يعزل، وينبغي أن يحاكم، وحين يحاكم لا بد أن ينظر في ماضيه المشين في عهد "بن علي"، وأن ينظر في أرصدته في الخارج، سواء كانت تلك الأرصدة في سويسرا.. أو في دبي وأبوظبي !

*        *        *

الخبر الثاني الذي يضحك المتابع ضحكا مرّا مرارة العلقم هو ما يحدث تحت أنقاض ما اعتدنا على تسميته (جماعة الإخوان المسلمين)، تلك الجماعة التي ماتت، ولكن ما زال كثير من أعضائها وقياداتها لا يدركون، ينكرون الواقع، رائحة الجثة تزكم الأنوف، وبدلا من دفن الميت يشعلون البخور للتغطية على رائحة العفن..

كلما مرّ الوقت أصبحت الحقيقة أكثر وضوحا، وأصبحنا أمام جثة جماعة، وهذه سنة الله في الدول والجماعات والأفراد.. الموت علينا حق !

المضحك في الأمر أن البعض يتعامل مع الخلاف وكأن هناك عملية (إنقاذ) للجماعة، وأن فرصة (الإصلاح) قد جائت أخيرا، وأن عملية (الإسعاف) قد بدأت..

هذا الإنقاذ المزعوم سيقوم به رجل في عقده التاسع، علاقته بمصر مقطوعة منذ ما يقرب من نصف قرن، والرجل في حقيقته جزء لا يتجزأ من القيادات التي أهلكت الجماعة، وأهلكت الثورة المصرية، وأهلكت المنطقة كلها بسبب مصالحها الشخصية وانفصالها عن الواقع، والاصطفاف خلفه – على اعتبار أنه المنقذ – غفلة تدفع المرء إلى الضحك ملء شدقيه.

من المضحك المبكي أن نرى خلافات على السوشيال ميديا وعلى شاشات بعض القنوات تتعلق بما يحدث، وكأن هناك كائنا حيا يمكن أن يتحرك ويتفاعل من جديد، بينما الحقيقة أن هذا الكائن مات منذ عدة سنوات، وما يحدث حاليا هو في حقيقته (نزاع على التركة) !

*        *        *

في العيد الخامس والعشرين لقناة الجزيرة الإخبارية يضحكني بعض ما يذاع عليها من إعلانات ترويجية (أثّرَتْ ولم تتأثًّرْ.. غيّرَتْ ولم تتغيّرْ) !

الحقيقة أن جرعة البكاء حين تشاهد هذا الإعلان الترويجي أكبر بكثير من جرعة الضحك، ذلك أن منطق تفكير الشخص الذي كتب هذا الإعلان يرى التأثُّر عيبا، عارا ينبغي نفيه، لا ينبغي للجزيرة أن تتأثر، إنها كائن أكبر من أن يستقبل، الجزيرة وعلى مدار ربع قرن من العمل في عشرات الدول.. تُرسل فقط.. وهذا لو صح فإنها سُبَّة في حق المؤسسة.

كاتب الإعلان يؤله المؤسسة.. فهي تُغيِّر.. ولكن هيهات أن تتغيّر !!!

الحقيقة التي لا تقبل الشك هي أن الجزيرة ما زالت حتى الآن القناة الإخبارية الأولى عربيا، وأنها مؤسسة دولية لها اعتبارها واحترامها، وأنها تتمع بقدر كبير من الحرية (مقارنة بغيرها)، ولكن لا يمكن أن نقارن مساحة الحرية المتاحة للجزيرة اليوم بما كان متاحا لحظة انطلاقها في سنواتها الأولى، ولا حتى بمساحة الحرية التي كانت متاحة بعد اندلاع ثورات الربيع العربي، أو حتى بعد الحصار الظالم لدولة قطر.

لا يمكن أن نقارن بين أداء إعلاميي الجزيرة اليوم وبين أداء مؤسسيها الأوائل، ولا بين ما هو متاح اليوم للظهور على الشاشة.. وما كان متاحا منذ سنوات.

لقد أثَّرَت الجزيرة في الإقليم كله، بل إن لها تأثيرا دوليا لا يُنكر، منذ انطلاقها وإلى اليوم، ولكن محاولة نفي أنها تأثَّرَت بالأحداث الجسام من حولها يشبه مديحا ركيكا لشاعر مبتدئ، وهو أمر لا يليق بمؤسسة بهذا الحجم.

لقد سقطت الجزيرة في التعامل مع كثير من الأحداث الكبيرة، بتغطية منحازة، أو بتجاهل لأحداث، وتضخيم لأحداث أخرى.. مثلما يحدث اليوم بالتركيز على ما يحدث في أفغانستان، وتجاهل ما يحدث في الهند مثلا !

أما ما يحدث اليوم من بلاغات من قناة الجزيرة على وسائل التواصل الاجتماعي ضد ناشطين سياسيين (تماما مثل الـMBC والقنوات المصرية والسعودية والإماراتية التي تعمل بالريموت كنترول) فهو دليل على أن أي إدارة عاقلة للجزيرة ينبغي أن تحاسب نفسها حسابا عسيرا.

كيف يمكن لضيف على الجزيرة أن يقول رأيه على شاشة القناة.. ثم ينشر فيديو اللقاء على صفحاته.. ثم يفاجأ بأن الجزيرة نفسها تقوم بالإبلاغ عنه وكأنه استولى على حق ملكية الفيديو الذي أذاعه !؟

كيف يمكن للناشطين السياسيين أن يجدوا أنفسهم في مواجهة مع مواقع السوشيال ميديا الخاصة بالجزيرة.. تماما مثلما هم في مواجهة مع القنوات (اياها)؟

كيف يمكن بعد هذه المهزلة أن نصدق.. أن الجزيرة (لا تتأثَّر.. ولا تتغيّر) !؟

إن التحدي الحقيقي لقناة الجزيرة اليوم هو وقف تأثرها بإعلام الاستبداد، ووقف تغيرها الذي أدى إلى تدهور رسالتها الإعلامية بسبب ظروف دولية وإقليمية في غاية القسوة.

تفوّق الجزيرة اليوم ليس بسبب مهنية زائدة، بل بسبب وجودها في محيط إعلامي عربي هو الأكثر انحطاطا.. ولولا ذلك لما تجرأ أحد على إطلاق هذه الادعاءات بهذه الجرأة !

رابط المقال